تويترمقالات

قراءة في سياق كلمة مفتاح .. بين زلة لسان وحجم التضخيم

21 سبتمبر|

 

عبدالرحمن العابد .. قبل شهور، كانت طائرات العدوان الاسرائيلي تستهدف اجتماع لحكومة التغيير في صنعاء، ويُصاب نائب رئيس الوزراء آنذاك، العلامة محمد مفتاح، بينما يستشهد رئيس الحكومة “الرهوي” وعدد من زملائه الوزراء إلى جانبه سلام الله على أرواحهم الطاهرة جميعاً.

اليوم، يُهاجم نفس الرجل -بشراسة غير مسبوقة- بسبب عبارة قالها في مقابلة ، جُردت من سياقها، وضُخمت بأكثر مما تستحق، حتى كادت أن تطغى على سنوات من النضال والتضحية. هذا المقال هو قراءة شخصية مني، وليس دفاعاً رسمياً عن أي جهة، بل محاولة لوضع النقاط على الحروف بعيداً عن الانفعال، وأقرب إلى الإنصاف.

ما أثار الجدل الأكبر كان عبارة الأستاذ محمد مفتاح عندما قال “ولو بلاش”، والتي فُهمت خطأً على أنها استهانة بمعاناة الناس وجوعهم. وهنا لا بد من توضيح أن هذه العبارة، في اللهجة الصنعانية، تحمل معنى “ولو بالشيء البسيط” بمعنى “اخرج اشتغل ولو بكمّا كان” أو “بكمّا وقع”.

لم يقل الرجل إن الوضع ليس سيء ولا أن الجوع غير موجود، ولم يقل إن المعاناة وهم، بل كان يحثّ على العمل والإنتاج في ظل حصار خانق، وينتقد أسلوب التباكي والصراخ المبالغ فيه على مواقع التواصل الاجتماعي، ملمحاً لذلك بالقول “ووفر حق باقات النت”، ولم يُدن جوهر الشكوى التي هي حق مشروع لكل مواطن.

ولمن يجهل تاريخ هذا الرجل، يكفي أن نذكّر أن العلامة محمد مفتاح ليس وافداً جديداً على الساحة، بل هو رجل دين ومؤهل ومناضل، سُجن في عهد صالح، وصدر بحقه حكم بالإعدام، قبل أن يُطلق سراحه. ثم تعرّض للإصابة أثناء قصف طيران العدوان الإسرائيلي لمقر حكومة الرهوي، حيث استُشهد عدد من الوزراء إلى جانبه.

واليوم كقائم بأعمال رئيس الوزراء يحمل أرواح فريقه على كتفيه كل يوم، ويعمل في ظلّ أوضاع يستحيل فيها الأمان، تحت قصف قد يأتي في كل لحظة.

وحكومة التغيير اليوم، التي يعمل بقوامها تحت وطأة حصار اقتصادي غير مسبوق وقطع للمرتبات، استطاعت أن تقطع أشواطاً في إعادة الهيكلة الإدارية، وأن ترشّق الوزارات لتتناسب مع حجم التحدي.. ويحسب لها أنها تدير أمور صعية في الأوضاع الاعتيادية وأجواء الأمن والاستقرار فما بالكم في هذه الظروف الخانقة. ومن هنا جاءت كلمة مفتاح، لا من برج عاجي، بل من قلب المعاناة نفسها.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا يُغيّب العدوان والحصار الخانق عن دائرة الاتهام الذي تسبب بالجوع والإفقار عبر الحصار الاقتصادي وقطع المرتبات؟ أليس من الظلم أن نُحمّل الداخل وزر كل ما فعله الخارج؟ أليست الأولوية لتوجيه اللوم إلى من تسببوا في هذا الجوع وقطع المرتبات، بدلاً من أن نأكل بعضنا إعلامياً ونلهث خلف زلة لسان؟

رغم أني لا أعفي بعض المزريين من التسبب ببعض الإشكاليات.. لكن الإنصاف مطلوب. لا أخفيكم أن هناك من يترصّد، ومن يضخّم، ومن يحاول إثارة البلبلة لخدمة أجندات معادية. وهذا لا يعني نفي وجود مواطنين يعانون ويعبّرون عن ألمهم وهذا حقهم، لكن التمييز بين “تعبير عفوي” و “حملة ممنهجة” هو واجب إعلامي “ديني وأخلاقي”.

كما أن التضخيم الذي طال كلمة مفتاح واضح أنه لم يكن عفوياً من قِبل البعض، بل بدا منسّقاً وكأنه ينتظر أي زلة ليُحوّلها إلى ساحة مواجهة. في النهاية، اليمن في حرب وجود، وحكومته تعمل تحت القصف، وشعبه يعاني حصاراً جائراً. بدلاً من أن نشتت طاقاتنا في مهاترات جانبية، فلنوجّه غضبنا نحو من صنع هذا الجوع ونطالب بانتزاع حقنا منه.

ولنتعاطف ونتراحم مع بعضنا البعض دون أن نحرق من يحاول أن يعمل في ظل العدوان، خصوصاً من على استعداد لتقديم أرواحهم. هذا اجتهادي ورأيي الشخصي بعيد عن التزلف أو المجاملة لكنها الحقيقة، والعدالة تقتضي أن ننظر إلى الصورة الكاملة، لا إلى لقطة واحدة فقط.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى