تمور تهامة.. من محصول موسمي إلى رافد استراتيجي للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي
تمور تهامة.. من محصول موسمي إلى رافد استراتيجي للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي

21 سبتمبر | تقرير خاص
حين يقترب موسم جني تمور “المناصف” في سهل تهامة، لا يبدو الأمر مجرد موسم زراعي عابر أو مناسبة إنتاجية موسمية، بل يتحول إلى حدث اقتصادي واجتماعي وثقافي متجذر في وجدان أبناء المنطقة، تتبدل معه حركة الأسواق، وتنبض القرى الزراعية بحيوية استثنائية، فيما تتعالى أهازيج المزارعين معلنة قدوم موسم الخير الذي ارتبط عبر عقود طويلة بمعاني البركة والاكتفاء والارتباط بالأرض.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الدولة اليمنية بعد ثورة الـ21 من سبتمبر نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الخارج، تبرز تمور المناصف والعنيني وبقية الأصناف التهامية الشهيرة كواحدة من أهم الثروات الزراعية القادرة على الإسهام في بناء اقتصاد وطني أكثر صموداً واستدامة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه تهامة من مقومات طبيعية وبيئية تجعلها من أبرز المناطق المنتجة للتمور على مستوى اليمن.
إرث زراعي متجذر في هوية تهامة
لطالما ارتبطت النخلة بالإنسان التهامي، ليس بوصفها شجرة مثمرة فحسب، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمنطقة.
ومع بداية موسم “بخماد التمرة” أو جني المناصف، تستعيد الأسواق التهامية مشهداً سنوياً متوارثاً تتراجع فيه مبيعات الحلويات المصنعة أمام الإقبال الواسع على التمور الطازجة، في انعكاس واضح للمكانة التي تحتلها هذه الثمرة المباركة في حياة المجتمع المحلي.
وتختزن الذاكرة الشعبية الكثير من الأهازيج والأمثال التي تمجد هذا الموسم وتوثق أثره الاقتصادي والاجتماعي، حيث كانت تمور المناصف تمثل لعقود طويلة غذاءً أساسياً ومصدراً مهماً للدخل ومكوناً رئيسياً في الضيافة التهامية.
أصناف متميزة وقيمة غذائية عالية
وتضم منظومة التمور التهامية أصنافاً متعددة تحظى بإقبال واسع في الأسواق المحلية، يتصدرها صنف المناصف الذي يحمل اسم الموسم ذاته، إلى جانب أصناف أخرى اكتسبت شهرة كبيرة مثل العنيني والعجوى واللبان والمديني والمكتوم والسريع.
وتتميز هذه الأصناف بتفاوت درجات الحلاوة والقوام ومواعيد النضج، ما يمنحها تنوعاً تسويقياً وغذائياً واسعاً، ويجعلها قادرة على تلبية احتياجات شرائح مختلفة من المستهلكين.
ويؤكد المزارعون أن صنف “العنيني” يعد من أكثر الأصناف تميزاً من حيث الجودة والطعم والقيمة السوقية، فيما يحتفظ “المناصف” بمكانته كأحد أهم الأصناف انتشاراً وإنتاجاً في المناطق الزراعية التهامية.
رحلة الإنتاج.. خبرة متوارثة وجهد متواصل
وراء كل عذق من التمور الناضجة تقف رحلة طويلة من العمل الزراعي المتواصل تبدأ باختيار الفسائل الجيدة من الأمهات المعروفة بإنتاجيتها العالية وجودة ثمارها.
ويشير مزارعو النخيل إلى أن الفسيلة تحتاج ما بين أربع إلى خمس سنوات حتى تبدأ بالإثمار، فيما تبلغ ذروة عطائها بعد السنة السادسة، الأمر الذي يجعل زراعة النخيل استثماراً طويل الأمد يتطلب الصبر والخبرة والعناية المستمرة.
وتشمل العمليات الزراعية الأساسية حراثة الأرض وتهوية التربة ومكافحة الأعشاب الضارة وتنظيم عمليات الري والتسميد، وصولاً إلى مرحلة التلقيح التي تعد من أكثر المراحل حساسية وأهمية في دورة الإنتاج.
ويعتمد المزارعون في هذه العملية على التلقيح اليدوي التقليدي، حيث يتم نقل الشماريخ الذكرية إلى النخيل الأنثوي بعناية فائقة لضمان عقد الثمار وتحقيق إنتاجية مرتفعة وجودة عالية.
تحديات تهدد الإنتاج
ورغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة للنخيل، إلا أن المزارعين يواجهون العديد من التحديات التي تؤثر على الإنتاجية وجودة المحصول.
وتأتي في مقدمة هذه التحديات الآفات الزراعية الخطيرة، وعلى رأسها سوسة النخيل الحمراء وآفة حلم الغبار (المتكتك) التي تعد من أكثر الأمراض تهديداً للمزارع التهامية.
كما تمثل كلفة المدخلات الزراعية ومستلزمات الري وارتفاع أسعار الوقود عبئاً إضافياً على المنتجين، إلى جانب محدودية الخدمات الإرشادية والتقنيات الحديثة الخاصة بعمليات المكافحة والحصاد والتجفيف.
وفي السنوات الأخيرة بدأت الجمعيات التعاونية والجهات المختصة بإدخال وسائل حديثة نسبياً للمكافحة، من بينها المصائد الفيرمونية وبعض وسائل الرصد المبكر، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لتوسيع نطاق الإرشاد الزراعي الميداني وتوفير حلول أكثر فاعلية واستدامة.
