العدوان الذي أراد إسقاط إيران.. فانتهى بتعزيز قوتها!
العدوان الذي أراد إسقاط إيران.. فانتهى بتعزيز قوتها!

21 سبتمبر| مقالات – عبدالخالق دعبوش
دعوني أبدأْ بملاحظة لفتت انتباهي منذ الأيّام الأولى لهذا العدوان.
ففي كُـلّ حرب تقريبًا نسمع عن الأهداف المعلَنة، وعن الخطط العسكرية، وعن الوعود بالحسم السريع وتغيير المعادلات.
لكن ما يحدث على أرض الواقع غالبًا شيءٌ آخر تمامًا.
والحقيقة أنني كلما تابعتُ مسارَ المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وجدتُ نفسي أتساءل:
هل تسيرُ الأحداثُ فعلًا نحو الأهداف التي أعلنت في البداية؟
أم أن المنطقة تشهد نتيجةً معاكسة تمامًا؟
في بداية الحرب كان الحديث واضحًا:
– إضعاف إيران.
– تدمير برنامجها النووي.
– تقليص نفوذها.
– عزلها سياسيًّا وإضعافها اقتصاديًّا.
– وأبرزها تغيير النظام في إيران.
وإجبارها على التراجع أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية.
كانت الصورة التي أراد صانعو الحرب ترسيخها أن إيران تقف أمام اختبار وجودي قد لا تستطيع تجاوزه.
ما حدث لاحقًا يستحق التوقف عنده طويلًا.
لأن السؤال اليوم لم يعد: ماذا خسرت إيران؟ بل: ماذا كسبت؟
وهنا يبدأ المشهد بالتعقيد.
فالدول لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي سقطت عليها أَو حجم الأضرار التي تعرضت لها.
الدول تُقاس أَيْـضًا بقدرتها على الصمود.
وبقدرتها على تحويل التهديد إلى فرصة.
وبقدرتها على الخروج من العدوان وهي أكثر حضورًا مما كانت عليه قبله.
وهذا تحديدًا ما نجحت إيران في فعله.
أتعجب أحيانًا من الطريقة التي ينظر بها البعضُ إلى الحروب والاعتداءات على الشعوب.
وكأن النصر مُجَـرّد صورة لطائرة تقصف هدفًا.
أو بيان عسكري يتحدث عن نجاح عملية ما.
بينما التاريخ يخبرُنا بشيء مختلفٍ تمامًا.
كم من دولة انتصرت عسكريًّا وخسرت سياسيًّا؟
وكم من دولة تعرَّضت لضرباتٍ قاسيةٍ لكنها خرجت أكثرَ تأثيرًا؟
ليست هذه أول مرة تحدُثُ مع إيران، حدثت مع اليمن كذلك، وهي بلا شك لن تكون الأخيرة.
عندما ننظر إلى المشهد الحالي نجد أن أحد أهم أهداف العدوان على إيران هو تفكيك البرنامج النووي، وتغيير النظام، وكسر صورتها وعزلها دوليًّا كقوة إقليمية قادرة على الردع.
لكن ما الذي حدث؟
بغض النظر عن المواقف السياسية، أصبح الجميع يتحدث عن إيران؛ باعتبَارها طرفًا لا يمكن تجاهله.
خصومها يتحدثون عنها.
وحلفاؤها يتحدثون عنها.
والعالم بأسره يراقب خطواتها وحساباتها.
وهنا تكمن المفارقة.
فالعدوان الذي كان يُراد منه تدميرها أَو تقليل حضورها جعلها أكثر حضورًا في النقاش الدولي.
أما الهدف الثاني الذي أراده الأمريكي والصهيوني فكان إعادة رسم توازنات المنطقة بطريقة تُضعف موقع طهران.
لكن النتائج تبدو أكثر تعقيدًا مما خُطط لهذا الهدف.
لأن أية مواجهة بهذا الحجم لا تعيد تشكيل صورة طرف واحد فقط.
إنها تعيد تشكيل صورة الجميع.
ومن يتابع النقاشات السياسية والإعلامية يدرك أن كَثيرًا من الأسئلة التي كانت تُطرح حول مستقبل النظام الإيراني تحولت اليوم إلى أسئلة من نوع آخر:
كيف استطاعت إيران الصمود؟
وكيف حافظت على تماسكها؟
وكيف ما زالت قادرة على التأثير رغم كُـلّ الضغوط؟
هذه الأسئلة بحد ذاتها مكسب سياسي.
وربما تكون من أهم المكاسب.
وفي جانب آخر لا يقل أهميّة، هناك ما يمكن تسميتُه بمشكلة التوقعات.
فالذين خطّطوا للعدوان رفعوا سقفَ التوقعات إلى مستويات عالية جِـدًّا.
وعندما ترتفع التوقعات تصبح النتائج أقل من المتوقع بمثابة خسارة سياسية، حتى لو تحقّق جزء من الأهداف.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
كلما طالت المواجهة دون تحقيق تغيير جذري، ازداد الحديثُ عن فشل الأهداف الأصلية للعدوان.
وازداد الحديثُ عن قدرة إيران على التحمل والمناورة والصمود والانتصار.
وأعتقد أن هذه النقطة تحديدًا تستحق التأمل.
لأن القوة ليست دائمًا في القدرة على الضرب.
أحيانًا تكون في القدرة على الاستمرار والصمود والمواجهة.
والاستمرار في عالم الصراعات الطويلة قد يكون أخطرَ من الضربة نفسها أَو العدوان.
ما يلفت الانتباهَ أَيْـضًا أن العدوان الذي كان يُفترَض أن يعزل إيران دفع كَثيرًا من القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة حساباتها.
ففي الأزمات الكبرى تبحث الدول عن التوازن لا عن المغامرة.
وتبحث عن الاستقرار لا عن الفوضى.
يصبح الطرف القادر على البقاء لاعبًا لا يمكن تجاوزه مهما كانت الخلافات معه.
وهنا أصل إلى السؤال الذي يشغلني منذ بداية هذه المواجهة والعدوان على إيران:
هل كان العدوان يهدف إلى تغيير إيران؟
أم أنه انتهى إلى تغيير نظرة العالم إليها؟
لا أملك إجَابَة نهائية.
لكن ما يبدو واضحًا أن النتائج حتى الآن لا تشبه كَثيرًا الأهداف التي رُسمت في البدايات.
ففي السياسة، كما في التاريخ، ليست المشكلة في إعلان الأهداف.
المشكلة في النتائج التي تخرج بها بعد انتهاء المعركة.
والنتيجة التي يراها كثير من المراقبين اليوم أن إيران، رغم ما تعرضت له من ضغوط واستهداف، نجحت في تحويل جزء كبير من أهداف خصومها إلى عناصر قوة سياسية ومعنوية واستراتيجية لها.






