في يوم الصمود: قائد الثورة يُخيّر السعودية والإمارات بين خيارين لا ثالث لهما.. ويوضح الموقف اليمني من العدوان على إيران!

21 سبتمبر / تقرير خاص
تُعد كلمة قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، بمناسبة اليوم الوطني للصمود في مطلع عامه الحادي عشر، وثيقة سياسية وعسكرية إستراتيجية غير مسبوقة، تجاوزت كونها خطاباً بمناسبة وطنية لتتحول إلى “بيان حسم” يحدد ملامح العقد القادم من المواجهة الشاملة. إن الانتقال من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة فرض المعادلات الإقليمية والدولية يعكس نجاحاً بنيوياً في إدارة الصراع، حيث أعلن القائد بوضوح أن الشعب اليمني لم يعد يكتفي بالصمود السلبي، بل انتقل إلى الهجوم الإستراتيجي الذي يستهدف اقتلاع جذور الهيمنة الصهيو-أمريكية من المنطقة. هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا التراكم العسكري والسياسي الذي شهده العقد الأول، والذي حول اليمن من بلد محاصر ومستهدف إلى رقم صعب في الملاحة الدولية ومعادلات الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني، مرسخاً حقيقة أن اليمن بات عمود الخيمة في محور المقاومة والجهاد.
من الناحية التحليلية، رسم الخطاب ملامح “العقد الثاني” باعتباره مرحلة تصفية الحسابات التاريخية مع قوى العدوان، حيث لم يعد هناك متسع لأنصاف الحلول أو المراوغة السياسية التي دأب عليها النظام السعودي بإيعاز من واشنطن. لقد وضع السيد القائد القوى الإقليمية أمام مرآة الحقيقة؛ فإما الانعتاق من قيود الأجندة الصهيونية والدخول في شراكة “حسن جوار” حقيقية تؤمن المنطقة، وإما الاستمرار في لعب دور “الوكيل الوظيفي” الذي يتحمل الأعباء والتبعات بينما تجني واشنطن وتل أبيب الثمار. هذا الخطاب يمثل “خارطة طريق” أخيرة لدول العدوان، مفادها أن اليمن القوي المستقل هو صمام أمان للمنطقة، بينما اليمن المحاصر والمدمر هو نذير شؤم لكل من ساهم في إراقة دماء أبنائه، انطلاقاً من الموقف اليمني الذي لم يعد مجرد رد فعل، بل أصبح ضرورة أخلاقية ودينية تفرضها قيم الجهاد لمواجهة طاغوت العصر.
الرياض أمام اختبار السلام الإستراتيجي
تجلت في الخطاب لغة الردع الناعم الممزوجة بالوضوح الميداني، حيث وُجهت رسالة “مناصحة” إستراتيجية للنظام السعودي بضرورة مراجعة حساباته والكف عن عدائه للشعب اليمني. إن دعوة القائد للرياض بفك ارتباطها بالأجندة الأمريكية والإسرائيلية ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي توصيف لواقع النظام الذي يحمل نفسه أعباءً كبيرة في عدداء لن يصل به إلى هدف السيطرة على شعب “يمتلك الجذور الضاربة في العمق التاريخي”. الوقائع الميدانية تؤكد أن الرهان السعودي على النفس الطويل قد سقط أمام النفس اليماني الأطول، وأن مصلحة المملكة تكمن في ترك المواجهة لتكون مباشرة بين اليمنيين والأمريكيين، لتجنيب نفسها تبعات حرب لا ضرورة لها لحماية أمنها، وهو درس كان يجب استيعابه من الجولات الأخيرة التي أثبتت عجز الترسانة التقليدية أمام الإرادة الشعبية المسددة.
وفي سياق تفكيك بنية العمالة، يبرز الخطاب حقيقة أن المراهنة على “الخونة” الذين ارتهنوا للسعودي هي مراهنة على سراب، حيث يتم التعامل مع هؤلاء كـ “مأمورين تحت الأمر والقرار” لا كحلفاء أنداد. هذا التوصيف يعزز قناعة الرأي العام بأن القرار السياسي في المناطق المحتلة مسلوب تماماً لصالح سفراء واشنطن ولندن والرياض، وهو ما يجعل من خيار الصمود في وجه هذا النهج العدواني هو الخيار الوحيد اللائق بكرامة الإنسان اليمني. إن المشكلة الحقيقية تكمن في “التوجهات السلبية المستكبرة” للنظام السعودي التي لم تتغير حتى في مراحل الانبطاح السياسي للأنظمة السابقة، مما يؤكد أن الاستقلال اليمني الكامل هو الضمانة الوحيدة للحياة الكريمة، بعيداً عن سياسات التدجين والتبعية التي يسعى الأعداء لفرضها كواقع حال.
