اخبار محليةالعرض في السلايدرالقضية الفلسطينيةتقارير

فلسطين البوصلة.. علماء اليمن يُحيون فريضة الجهاد ويستنهضون الأمة للتصدي لمخطط إسرائيل الكبرى

21 سبتمبر / نقرير خاص

في لحظة تاريخية مفصلية تتكالب فيها قوى الاستكبار على شعوب الأمة، وتتساقط فيها الأقنعة عن وجوه الأنظمة المتواطئة، وتغيب فيها الأصوات الحرة من منابر كثيرة، يبرز صوت علماء اليمن من صنعاء، عاصمة الصمود والوعي، ليرسم معالم الموقف الحق، وينطق بالواجب في زمن الصمت. مؤتمر علماء اليمن السنوي، الذي انعقد هذا العام تحت عنوان: “موقف علماء الأمة تجاه حرب الإبادة والتجويع في غزة ومخطط إسرائيل الكبرى”، لم يكن مناسبة موسمية أو تجمعًا طقوسيًا، بل محطة مواجهة، واستنفار علمائي بوجه المشروع الصهيوني-الأمريكي وأدواته، ودعوة صريحة إلى الجهاد بالكلمة والموقف والسلاح.

من قلب المعاناة، ومن أرض تواجه منذ سنوات عدوانًا لا يقل همجية عما يجري في غزة، انطلقت الكلمات لتكشف، وتفضح، وتدين، وتؤسس لبوصلة إيمانية عنوانها: “فلسطين هي المعيار، ومن خذلها خذل الدين”. لم يكن المؤتمر دعوة للعواطف، بل للوعي والتحرك، ولإحياء وظيفة العلماء الربانيين في زمن الانحراف والارتهان.

صوت الحق في زمن التواطؤ

في ظل حرب إبادة شاملة تشنّها آلة القتل الصهيونية على قطاع غزة، وتواطؤ دولي وعربي مريب، جاء مؤتمر علماء اليمن السنوي ليملأ الفراغ الصاخب في المشهد الإسلامي، حيث غابت المواقف الصريحة، وخفت صوت العلماء في كثير من العواصم. وفي وقت كانت فيه الجماهير تبحث عن موقف يعبّر عن وجدان الأمة، ارتفعت من صنعاء نبرة الحق، وأعيد التذكير بأن وظيفة العالم ليست التحفّظ ولا التبرير، بل الصدع بكلمة تقف في وجه الظالم، وتنصر المظلوم.

جاء المؤتمر ليكون أشبه بإحياء لوظيفة العلماء الأوائل، الذين ما كانوا يفصلون بين العلم والجهاد، بين الوعي والموقف، بين الدين والواقع. وهنا، لم يكن المولد النبوي الشريف مجرد خلفية دينية للمناسبة، بل كان نقطة انطلاق لفهم سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبارها سيرة مواجهة وموقف، لا سيرة مجاملة أو طقوس احتفالية.

منذ اللحظات الأولى، بدا المؤتمر وكأنه منصة إدانة مزدوجة: للصهاينة المجرمين من جهة، وللعلماء الصامتين والمتواطئين من جهة أخرى، ممن خذلوا الرسالة، وأفرغوا العلم من مضمونه، ووقفوا في صف الطغاة بدل أن يواجهوهم. هذا المؤتمر لم يكن استعراضًا، بل تصويبًا للوجهة، وتذكيرًا للأمة بأن الصمت جريمة، وأن طاعة الحكام المتآمرين ليست من الدين في شيء.

العلماء في خندق المواجهة: كلمة الحق بوصفها جهادًا

في لحظة بات فيها الصمت فتنة، وتحوّل فيها كثير من العلماء إلى مجرد أدوات تبرير وتطويع باسم الطاعة، جاء مؤتمر علماء اليمن السنوي ليعيد تعريف العالم الرباني باعتباره مجاهدًا بالكلمة والموقف. كان خطاب مفتي الديار اليمنية، العلامة شمس الدين شرف الدين، تعبيرًا حيًا عن هذا التحوّل، حين أكد أن “أعظم بيان هو كلمة الحق في مواجهة أعداء الله ورسوله والإنسانية والإسلام”، واضعًا بذلك الكلمة في موضع الفعل، والفتوى في مرتبة الجهاد.

