1597 مشروعًا بأكثر من 9.7 مليارات ريال.. شراكة الدولة والمجتمع تجسد مسار التنمية والاعتماد على الذات
1597 مشروعًا بأكثر من 9.7 مليارات ريال.. شراكة الدولة والمجتمع تجسد مسار التنمية والاعتماد على الذات

21 سبتمبر | تقرير خاص
في الوقت الذي راهنت فيه قوى العدوان والحصار على إنهاك المجتمع اليمني وتعطيل مسارات التنمية وإغراق البلاد في دوامة الاحتياج والاعتماد على الخارج، برزت المبادرات المجتمعية في مختلف المحافظات الحرة كواحدة من أهم ثمار الوعي الوطني وروح الاعتماد على الذات التي تعززت خلال السنوات الماضية، لتتحول من مجرد أعمال تطوعية محدودة إلى مشروع وطني واسع يسهم في بناء البنية التحتية وتحسين الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي مقدمة المحافظات التي قدمت نموذجًا لافتًا في هذا المجال، تأتي محافظة صنعاء التي استطاعت أن تحوّل المبادرات المجتمعية إلى منظومة عمل مؤسسية متكاملة، جمعت بين الجهد الشعبي والدعم الرسمي، وأثمرت مئات المشاريع الخدمية والتنموية التي لامس أثرها المباشر حياة المواطنين في مختلف المديريات والعزل والقرى.
وتعكس التجربة التنموية لمحافظة صنعاء حجم التحول الذي شهدته البلاد في ظل المشروع الوطني الذي حملته ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، والتي أعادت الاعتبار لدور المجتمع كشريك أساسي في البناء والتنمية، ورسخت مفاهيم التكافل والتعاون والعمل الجماعي باعتبارها ركيزة من ركائز الصمود الوطني في مواجهة العدوان والحصار.
ثورة 21 سبتمبر.. إعادة الاعتبار للمجتمع كشريك في التنمية
منذ انطلاق ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، برز توجه واضح نحو تفعيل الطاقات المجتمعية وإشراك المواطنين في صناعة التنمية وصياغة الحلول لمختلف التحديات التي تواجه البلاد.
فبعد عقود من مركزية القرار التنموي والاعتماد شبه الكامل على التمويل الحكومي أو الخارجي، جاءت الثورة لتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على تحفيز المجتمع على المبادرة والإنتاج والمشاركة الفاعلة في تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بتكامل دور الدولة مع دور المجتمع.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن هذا التوجه لم يكن مجرد شعار، بل تحول إلى واقع عملي تجسد في آلاف المبادرات التي انتشرت في مختلف المحافظات، وأسهمت في شق الطرق وإنشاء المدارس والمشاريع المائية والزراعية وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الريفية والنائية.
محافظة صنعاء.. نموذج متقدم للعمل التعاوني
ضمن هذا السياق، برزت محافظة صنعاء كواحدة من أكثر المحافظات نجاحًا في تحويل المبادرات المجتمعية إلى رافعة تنموية حقيقية.
فقيادة المحافظة وضعت ملف المبادرات في صدارة أولوياتها، انطلاقًا من قناعة بأن المجتمع يمتلك من الطاقات والإمكانات ما يؤهله للمشاركة الفاعلة في بناء واقعه التنموي متى ما توفرت له البيئة الداعمة والإسناد المناسب.
ولم يقتصر دور السلطة المحلية على التشجيع المعنوي، بل شمل تقديم أشكال متعددة من الدعم المادي والفني، من خلال توفير الديزل والإسمنت والآليات والمعدات اللازمة، إلى جانب تسهيل الإجراءات الإدارية وتذليل الصعوبات أمام المبادرين والمجتمعات المحلية.
كما حرصت قيادة المحافظة على مواكبة المشاريع ميدانيًا، من خلال النزولات المستمرة وتكريم المبادرين والشخصيات الاجتماعية الفاعلة، بما يعزز ثقافة التنافس الإيجابي ويوسع دائرة المشاركة المجتمعية.
أرقام تتحدث عن نفسها
تكشف لغة الأرقام حجم الإنجاز الذي تحقق خلال الأعوام من 1444هـ إلى 1447هـ، حيث بلغ إجمالي مشاريع المبادرات المجتمعية في محافظة صنعاء 1597 مشروعًا في مجالات متعددة شملت الطرق والمياه والتربية وغيرها من القطاعات الخدمية والتنموية.
ووفق البيانات الرسمية، تم تنفيذ 1424 مشروعًا بصورة كاملة، فيما شارفت ستة مشاريع على الإنجاز النهائي، بينما يستمر العمل في 25 مشروعًا، في حين لم يبدأ التنفيذ بعد في 46 مشروعًا لأسباب فنية أو إجرائية مختلفة.
وتعكس هذه الأرقام مستوى الحراك التنموي الذي تشهده المحافظة، خصوصًا إذا ما أخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية والاستثنائية التي تمر بها البلاد نتيجة استمرار العدوان والحصار.
أما من حيث التكلفة، فقد بلغت القيمة الإجمالية للمشاريع المنفذة والجاري تنفيذها أكثر من 9 مليارات و742 مليون ريال، وهو رقم يعكس حجم الاستثمارات المجتمعية والرسمية التي جرى توجيهها نحو التنمية المحلية خلال السنوات الأخيرة.
المجتمع شريك رئيسي في التمويل والتنفيذ
واحدة من أبرز سمات تجربة المبادرات المجتمعية في محافظة صنعاء تتمثل في حجم المشاركة الشعبية الواسعة في تمويل وتنفيذ المشاريع.