وتأسيساً على ذلك، فإن الكرة اليوم في ملعب الرياض؛ فإما التوجه الصادق والجاد نحو السلام ورفع الحصار، وإما الاستمرار في الارتباط بالمخططات الصهيونية التي تستهدف استنزاف مقدرات الأمة. يؤكد السيد القائد أن اليمن لا يحمل نوايا عدوانية ضد أي بلد مسلم، ولكن السياسة السعودية العدوانية التي استمرت لعقود هي التي خلقت هذا الشرخ. إن السلام المتاح اليوم قد لا يكون متاحاً غداً بنفس الشروط، خاصة وأن القدرات العسكرية اليمنية في حالة تصاعد دائم، واليقين الشعبي بالنصر قد وصل إلى ذروته، مما يجعل من أي مغامرة سعودية جديدة مغامرة غير محسوبة العواقب قد تؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الإقليمي التي يحاول الأمريكي ترميمها عبثاً.
سجل التوحش: لغة الأرقام الصادمة
قدم الخطاب كشف حساب حقوقي دولي يفضح زيف الادعاءات الإنسانية لتحالف العدوان، موثقاً استشهاد وجرح نحو 60 ألف يمني ويمنية مباشرة، بالإضافة إلى كارثة صامتة أودت بحياة أكثر من مليون وأربعمائة ألف مدني نتيجة الحصار وتفشي الأمراض المزمنة وسوء التغذية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي “سجل مهم وموروث خالد للأجيال” يوثق أبشع جرائم العصر. إن تدمير 670 مرفقاً صحياً و2900 منشأة تعليمية يثبت أن العدوان استهدف “المستقبل اليمني” قبل أن يستهدف المواقع العسكرية، سعياً لنشر الجهل والمرض لتدجين الشعب وتطويعه، وهو ما يفسر الإصرار على استهداف مراكز الرعاية الاجتماعية ودُور الأشخاص ذوي الإعاقة، في سابقة إجرامية لم يشهدها التاريخ الحديث.
وتكشف المعطيات الميدانية عن رغبة محمومة في تدمير البنية التحتية، حيث طال القصف أكثر من 5600 شبكة ومحطة كهربائية و2200 منشأة اتصالات، بالإضافة إلى استهداف 14 ميناءً و9 مطارات ومنظومات الإرشاد الملاحي. هذا التدمير الممنهج لمقومات الحياة، بما في ذلك استهداف 15 ألف منشأة غذائية و19 ألف منشأة زراعية وحيوانية، يكشف عن حقد دفين يتجاوز الخلاف السياسي ليصل إلى محاولة محو الهوية اليمانية، وهو ما تجلى في قصف 420 موقعاً أثرياً وتاريخياً وأكثر من 1840 مسجداً. إن الوصول إلى تدمير 90 مقبرة هو تعبير صارخ عن مستوى التوحش والإجرام الذي لم يوقره حتى حرمة الموتى، مما يجعل من مناسبة يوم الصمود محطة لتمجيد الموقف الحق الذي وفقه الله لصد هذه الهجمة الظلامية.
استعادة الثروة: معركة الكرامة المعيشية
توقف السيد القائد بعمق عند الجريمة الاقتصادية المستمرة المتمثلة في نهب الثروة النفطية، كاشفاً أن اليمن الذي يحتل المرتبة الـ27 عالمياً في الاحتياطي النفطي يُحرم شعبه من أبسط حقوقه في المرتبات والخدمات. إن خسائر قطاع النفط التي بلغت 57 مليار دولار وفقدان عائدات 90 مليون برميل سنوياً بسبب توقف الإنتاج أو النهب، هي التي صنعت المعاناة المعيشية لليمنيين. هذا النهب المنظم للثروات السيادية هو فعل عدائي لا يقل خطورة عن القصف الجوي، حيث يتم توظيف أموال الشعب اليمني لتمويل “الخونة الفاسدين” الذين يخدمون الأجندات الخارجية، بينما يبقى الموظف اليمني أسيراً لسياسة التجويع التي يفرضها تحالف العدوان بإشراف أمريكي مباشر.