لم يكن الحضور العلمائي احتفائيًا ولا مناسباتيًا، بل كان ثوريًا، يُعيد للمنبر الديني وظيفته الأصيلة في الصدع بالحق وتحريض الأمة على النهوض. وقد تمثّل ذلك في التأكيد على أن الصمت في وجه العدوان على غزة خيانة للأمانة العلمية والدينية، كما جاء في قول العلامة شرف الدين: “نحن خصومكم يوم القيامة نظير صمتكم وسكوتكم عن الجرم الكبير في غزة”، في إدانة صريحة لكل من تواطأ أو صمت من علماء الأمة تجاه المجازر.

ارتبط انعقاد المؤتمر بالذكرى العطرة للمولد النبوي، لا كخلفية دينية فقط، بل كمحطة تذكير بأن سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كانت سيرة مواجهة، وأن إحياء المولد يبدأ بالاقتداء بنهجه في نصرة المستضعفين، لا في الاكتفاء بالاحتفالات. فالنبي لم يكن رسول سلامٍ سلبي، بل قائدًا لا يصمت عن الباطل ولا يتعايش مع الظلم، وهذا ما يجب أن يكون عليه العلماء اليوم، كما شدد المؤتمر.

لقد نجح المؤتمر في إعادة توجيه البوصلة، مؤكدًا أن العالم الحقيقي لا يُقاس بعلمه النظري فقط، بل بموقفه العملي، وأن المسؤولية الدينية تفرض عليه أن يشارك الأمة همومها، ويقف في صفوفها الأولى، لا خلف الطغاة. وبهذا، تحوّل علماء اليمن من موقع المراقبة إلى موقع القيادة، ومن دائرة التنظير إلى ساحة التأثير، في لحظة فارقة من تاريخ الأمة.

اليمن في قلب المعركة.. من التأييد إلى القيادة

لم يكن موقف اليمن من قضية فلسطين مجرد تعبير تضامني عابر، بل ظهر جليًا خلال المؤتمر كدور قيادي نابع من التزام ديني وإنساني وسياسي راسخ. وقد أكد ذلك النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، العلامة محمد مفتاح، حين وصف اليمن بأنه “لم يعد ذلك المجهول، بل المعلوم الذي يحمل الراية في مواجهة الطواغيت”، معتبرًا أن صنعاء أصبحت في هذه اللحظة عاصمة الإسلام الأولى، لما تحمله من مواقف فعلية لا شعارات نظرية. وتجلّى ذلك في الحضور الشعبي الأسبوعي المليوني نصرة لغزة، بقيادة وصفها المؤتمر بـ”الربانية الصادقة”.

إن الدور اليمني، كما عرضه المؤتمر، تجاوز الشعارات إلى الفعل، من خلال مواقف سياسية وعسكرية واجتماعية واضحة، تعبّر عنها قيادة الثورة وشعبها وعلماؤها. وقد أُشيد بموقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي لم يكتف بالإدانة بل وجّه التحركات التعبوية وأعلن الجاهزية لدعم المقاومة، الأمر الذي عُدّ في كلمات المؤتمر تتويجًا لوعي إيماني متجذّر في شخصية اليمن التاريخية، شعبًا وقيادة.

وقد تكررت الإشادة بأن الشعب اليمني، بما يُقدمه من تضحيات رغم الحصار والعدوان المستمر عليه، لا يتعامل مع فلسطين بوصفها قضية خارجية، بل داخلية، لأنه يرى فيها معيار الصدق والانتماء. ولهذا فإن علماء اليمن، من موقعهم الريادي، أعادوا التأكيد أن اليمن بات يمثل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه الأمة، لا سيما في ظل تواطؤ الأنظمة الرسمية وصمت معظم العلماء، وغياب أي موقف حقيقي إلا من “فئة قليلة مؤمنة” كما وصفها الشيخ ماهر حمود في مداخلته بالمؤتمر.