الحلقة الأضعف.. ما بعد الحصاد
وعلى الرغم من الجهود المبذولة في مراحل الإنتاج الزراعي، إلا أن التحدي الأكبر يبرز بعد انتهاء موسم الجني.
فبحسب المختصين في سلاسل القيمة الزراعية، تمثل مرحلة ما بعد الحصاد الحلقة الأضعف في قطاع التمور التهامية، حيث يضطر الكثير من المزارعين إلى بيع منتجاتهم مباشرة بعد الحصاد وبأسعار منخفضة خشية تعرضها للتلف.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة الفاقد قد تصل إلى نحو 30 بالمائة نتيجة أساليب التجفيف التقليدية وضعف قدرات التخزين والتبريد والنقل.
وتعتمد غالبية عمليات التجفيف على الطرق التقليدية عبر نشر التمور في مساحات مكشوفة تحت أشعة الشمس، الأمر الذي يجعلها عرضة للغبار والحشرات والعوامل البيئية المختلفة، ويؤثر على جودتها وقيمتها التسويقية.
الجمعيات التعاونية.. شريك أساسي في التطوير
في إطار التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاقتصاد التعاوني، برز دور الجمعيات الزراعية متعددة الأغراض كحلقة وصل مهمة بين المزارعين والجهات الداعمة.
وقد أسهمت هذه الجمعيات في تشكيل المجاميع الإنتاجية التي تجمع مزارعي النخيل ضمن أطر تنظيمية موحدة، بما يساعد على توحيد الجهود وتبادل الخبرات وتسهيل وصول الخدمات الإرشادية والمدخلات الزراعية.
كما تعمل على تنظيم عمليات التسويق وتوفير عبوات مناسبة لحفظ التمور أثناء النقل والتداول، فضلاً عن جهودها في الحد من تحكم الوسطاء وتحقيق أسعار أكثر عدالة للمزارعين والمستهلكين على حد سواء.
التوسع الرأسي.. الطريق نحو اقتصاد أكثر كفاءة
ويرى الخبراء الزراعيون أن مستقبل قطاع التمور في تهامة لا يرتبط بالتوسع الأفقي في المساحات المزروعة بقدر ما يرتبط بالتوسع الرأسي القائم على رفع الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض التكاليف.
ويشمل ذلك التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل أنظمة الري، والتوسع في استخدام الأسمدة العضوية المحلية، وتحسين عمليات الخدمة الزراعية والتلقيح والمكافحة، إضافة إلى اعتماد أساليب حديثة في الفرز والتعبئة والتغليف.
كما يؤكد المختصون أهمية تطبيق برامج المكافحة الذكية والوقائية التي تعتمد على النظافة الزراعية والمصائد الحيوية والحلول العضوية المحلية بدلاً من الاعتماد المفرط على المبيدات الكيميائية المكلفة.
الصناعات التحويلية.. القيمة المضافة الغائبة
ومن أبرز الفرص الواعدة أمام قطاع التمور في اليمن التوجه نحو الصناعات التحويلية المرتبطة بالتمور.
فبدلاً من تسويق المنتج بصورته الأولية فقط، يمكن توجيه جزء من الفائض إلى إنتاج دبس التمر وعجينة التمور ومشتقات غذائية متعددة تمتلك قيمة اقتصادية أعلى وقدرة أكبر على المنافسة في الأسواق.
ويمثل الاستثمار في المجففات الحديثة وغرف التبريد ومراكز التعبئة والتغليف خطوة استراتيجية نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة ترفع من جودة المنتج وتزيد من عوائد المزارعين وتسهم في خلق فرص عمل جديدة.
ثورة 21 سبتمبر وتعزيز مسار الاكتفاء الذاتي
ويأتي الاهتمام المتزايد بالقطاع الزراعي عموماً وسلاسل القيمة الإنتاجية على وجه الخصوص في إطار التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، حيث أعادت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر الاعتبار للقطاعات الإنتاجية الوطنية باعتبارها أحد أهم مرتكزات السيادة والاستقلال الاقتصادي.
ففي ظل الحصار والعدوان، برزت الحاجة إلى تعزيز الاعتماد على الذات واستثمار الموارد المحلية، وهو ما انعكس في دعم المبادرات الزراعية والتعاونية وتوسيع برامج التنمية الريفية وتشجيع الإنتاج المحلي.
ويُنظر اليوم إلى تمور المناصف والعنيني وغيرها من الأصناف التهامية باعتبارها أكثر من مجرد منتجات زراعية موسمية، بل مكوناً أساسياً ضمن معركة الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
ثروة وطنية تنتظر المزيد من الاستثمار
ومع ما تمتلكه تهامة من مقومات طبيعية فريدة وخبرات زراعية متوارثة وأصناف عالية الجودة، تبدو الفرصة سانحة لتحويل قطاع التمور إلى واحد من أهم القطاعات الاقتصادية الواعدة في اليمن.
فإذا ما استكملت حلقات سلسلة القيمة من الإنتاج إلى التصنيع والتسويق، وتم تعزيز البنية التحتية الخاصة بالتخزين والتجفيف والتعبئة، فإن تمور المناصف والعنيني قادرة على التحول من منتج موسمي محلي إلى رافد اقتصادي استراتيجي يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، ورفع دخل المزارعين، ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ مسار الاكتفاء الذاتي الذي تمضي البلاد في ترسيخه بثبات.
وفي أرض تهامة التي طالما اقترنت بالنخيل والخصب والعطاء، لا تزال تمور المناصف والعنيني تحمل وعداً متجدداً بمستقبل زراعي أكثر إشراقاً، تتحول فيه هذه الثروة المباركة إلى أحد أعمدة التنمية الوطنية المستدامة.