إن الإصرار على التحكم باقتصاد اليمن ومنع تحقيق الاكتفاء الذاتي يهدف إلى جعل الشعب مرتهناً خاضعاً بائساً، وهو ما يفسر استهداف 12 ألف منشأة مائية و4700 قارب صيد، لتجفيف كل منابع الرزق المستقلة. يؤكد الخطاب أن بند الرواتب ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو حق سيادي وتفصيل من تفاصيل استحقاقات الصمود التي لن يتنازل عنها الشعب. إن التآمر على الثروة الوطنية بمشاركة شركات أجنبية تقدم معلومات مضللة عن الاحتياطي النفطي لليمن، يعكس حجم الجشع الرأسمالي العالمي الذي يرى في اليمن مجرد مخزن للثروات يجب نهبه، وهو ما يفرض على القيادة في صنعاء خيارات عسكرية قاسية لحماية هذه الثروات من الاستمرار في الاستنزاف غير المشروع.
ويربط التحليل بين حالة “خفض التصعيد” الحالية وبين استمرار النوايا العدوانية في الملف الاقتصادي، مؤكداً أن السعودية لم تظهر توجهاً صادقاً نحو السلام ما دامت تصر على حصار الشعب وحرمانه من ثروته. إن أي سلام لا يتضمن الصرف الفوري للمرتبات وإعادة الإعمار والتعويض عن الخسائر الهائلة التي لحقت بالقطاع النفطي والخدمي، هو سلام منقوص لن يقبل به شعب قدم كل هذه التضحيات. إن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً بصيرياً بأن المعركة الاقتصادية هي الوجه الآخر للمخطط الصهيوني الذي يريد إضعاف شعوب المنطقة وجعلها لقمة سائغة للمحتل، وهو ما يوجب التمسك بخيار الاستقلال الاقتصادي كركيزة أساسية للسيادة الوطنية الشاملة.
تفكيك مشروع “إسرائيل الكبرى” الإقليمي
يتجاوز الخطاب الحدود الجغرافية لليمن ليربط الصراع بمخطط “إسرائيل الكبرى” الذي يستهدف تغيير خارطة الشرق الأوسط بأكملها. يحلل السيد القائد ببراعة كيف أن أمريكا تمثل “الجناح الثاني للصهيونية”، وتسعى لطمس معالم الإسلام في المنطقة عبر تدجين الشعوب والأنظمة. إن تحول بعض الأنظمة العربية إلى “متارس” تحمي العدو الإسرائيلي وتتعاون معه ضد الشعوب الممانعة هو “خيانة كبيرة وظلم رهيب”، يترتب عليه خسارة الدنيا والآخرة. هذا التحليل يضع الشعوب العربية أمام مسؤوليتها في التنبه للمخطط الذي يتعامل معهم وفق “التلمود الصهيوني” كحيوانات لا كبشر، وهو ما يفسر الحملات الإعلامية التي تستهدف تشويه حركات المقاومة في غزة ولبنان واليمن.
إن العدوان على اليمن هو جزء من هذه الهجمة الشاملة التي تهدف لتصفية العوائق الحقيقية أمام التوسع الصهيوني، حيث يُنظر لليمن كعائق إستراتيجي يجب كسره. يؤكد السيد القائد أن التضحيات في مواجهة العدو الإسرائيلي هي ضرورة لحماية الكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة، وأن من يخدمون المخطط الصهيوني اليوم سيكونون هم الضحايا القادمين بعد استنزافهم كـ “بقرة حلوب”. إن الهجمة الأمريكية-الإسرائيلية لا تفرق بين بلد وآخر، واستهداف الجمهورية الإسلامية في إيران يندرج في ذات السياق التدميري للمنطقة، مما يستوجب تعاوناً إسلامياً واسعاً لوضع حد لهذه “العربدة” التي تضر بالأمن والاستقرار العالمي وبالمصالح الاقتصادية لكل بلدان العالم.
وفي هذا السياق، تبرز السخرية من الأنظمة التي توظف إمكاناتها للدفاع عن القواعد الأمريكية وتجعل من نفسها منطقة حرب خدمة لمصالح “تل أبيب”. إن الوعي والبصيرة اللذين نادى بهما السيد القائد هما السلاح لمواجهة حملات “التدجين” التي تقودها أبواق الصهاينة في الإعلام العربي. فالعدو الإسرائيلي يتحرك وفق مخطط معلن للسيطرة على الأوطان، ومن المعيب أن يتم لوم من يتصدى لهذا المشروع، سواء في لبنان أو إيران أو اليمن. إن الوقوف ضد طاغوت العصر هو جوهر الهوية الإيمانية اليمانية، وهو الموقف الذي سيحطم أسطورة “إسرائيل الكبرى” ويعيد للمنطقة هويتها واستقلالها بعيداً عن الهيمنة الصهيو-أمريكية التي باتت في أضعف مراحلها التاريخية.