مسؤولية العلماء في زمن الانحراف والتطبيع

أعاد المؤتمر التأكيد على أن العلماء هم الحصن الأخير للأمة، وحين يتخلّون عن دورهم، يسود التزييف والتضليل، وتُترك الجماهير فريسةً للتيه والانقسام. وقد حذّر عدد من العلماء المشاركين من هذا الانحراف، مؤكدين أن الصمت تجاه المجازر في غزة خيانة دينية وأخلاقية. في هذا الإطار، وجّه مفتي محافظة البيضاء، العلامة حسين الهدار، رسائل واضحة، معتبرًا أن “العلماء الذين لا يصدعون بكلمة الحق، لا منهج لهم ولا دين”، مطالبًا العلماء بأن يعودوا إلى دورهم الأصيل في المواجهة الفكرية والدينية لقوى الاستكبار العالمي.

من أبرز القضايا التي أثارها المؤتمر أيضًا، ما تعانيه الأمة من تطويع ديني وإعلامي، يقوده بعض العلماء الذين دجّنوا الخطاب الديني لخدمة الطغاة والمطبعين، بينما تساقط الشهداء في غزة يوميًا تحت أنظار صامتة. وفي مواجهة هذا الانحدار، دعا علماء اليمن إلى إعادة الاعتبار للمنبر الديني، من خلال تجريمه للتطبيع، وتحريكه للناس نحو الفعل لا الاستكانة، مؤكدين أن العلماء الحقيقيين يجب أن يكونوا في مقدمة الصفوف، يقودون الوعي ويقارعون الانحراف من جذوره.

وقد حمّل المؤتمر العلماء مسؤولية إصلاح ما أفسدته الأنظمة والمناهج، داعيًا إلى ثورة فكرية داخل الحقل الديني، تعيد ربط الفقه بالواقع، والإيمان بالفعل، والجهاد بالكلمة والسلاح معًا. وفي هذا السياق، نُظر إلى علماء اليمن، لا فقط كفاعلين محليين، بل كنموذج أممي يثبت أن العالم لا يُقاس بعدد المؤلفات، بل بموقفه حين يُمتحن، وبمدى صدقه في الانحياز للمستضعفين، وهو ما مثّلته خطابات العلماء التي صدحت من صنعاء لتفضح المتخاذلين وتحيي روح المقاومة في الأمة.

دور الأمة والنخب في مواجهة المشروع الصهيوني

أحد أبرز الملامح التي طبع بها المؤتمر نفسه كان السعي لتوسيع نطاق المسؤولية من علماء اليمن إلى الأمة بكل أطيافها، لا سيما نخبها الدينية والفكرية والثقافية، التي – وفق ما جاء في كلمات المتحدثين – لم تعد تملك ترف الحياد أو التواطؤ في معركةٍ وجودية كالمعركة التي تدور اليوم في غزة وفلسطين. ففي وقتٍ تتساقط فيه الضحايا، وتُباد الأحياء، وتُنتهك المقدسات، يظهر بعض “النخب” وكأنهم يعيشون في فراغ زمني وأخلاقي، لا يعنيهم ما يجري إلا من باب الشفقة الإعلامية أو التوظيف السياسي، وهو ما أدانه المؤتمر بشدة، واعتبره شكلاً من أشكال التواطؤ الصامت.

لقد حذّر المؤتمر من أن الصمت أو التجاهل إزاء ما يحدث لا يُعدّ فقط تخليًا عن فلسطين، بل تخليًا عن آخر خطوط الدفاع أمام مخطط “إسرائيل الكبرى”، المشروع الصهيوني الأخطر الذي يستهدف ابتلاع مزيد من الأراضي العربية، وتفكيك الدولة الوطنية، وتغيير هوية المنطقة. هذا المشروع، الذي يرتكز على أطماع توسعية تمتد من النيل إلى الفرات، لم يعد حبيس الأدبيات التوراتية أو الشعارات الصهيونية، بل تجسّد عبر الحروب، والتطبيع، وصفقات تصفية القضية الفلسطينية، والتدخلات المباشرة في الشؤون الداخلية للدول العربية.

