نفاق بروكسل تحت مجهر الأمم المتحدة: التواطؤ الأوروبي كركيزة لاستدامة الإبادة الصهيونية

21 سبتمبر / تقرير
تجاوزت انتقادات المقررة الأممية “فرانشيسكا ألبانيز” لمؤسسات الاتحاد الأوروبي سياق العتب الدبلوماسي، لتضع الأصبع على الجرح الغائر في بنية النظام الدولي؛ حيث كشفت أن “البيروقراطية” الأوروبية ليست عجزاً إدارياً، بل هي خيار سياسي متعمد لتوفير الوقت اللازم للكيان الصهيوني لاستكمال مشروع الإبادة. إن توصيف ألبانيز للتعاطف الأوروبي بأنه “أمر لا يُطاق” يمثل إدانة صريحة لمنظومة تستثمر في الخطاب الإنساني لتغطية شراكتها البنيوية في الجريمة، وهو ما يتقاطع مع رؤية محور المقاومة في أن الغرب يتبادل الأدوار مع واشنطن لضمان إفلات “إسرائيل” من المحاسبة القانونية والأخلاقية.
يأتي هذا التصعيد الأممي في ظل دخول الإبادة عامها الثالث، وهو توقيت ينسف ادعاءات “الدفاع عن النفس” ويكشف عن مخطط تطهير عرقي شامل يُنفذ بأسلحة وأموال أوروبية. إن تحول غزة إلى بيئة موبوءة بالأمراض والقوارض ليس نتاجاً عرضياً للحرب، بل هو استراتيجية “قتل بيولوجي” صمتت عنها بروكسل طويلاً، مما يجعل من دعوة ألبانيز لقطع التجارة وتسليح الكيان اختباراً أخيراً لما تبقى من سيادة قانونية أوروبية مرتهنة للقرار الأمريكي، ويؤكد أن كسر هذا الحصار لن يتم عبر الاستجداء الدبلوماسي، بل عبر تصعيد الضغط الشامل على ركائز هذا التحالف الاستعماري.
مأسسة الإبادة والغطاء البيروقراطي الأوروبي
تستخدم عواصم الاتحاد الأوروبي التظاهر بالتعاطف كأداة لامتصاص الاحتقان الشعبي الداخلي، بينما تستمر في تزويد ماكينة الحرب الصهيونية بالقطع والمعدات اللازمة لاستمرار المجزرة. إن هذا “التواطؤ الناعم” الذي فضحته ألبانيز يثبت أن الاتحاد الأوروبي شريك في تعطيل مفاعيل المحكمة الجنائية الدولية عبر المماطلة في تنفيذ أوامر الاعتقال، مما يحول الاتفاقيات الحقوقية الأوروبية إلى حبر على ورق عندما يتعلق الأمر بمواجهة الصهيونية، ويؤكد أن المحور الذي يقوده العدو يمتد ليشمل مراكز القرار في بروكسل التي تقتات على دماء الأطفال والنساء في غزة.
وعلى المستوى السياسي، يخدم هذا الميوع الأوروبي الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف قدرات المنطقة، حيث تُركت غزة لمواجهة الإبادة والبيئة الموبوءة دون تدخل حقيقي يوقف تدفق السلاح. إن مطالبة ألبانيز بوقف التجارة مع الكيان هي بمثابة دعوة لفك الارتباط العضوي بين الاقتصاد الأوروبي وآلة القتل الصهيونية، وهو ما ترفضه بروكسل خشية الصدام مع واشنطن، مما يجعلها شريكة جنائية في استشهاد أكثر من 72 ألف مدني، وفي كل خرق صهيوني لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025.
ويبرز فشل الرهان على “القيم الأوروبية” في تماهي الاتحاد مع الحصار الصهيوني الذي جعل من تفشي الأوبئة سلاحاً فتاكاً يضاهي الصواريخ في أثره التدميري. إن الصمت على “وباء الجرذان والبراغيث” الذي أشار إليه التقرير الأممي يعكس رغبة غربية مضمرة في كسر إرادة الصمود الفلسطيني عبر إذلال كرامة الإنسان وتدمير مقومات حياته، وهو ما يُسقط القناع عن ديمقراطيات تدعي الرقي بينما تمارس أبشع أنواع النازية الجديدة ببدلات رسمية خلف مكاتب البيروقراطية.