وحدة الساحات وفلسفة التحرر الوطني
يختتم السيد القائد رؤيته الإستراتيجية بالتأكيد على أن اليمن “ليس على الحياد” في معركة الأمة الكبرى، بل هو في قلب المواجهة الإيمانية ضد المخطط الصهيوني الشيطاني. إن موقف اليمن المساند لغزة والمنخرط في محور الجهاد هو تعبير عن “رسوخ الهوية الإيمانية” وعن وفاء الشعب اليمني لمن وقف معه، وفي مقدمتهم إيران التي كانت الدولة الوحيدة المتضامنة رسمياً ضد العدوان. هذا الترابط في الموقف العسكري والسياسي يمثل عامل تحفيز لأبناء الأمة، حيث أثبتت الضربات الصاروخية والمسيرات اليمانية والإيرانية قدرتها على اختراق كل طبقات الحماية الصهيونية، مما خلق واقعاً جديداً يفرض على الجميع الالتفاف حول خيار المقاومة كسبيل وحيد للنصر.
إن الخروج المليوني المتجدد للشعب اليمني هو التأكيد العملي على هذا الصمود والثبات، ورسالة واضحة للأعداء بأن الشعب لا يمكن أن يقبل بتنفيذ المخطط الصهيوني الذي يستهدفه في دينه ودنياه. يدعو القائد إلى تعاون واسع خلال هذه المرحلة لصالح القضية الفلسطينية ودفع الخطر عن سوريا ومصر والأردن والجزيرة العربية، معتبراً أن ثمرة هذا التوكل على الله هي النصر الموعود. إن فاعلية الموقف اليمني، التي أذهلت الأصدقاء قبل الأعداء، هي نتاج مدرسة الصمود والتضحية التي أسسها الشهداء والجرحى، وهي المدرسة التي ستبقى تلهم الأجيال القادمة دروس العزة والإباء في مواجهة أعتى طواغيت الأرض حتى تحقيق التحرير الكامل والشامل لكل المقدسات والأوطان.
فجر السيادة وحتمية الانتصار الإستراتيجي
تخلص القراءة التحليلية لخطاب الحادي عشر من الصمود إلى أن اليمن قد اجتاز مرحلة “الخطر الوجودي” وأصبح في مرحلة “التمكين الإستراتيجي”. إن الإصرار على مواصلة المسار الجهادي ضد الصهيونية العالمية هو القرار الذي حفظ لليمن وزنه الإقليمي، وحوله من ضحية للعدوان إلى قائد لمعادلة الإسناد القومي. إن تفكيك منظومة الارتهان لا يتوقف عند الحدود الجغرافية، بل يمتد لتغيير الوعي الجمعي للأمة تجاه العدو الحقيقي، وهو ما نجح فيه اليمن بامتياز من خلال ربط مظلوميته بمظلومية غزة وفلسطين، مؤكداً أن العدو واحد والمصير واحد، وأن النصر لا يُنال إلا بالصمود والثبات والارتباط الوثيق بمنهج الحق.
الاستنتاج النهائي يشير إلى أن العام الحادي عشر سيكون “عام الخيارات الكبرى”؛ فإما أن تلتقط دول العدوان، وفي مقدمتها السعودية، رسائل القائد وتجنح لسلام حقيقي وشامل يرفع الحصار وينهي الاحتلال، وإما أن اليمن سيمضي في مساره العسكري التصاعدي لانتزاع حقوقه وتحقيق واجبه الإسلامي. إن الثبات اليمني، المسنود بتضحيات الشهداء وعطاء الأسر والجرحى، قد خلق واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه، حيث بات اليمن حراً مستقلاً في قراره، صامداً في إيمانه، ومستعداً لخوض غمار الملحمة الكبرى ضد طاغوت العصر حتى تحقيق النصر الكامل وتطهير المنطقة من دنس التبعية والصهيونية، في ظل يقين بأن المستقبل هو للشعوب الحرة المستمسكة بهويتها الإيمانية.