فقد بلغت مساهمة المجتمع النقدية والعينية أكثر من 6 مليارات و440 مليون ريال، وهو ما يمثل النسبة الأكبر من إجمالي التمويل، بينما بلغت مساهمة السلطة المحلية والجهات الداعمة أكثر من 3 مليارات و140 مليون ريال.
وتؤكد هذه المعطيات أن المجتمع لم يعد متلقيًا للخدمة فحسب، بل أصبح شريكًا حقيقيًا في التخطيط والتمويل والتنفيذ والمتابعة، وهو ما أسهم في تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه المشاريع المنجزة وضمان استدامتها والحفاظ عليها.
إدارة مؤسسية تضمن النجاح والاستدامة
ولم يكن النجاح الذي حققته المبادرات المجتمعية في محافظة صنعاء وليد الصدفة، بل جاء نتيجة وجود أطر مؤسسية وفنية تنظم العمل وتضمن كفاءته.
فالإدارة العامة للمبادرات المجتمعية وقطاع التخطيط بالمحافظة يتوليان دراسة المشاريع المقترحة من النواحي الفنية والهندسية، والتأكد من جدواها الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى التنسيق بين التمويل المجتمعي والدعم الحكومي، والإشراف المباشر على مراحل التنفيذ.
كما يتم إعداد تقارير دورية لمتابعة نسب الإنجاز وضمان الالتزام بالمواصفات الفنية، بما يعزز الشفافية ويرفع من كفاءة استغلال الموارد المتاحة.
الجمعيات التعاونية.. الذراع التنفيذية للتنمية
ويبرز الدور المحوري للجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض باعتبارها إحدى أهم أدوات تحويل المبادرات من أفكار إلى مشاريع واقعية.
فعلى مستوى قطاعات المحافظة، تضطلع هذه الجمعيات بمهمة التخطيط الاستراتيجي وتوحيد الجهود التنموية بين المديريات والعزل المختلفة ضمن رؤية تنموية موحدة، إضافة إلى توفير المدخلات الزراعية الأساسية للمزارعين، بما في ذلك البذور المحسنة والحراثات ومنظومات الطاقة الشمسية.
أما على مستوى المديريات والعزل، فتتولى الجمعيات مهام التعبئة المجتمعية والتوعية بأهمية العمل التعاوني والتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، إلى جانب تنفيذ مشاريع حصاد مياه الأمطار وإنشاء الحواجز المائية وصيانة قنوات الري وحماية الأراضي الزراعية من الانجراف.
من الطرق إلى المياه والتعليم
وقد تنوعت المشاريع المنفذة عبر المبادرات المجتمعية لتشمل مختلف القطاعات الحيوية المرتبطة بحياة المواطنين اليومية.
ففي قطاع الطرق، أسهمت المبادرات في شق وتوسعة وتعبيد العديد من الطرق الريفية التي ظلت لعقود طويلة تعاني من العزلة وصعوبة الوصول إليها.
وفي قطاع المياه، نفذت مشاريع حفر الآبار وإنشاء الخزانات وبرك حصاد المياه وشبكات التوزيع، بما أسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف معاناة السكان.
كما شهد قطاع التعليم تنفيذ مشاريع بناء وتأهيل الفصول الدراسية وتحسين البيئة التعليمية، الأمر الذي انعكس إيجابًا على العملية التعليمية في العديد من المناطق الريفية.
ثقافة تنموية تعزز الصمود والاكتفاء الذاتي
ويرى مراقبون أن الأهمية الحقيقية للمبادرات المجتمعية لا تكمن فقط في المشاريع التي تنجزها، بل في الثقافة التي ترسخها داخل المجتمع.
فهي تعزز قيم التعاون والتكافل والعمل الجماعي، وتدفع المواطنين إلى الانتقال من موقع انتظار الحلول إلى موقع المساهمة في صناعتها، بما يعزز الثقة بالقدرات الذاتية ويرسخ مفهوم التنمية القائمة على المشاركة الشعبية.
وفي هذا الإطار، أكد محافظ محافظة صنعاء عبدالباسط الهادي أن المبادرات المجتمعية لم تعد مجرد بديل مؤقت لتعويض نقص المشاريع المركزية، بل أصبحت ثقافة أصيلة تعكس وعي المجتمع وقدرته على الصمود والإبداع في مواجهة التحديات.
كما شدد على أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في الانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن الاعتماد على الآخرين إلى الاعتماد على الذات، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لتحقيق التنمية المستدامة.
تجربة رائدة لمستقبل أكثر استقرارًا
ومع استمرار توسع المبادرات المجتمعية وتزايد المشاركة الشعبية فيها، تواصل محافظة صنعاء ترسيخ مكانتها كنموذج وطني رائد في التنمية التشاركية، مؤكدة أن إرادة المجتمع حين تتكامل مع جهود الدولة قادرة على صناعة الفارق وتحقيق الإنجازات حتى في أصعب الظروف.
وتقدم التجربة رسالة واضحة مفادها أن التنمية ليست رهينة الإمكانات الضخمة أو التمويل الخارجي، بل تبدأ من وعي المجتمع وإيمانه بقدرته على التغيير، وهو ما جسدته محافظة صنعاء عبر مئات المشاريع التي تحولت إلى شواهد حية على نجاح نموذج الشراكة بين الدولة والمجتمع.
وفي ظل هذا الحراك المتصاعد، تبدو المبادرات المجتمعية اليوم واحدة من أهم أدوات البناء الوطني، وعنوانًا بارزًا لمرحلة تتعزز فيها قيم الاعتماد على الذات، وتتسع فيها مسارات التنمية المستدامة، بما يرسخ صمود المجتمع اليمني ويدفعه بثقة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية الشاملة.