في هذا السياق، برزت دعوة صريحة لإعادة بناء منظومة الوعي الجمعي للأمة، لا عبر المناشدات الخطابية فقط، بل من خلال الاشتباك الفعلي مع أدوات الحرب الناعمة التي تمارسها المنظومة الصهيوأمريكية داخل العقول والبيوت والمناهج، كجزء من تهيئة الوعي العربي لتقبّل المشروع الصهيوني التوسعي كأمر واقع. وقد ركّز العلامة عبدالباسط الحميدي على أهمية إصلاح المناهج التعليمية في البلدان العربية والإسلامية، التي – بحسب تعبيره – أصبحت منفصلة عن قضايا الأمة ومُفرغة من محتواها الجهادي والتحرري، بل وتُسهم أحيانًا في إنتاج جيل خانع لا يعرف من فلسطين إلا الاسم، ولا من المشروع الصهيوني إلا ما تسمح به ثقافة الخضوع والتطبيع.

كما شدّد المؤتمر على أن المشروع الصهيوني لا يهدد فلسطين وحدها، بل يستهدف الأمة كلها، ضمن استراتيجية توسعية شاملة ترمي إلى تفكيك المحيط العربي والإسلامي وتحويله إلى كيانات وظيفية تخدم أمن الكيان الصهيوني وتمدد نفوذه الاقتصادي والسياسي والعسكري. فمشروع “إسرائيل الكبرى” ليس مجرد طموح إقليمي، بل إعادة رسم للمنطقة بأكملها بما يخدم مركزية الكيان في الخارطة المستقبلية للعالم العربي. ومن هنا، فإن النخب الواعية اليوم، من علماء ومثقفين ومجاهدين ومربين، هم خط الدفاع الأخير عن هوية الأمة وعقيدتها، وهم الجدار الذي يحول دون انهيار الوعي أمام هذا الزحف الناعم والخشن في آن.

ولهذا، جاءت مواقف المشاركين، لا سيما من العلماء القادمين من خارج اليمن، لتؤكد أن صنعاء لا تقف وحدها في هذه المواجهة، بل تمثل طليعةً لجبهة واسعة من الأحرار في العالم الإسلامي، الذين يرون أن الانحراف لا يُواجه بالتواصي بالصبر وحده، بل بالتواصي بالحق، وبالموقف، وبالجهد العملي في كل ميدان. وفي مواجهة مشروع بهذا الحجم والخطورة، لم يعد مقبولًا أن تظل النخب على الهامش، أو تتعامل مع الصراع كأزمة عابرة، بل المطلوب هو أن تتحول إلى قوة تعبئة فكرية وثقافية وسياسية، تدرك أن سقوط فلسطين يعني فتح الطريق أمام استباحة العواصم العربية واحدة تلو الأخرى.

اليمن.. صرخة من القلب وبوصلة للأمة

في ختام هذا المؤتمر السنوي الذي جمع كوكبة من علماء اليمن والعالم الإسلامي، يتجلى موقف اليمن الصلب كصرخة من قلب الأمة تدعو للوقوف بوجه العدوان الظالم على غزة وفلسطين. إذ أكد العلماء أن مسؤوليتهم لا تقتصر على البيان، بل تشمل التحشيد والعمل والتوجيه، ليبقى اليمن منارةً للإيمان والحكمة والمقاومة. إن مواقفهم تضع بوصلة واضحة لكل المسلمين بأن نصرة المظلومين واجب لا يتجزأ، وأن الوحدة والوعي هما السلاح الأقوى في مواجهة مخططات التدمير والاحتلال. فلتظل اليمن، بقيادة علمائها وشعبها، رمزا للصمود والتحدي في سبيل الله والحق.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى