11 عاماً من السحق الاستراتيجي.. كيف دفنت صنعاء “أحلام الرياض” في رمال الجبهات وخرجت بجيش “فرط صوتي” أرعب مشغّليها في واشنطن و”تل أبيب”؟

21 سبتمبر / تقرير خاص
تُمثل الذكرى الحادية عشرة لانطلاق العدوان على اليمن في السادس والعشرين من مارس، نقطة “انقطاع تاريخي” في المفاهيم العسكرية والسياسية الحديثة، إذ انتقل اليمن خلال هذه السنوات من مرحلة الدفاع الوجودي إلى مرحلة “الفرض السيادي” الشامل الذي أعاد صياغة موازين القوى في المنطقة. إن القراءة الواعية لهذا العقد تتجاوز السرد العاطفي لتركز على حقيقة تهاوي مشروع “الرباعية الدولية” المتمثلة في أمريكا وبريطانيا وأدواتهما الإقليمية السعودية والإمارات، أمام صلابة الجغرافيا والقرار الوطني المستقل الذي تبلور في العاصمة صنعاء. فبينما كانت التقديرات الاستخباراتية الغربية تمنح الدولة اليمنية أسابيع معدودة للسقوط أمام آلة القتل التكنولوجية، أثبت الواقع الميداني أن اليمن استطاع إعادة هندسة الجغرافيا السياسية، محولاً التهديد الوجودي إلى فرصة استراتيجية لبناء جيش عقائدي واقتصاد مقاوم، مما جعل من صنعاء اليوم مركز ثقل إقليمي يمتلك القدرة على تعطيل وتوجيه الملاحة الدولية وإملاء شروط السلام من موقع القوة والندية المطلقة.
إن التحول من “التفكير الوظيفي” القائم على تلقي الضربات، إلى “التفكير الواعي” الاستراتيجي، سمح للقيادة في صنعاء بإدارة الصراع عبر مسارات متوازية حققت نتائج مذهلة رغم الاختلال الهائل في موازين القوى المادية والتقنية. فاليمن لم يصمد ككيان جغرافي فحسب، بل نجح في “تأميم” قراره السياسي بالكامل، متحرراً من عقود من التبعية المهينة لما كان يُعرف باللجنة الخاصة، ليصبح اليوم الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمارس سيادة فعلية تتجاوز حدودها الجغرافية لتشمل أهم الممرات المائية في العالم. هذا الصمود الأسطوري، الذي نؤرخ لعام الحادي عشر اليوم، هو نتاج تلاحم عضوي بين القيادة الثورية والشعب، وهو الذي حول “بأس الفولاذ” من مجرد شعار تعبوي إلى حقيقة ميدانية غيرت وجه الشرق الأوسط، وفرضت على القوى الدولية إعادة النظر في قدرات الإنسان اليمني الذي استطاع هزيمة أعتى الإمبراطوريات المالية والعسكرية بإرادة لا تلين.
تآكل “التفوق” وانكسار الغطرسة التكنولوجية
بدأ العدوان عملياته العسكرية بنظرية “السيادة الجوية المطلقة”، مستنداً إلى ترسانة هي الأحدث عالمياً من طائرات الجيل الرابع والخامس التي نفذت مئات الآلاف من الغارات الجوية الموثقة، مستهدفة تدمير كافة مقومات الحياة والبنية التحتية اليمنية. إلا أن الرد اليمني الاستراتيجي تمثل في كسر هذا التفوق عبر مسار “تحييد الأجواء” بواسطة منظومات دفاع جوي مطورة محلياً نجحت في إسقاط وتحييد العشرات من طائرات الاستطلاع المقاتلة المتطورة، وعلى رأسها طائرة “MQ-9” الأمريكية، التي تحولت من أيقونة للتكنولوجيا العسكرية إلى حطام موثق بعدسة الإعلام الحربي في مختلف الجبهات. هذا التحول لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل كان إعلاناً عملياتياً عن نهاية عصر الأجواء المفتوحة أمام الغطرسة الأمريكية، وفرض واقعاً جديداً أجبر طيران العدوان على مراجعة حساباته قبل تنفيذ أي عملية هجومية، مما وفر حماية نسبية للمنشآت الحيوية والمدنيين في المناطق الحرة.
وفي سياق موازٍ، انتقلت القوات المسلحة اليمنية من الدفاع السلبي إلى مرحلة “الردع الاستراتيجي” عبر تطوير سلاح الجو المسير والقوة الصاروخية التي بلغت مديات تجاوزت 1500 كيلومتر بدقة متناهية، وهو ما تجسد في عمليات “توازن الردع” التي طالت العمق الحيوي للعدوان. إن نجاح الصواريخ الباليستية والمجنحة اليمنية في ضرب منشآت “أرامكو” النفطية ومطارات العدو، رغم وجود أحدث منظومات الدفاع الجوي العالمية مثل “باتريوت” و”ثاد”، أثبت فشل التكنولوجيا الغربية في مواجهة الابتكار العسكري اليمني. هذا الفشل التقني للعدو قابله صعود يمني في “التصنيع الحربي” الذي استطاع سد الفجوة العسكرية وتطوير سلاح قادر على ضرب أهداف حساسة في “تل أبيب” وأبوظبي والرياض، مما جعل من اليمن قوة ضاربة تمتلك اليد الطولى في المنطقة، وتفرض معادلة “المطار بالمطار والمنشأة بالمنشأة”.
إن هذا الانكسار العسكري للتحالف لم يتوقف عند حدود الدفاع عن الأرض، بل امتد لكسر هيبة القوات البرية والمدرعات الغربية التي احترقت في جبال نهم وشعاب جيزان ونجران أمام المقاتل اليمني الذي يمتلك عقيدة قتالية تفوق بمراحل كل التكنولوجيا المادية. لقد أثبتت السنوات الـ 11 أن “العامل البشري” المؤمن هو المتغير الأهم في معادلة الحرب، حيث استطاع الجيش واللجان الشعبية تحويل الجغرافيا اليمنية الوعرة إلى مقبرة كبرى للغزاة ومرتزقتهم من مختلف الجنسيات. إن المشاهد الموثقة لفرار الجنود السعوديين بآلياتهم الحديثة أمام بأس المقاتلين اليمنيين ستبقى وصمة عار في تاريخ الجيوش النظامية المترهلة، ووثيقة تاريخية تؤكد أن اليمن بات يمتلك جيشاً وطنياً عقائدياً قادراً على حماية السيادة والاستقلال دون الحاجة لأي وصاية خارجية أو حماية أجنبية مشروطة.
إجهاض “الإرهاب المالي” وهندسة الاقتصاد المقاوم
حين فشلت الآلة العسكرية في تحقيق أهدافها، انتقل العدوان إلى مرحلة “الإرهاب الاقتصادي الشامل”، والتي تمثلت في قرار نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن في سبتمبر 2016، وهو القرار الذي صنف قانونياً وجنائياً كجريمة حرب استهدفت لقمة عيش الموظفين عبر قطع الرواتب وتجميد الحسابات البنكية. إلا أن الوعي الاستراتيجي في صنعاء أدار هذه الأزمة بعقلية “الاقتصاد السيادي”، حيث تم اتخاذ قرارات تاريخية بمنع تداول العملة المزورة التي طبعها المرتزقة بمليارات الريالات دون غطاء، مما حمى القوة الشرائية في المناطق الحرة وأبقى سعر الصرف مستقراً نسبياً مقابل الانهيار الكارثي في المناطق المحتلة. هذا الصمود الاقتصادي لم يكن مجرد إدارة للأزمة، بل كان معركة سيادية بامتياز أثبتت فيها صنعاء قدرتها على حماية المواطن من التضخم المفتعل الذي أراده العدوان وسيلة لتركيع الشعب.
لقد ترافق هذا الصمود مع فرض صنعاء لمعادلة “حماية المقدرات السيادية”، والتي تجلت في العمليات العسكرية التحذيرية التي منعت نهب النفط الخام من موانئ الضبة وقنا في المحافظات المحتلة، وهي الخطوة التي حولت النفط اليمني من ثروة مستباحة تمول العدوان ومرتزقته إلى “ورقة تفاوضية كبرى”. إن الرسالة التي وجهتها القوات المسلحة للعالم كانت واضحة وصريحة: “لا نفط بلا رواتب”، وهي معادلة فرضت واقعاً جديداً جعل الشركات الأجنبية تدرك أن ثروات اليمن لم تعد متاحة للنهب في ظل وجود قيادة وطنية قوية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. هذا التحول من وضعية المنهوب إلى وضعية الحامي للثروة، يمثل قمة السيادة الاقتصادية التي تحققت في عقد الصمود، حيث بات المورد السيادي مرتبطاً بشكل مباشر بلقمة عيش الموظف والمواطن في كل شبر من أرض الوطن.