سياط الأرقام وسقوط شرعية “الوساطة” الغربية
تعكس البيانات الدامية التي سجلت إصابة 172,399 فلسطينياً واستشهاد الآلاف تحت الركام حقيقة أن “الوساطة” الغربية لم تكن إلا فخاخاً دبلوماسية تهدف لشرعنة الاحتلال ومنحه الحصانة. إن استمرار الجرائم رغم وجود اتفاق وقف إطلاق النار يثبت أن الكيان الصهيوني لا يفهم إلا لغة القوة التي يتبناها محور المقاومة، وأن المظلة الأوروبية-الأمريكية هي التي تمنحه الضوء الأخضر لممارسة خروقاته اليومية، مما يجعل من أي حديث عن “تعاطف” أوروبي دون فعل حقيقي هو استخفاف بالعقول واستهانة بدماء الضحايا.
إن الدعم العسكري والأوروبي المباشر، الذي مكن جيش العدو من الصمود لعامين من الإبادة، يضع دول الاتحاد في مواجهة مباشرة مع الشعوب الحرة ومحور الصمود الذي يرى في هذا التحالف عدواً مشتركاً. ولم يعد ممكناً فصل الجندي الصهيوني الذي يقتل في غزة عن المصنع الأوروبي الذي زوده بالذخيرة أو السياسي البروكسلي الذي برر له الجريمة، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع تتركز فيها الجهود على تعرية هذا التحالف وفضح دوره في تدمير الاستقرار الإقليمي والعالمي.
وتؤكد ألبانيز أن “التعاطف” لا يستقيم مع استمرار التجارة والتسليح، وهي معادلة تضع الشعوب الأوروبية في مواجهة مع أنظمتها التابعة للمشروع الصهيوني. إن صمود المقاومة في غزة، رغم الحصار والتجويع والأوبئة، قد نجح في استيلاد مواقف أممية صلبة بدأت تخرج عن صمتها لتصف الواقع بمسماه الحقيقي: “إبادة جماعية”، وهو ما يسحب البساط من تحت أقدام المروجين للرواية الصهيونية، ويحشر الاتحاد الأوروبي في زاوية الضيق الأخلاقي والقانوني.
المحاسبة الدولية وبداية الانكسار الغربي
إن دعوة ألبانيز لدعم “المدافعين” الذين يفضحون جرائم العدو هي اعتراف صريح بضرورة تعزيز جبهة التصدي الإعلامي والسياسي التي تقودها القوى المناهضة للهيمنة. هذا الموقف الأممي الجريء يمثل انتصاراً سردياً لمحور المقاومة، حيث باتت المصطلحات التي كانت تُعتبر “راديكالية” في السابق هي اللغة الرسمية لمقرري الأمم المتحدة، مما يشير إلى تآكل قدرة التحالف (الأمريكي-الصهيوني) على تزييف الحقائق أو حجب شمس الحقيقة بغربال الإعلام المضلل.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في ملاحقة المسؤولين الأوروبيين أمام المحاكم الشعبية والدولية بتهمة المشاركة في الإبادة، حيث لم تعد الحجج البيروقراطية كافية لتبرير شحنات السلاح. إن انكشاف الدور الأوروبي القذر في حرب غزة سيؤدي بالضرورة إلى تعميق العزلة الأخلاقية للغرب، في مقابل صعود قطب إقليمي ودولي يرفض الإملاءات ويتمسك بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحماية سيادتها من التغول الاستعماري الصهيوني.
سقوط النموذج الغربي تحت ركام غزة
تُعلن صرخة “ألبانيز” وفاة “المركزية الأخلاقية” للاتحاد الأوروبي، وتؤكد أن غزة لم تكن مقبرة للأجساد فحسب، بل كانت مقبرة للشعارات الزائفة التي تغنى بها الغرب لعقود. إن الإصرار على دعم كيان يمارس الإبادة للعام الثالث، وسط صمت مريب عن الأوبئة والجوع، يضع الاتحاد الأوروبي في خانة “العدو المباشر” لطموحات الشعوب الحرة، ويعزز القناعة بأن التغيير الحقيقي يبدأ بإنهاء التبعية لواشنطن وتفكيك منظومة الشراكة مع الصهيونية.
ختاماً، إن الحقائق التي وثقتها المقررة الأممية تثبت أن محور المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني هما القوة الوحيدة القادرة على فرض واقع جديد يُجبر المؤسسات الدولية على النطق بالحقيقة. ومع تهاوي أقنعة التعاطف الأوروبي، تبرز ضرورة تصعيد العمل لملاحقة شركاء الإبادة في بروكسل وواشنطن، فالتاريخ لن يرحم من وقع بيده على صفقات السلاح، والواقع الميداني لن يتوقف حتى كسر يد العدوان واستعادة الحقوق المسلوبة مهما بلغت تضحيات الصامدين تحت الركام.