وبالتوازي مع هذه المعارك المالية، انطلقت في المناطق الحرة ثورة “الاكتفاء الذاتي” عبر تفعيل دور اللجنة الزراعية والسمكية العليا والتوجه نحو استصلاح الأراضي وزيادة إنتاج الحبوب، وهو المسار الذي يهدف إلى كسر قيود التبعية الغذائية للخارج. لقد أدركت صنعاء أن “من لا يملك قوت يومه لا يملك قرار غده”، ولذلك تم تحويل الحصار الجائر من عائق إلى دافع للابتكار الزراعي وتوطين الصناعات الغذائية الصغيرة والمتوسطة. إن هذا التوجه الاستراتيجي ساهم في بناء “درع غذائي” خفف من آثار الحصار الشامل المفروض عبر ميناء الحديدة، وأثبت للعالم أن الشعب اليمني قادر على الصمود والإنتاج تحت أقسى الظروف، مؤكداً أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من الحقل والمصنع قبل أن يتكرس في ميدان القتال.
الحصانة الإيمانية وتحطم أمواج “الحرب الناعمة”
مثلت الجبهة الداخلية في اليمن الصخرة التي تحطمت عليها كل مؤامرات التفتيت والاستقطاب التي قادتها غرف العمليات الاستخباراتية التابعة للعدوان عبر “حروب الجيل الرابع” والتضليل الإعلامي الممنهج. فبينما أنفقت الرياض وأبوظبي مليارات الدولارات لشراء الولاءات وإثارة الفتن الطائفية والمناطقية، استندت صنعاء إلى “الهوية الإيمانية” والمشروع القرآني الجامع كحائط صد منيع وفر حصانة مجتمعية غير مسبوقة. لقد فشلت كل محاولات إحداث “انقلاب داخلي” أو “ثورة جياع” مفتعلة، بل على العكس، زادت الجرائم البشعة للعدوان من تلاحم الشعب خلف قيادته الثورية، وتحولت القبيلة اليمنية إلى مخزون استراتيجي رفد الجبهات بالآلاف من المتطوعين الذين استجابوا لنداء التعبئة العامة بوعي وبصيرة نافذة.
إن الفارق الجوهري بين نموذج الدولة في صنعاء ونموذج الارتهان في المناطق المحتلة أصبح اليوم جلياً لكل ذي عينين، حيث استقرت العاصمة صنعاء كنموذج للأمن والاستقرار والتعايش، مستوعبة ملايين النازحين من مختلف المحافظات، في حين غرقت عدن وتعز في دوامة الاغتيالات والانفلات الأمني والصراعات البينية بين فصائل المرتزقة. هذا الاستقرار الأمني في صنعاء لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة ليقظة الأجهزة الأمنية والتفاف المجتمع حولها، وتطبيقاً لمفهوم “الأمن المسؤول” الذي يخدم المواطن ويحمي مكتسبات الصمود. لقد أثبتت السنوات الـ 11 أن “الوحدة الوطنية” في ظل القيادة الثورية ليست مجرد شعار، بل هي واقع معاش تجسد في قوافل الكرم التي تسيّرها القبائل وفي التكافل الاجتماعي الذي ترعاه مؤسسات الدولة كالهيئة العامة للزكاة.
وفي هذا السياق، تبرز كلمات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي كبوصلة وجهت هذا الصمود المجتمعي، حيث أكد في العديد من خطاباته أن “العدو يراهن على تفكيك جبهتنا الداخلية بعد فشله عسكرياً، لكن رهاننا على وعي شعبنا وتمسكه بهويته هو الرهان الرابح”. هذا التحصين الثقافي والفكري هو الذي جعل من الشاب اليمني مقاتلاً لا يلين وإعلامياً لا يخدع ومواطناً لا يباع، وهو المنجز الأهم الذي سيخلده التاريخ كأعظم انتصار في معركة “الوعي والارادة”. إن اليمن اليوم يدشن عامه الحادي عشر بكتلة بشرية صلبة وموحدة، تدرك أن كرامتها مرتبطة باستقلالها، وأن أي محاولة للعودة إلى مربع الوصاية ستقابل برد شعبي وعسكري أقوى مما شهدته السنوات الماضية، مما يجعل الجبهة الداخلية هي الضمانة الأكيدة لاستمرار الانتصارات.
السيادة البحرية وكسر “أحادية” القوة الدولية
يمثل انتقال القوات المسلحة اليمنية لممارسة السيادة الكاملة في البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب الذروة الاستراتيجية لسنوات الصمود، حيث تحول اليمن من دولة تدافع عن حدودها البرية إلى “قوة بحرية صاعدة” تتحكم في شريان التجارة العالمية. إن العمليات البحرية اليمنية المساندة للشعب الفلسطيني في غزة، والتي استهدفت السفن المرتبطة بالعدو الصهيوني والأساطيل الأمريكية والبريطانية، أثبتت أن صنعاء تمتلك اليوم “قرار الممر المائي” الأهم في المنطقة. هذا الموقف التاريخي لم يسقط الهيبة العسكرية للولايات المتحدة فحسب، بل أعاد تعريف مفهوم “الأمن البحري” من منظور سيادي يمني يرفض التبعية للمشاريع الغربية، ويؤكد أن أمن البحر الأحمر هو مسؤولية الدول المشاطئة له وعلى رأسها اليمن.
إن الفشل الذريع لما سمي بتحالف “حارس الازدهار” في تأمين السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني، رغم الحشود العسكرية الضخمة، يمثل شهادة عملية على نضوج القوة العسكرية اليمنية وقدرتها على فرض قواعد اشتباك جديدة في أعالي البحار. لقد استطاعت البحرية اليمنية، بفضل تكنولوجيا الصواريخ البحرية والمسيرات المتطورة، تحويل البحر الأحمر إلى منطقة محرمة على سفن الأعداء، مما أحدث هزة في النظام التجاري العالمي وأجبر القوى الكبرى على الاعتراف باليمن كلاعب استراتيجي لا يمكن تجاوزه. هذا التفوق البحري ليس مجرد منجز عسكري، بل هو أداة ضغط سياسية كبرى لرفع الحصار عن الشعب اليمني وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، مما يجسد أرقى صور التلاحم بين المبدأ الإيماني والممارسة السيادية العابرة للحدود.
وبالنظر إلى الأبعاد المستقبلية، فإن فرض اليمن لسيادته البحرية في عامه الحادي عشر يضع حداً لعقود من الاستباحة الخارجية للمياه اليمنية ونهب ثرواتها السمكية. إن “معادلة البحر” التي رسختها صنعاء بالدم والنار، تؤكد أن اليمن بات يمتلك مفاتيح استقرار الملاحة الدولية، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة ستواجه بردود فعل غير متوقعة في مداها وتأثيرها. لقد أصبح اليمن اليوم هو من يحدد من يمر ومن يُمنع، وهو من يفرض شروط الملاحة الآمنة بناءً على معايير العدالة والسيادة، مما يجعل من فجر الاستقلال اليمني فجراً جديداً للمنطقة بأكملها، حيث تتهاوى عروش الهيمنة أمام إرادة الشعوب الحرة التي قررت أن تمتلك بحرها وجوها وأرضها بقرارها المستقل.
فجر الاستقلال: اليمن قطبٌ سيادي في النظام العالمي الجديد
يُفضي التحليل المعمق لمسار الصمود اليمني طيلة أحد عشر عاماً إلى حقيقة استراتيجية لا تقبل الجدل: اليمن لم يعد كما كان قبل 26 مارس 2015، فقد تحطم “يمن الوصاية والتبعية” ووُلد من بين ركام الغارات “يمن القطب الإقليمي السيادي”. إن نجاح صنعاء في كسر أحادية القوة الأمريكية في المنطقة، وإثبات فشل الترسانة العسكرية والمالية للرباعية الدولية، وضع اليمن في مقدمة القوى التحررية العالمية التي ترسم ملامح نظام دولي جديد لا مكان فيه للهيمنة المطلقة. هذا الاستحقاق التاريخي هو الثمرة المرة التي يجب على قوى العدوان تجرعها، والاعتراف الصريح بفشل مشروعهم التدميري أمام إرادة شعب استمد قوته من عدالة قضيته وصلابة قيادته، مما يجعل من اليمن ضرورة استراتيجية لأي استقرار حقيقي في الجزيرة العربية والشرق الأوسط.
ختاماً، إننا اليوم أمام واقع يفرض فيه اليمن شروطه للسلام العادل والمشرف، المتمثلة في الرحيل الكلي للقوات الأجنبية، ورفع الحصار الشامل دون قيد أو شرط، وتعويض كافة الأضرار، وصرف مرتبات الموظفين من ثرواتهم الوطنية، وهي استحقاقات لا تقبل المساومة أو الالتفاف. إن فجر الاستقلال الذي بزغ من صمود اليمنيين لن ينحسر، واليمن اليوم بـ “بأس فولاذة” وإيمانه الراسخ، يكتب الفصل الأخير من تاريخ التبعية للجنة الخاصة وسفراء الوصاية، مدشناً عصراً جديداً يكون فيه “اليمن السيد” هو حجر الزاوية في أمن واستقرار المنطقة، ومنارة ملهمة لكل الشعوب التي تنشد الحرية والكرامة بعيداً عن السطوة الإمبريالية الغربية، مؤكداً أن زمن الإملاءات قد ولى إلى غير رجعة وأن السيادة تُنتزع ولا تُوهب.






