اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

نفير القبائل اليمنية يمزق شيك المماطلة السعودي: معادلة الثروة المنهوبة تضع المنشآت الحيوية للعدوان تحت مقصلة “الخيارات المفتوحة”

21 سبتمبر / تقرير خاص

تشهد الخارطة السياسية والعسكرية في اليمن تحولاً استراتيجياً بالغ الدلالة، برزت ملامحه في الاستنفار القبلي المسلح والواسع النطاق الذي عمّ محافظات صنعاء، وريمة، والبيضاء، وحجة، وصعدة، بالإضافة إلى أمانة العاصمة. هذا الحراك الشعبي والعسكري المتزامن، الذي جاء استجابةً مباشرة لتوجيهات القيادة الثورية بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية، يتجاوز كونه مجرد مظاهر احتفالية أو تعبوية تقليدية، بل يمثل تدشيناً عملياً لمرحلة “الاستعداد المفتوح” لانتزاع الحقوق الوطنية المشروعة بقوة السلاح، ووضع حدٍ نهائي لسياسة كسب الوقت والمماطلة التي ينتهجها تحالف العدوان السعودي-الأمريكي.

إن هذه الوقفات واللقاءات المسلحة الحاشدة، بما تضمنته من إعلان للنفير العام وفتح لمراكز التدريب العسكري، تحمل أبعاداً سياسية وعسكرية دقيقة وموجهة؛ فهي تؤسس لمعادلة ردع شعبية تسند القوات المسلحة في مواجهة حالة “اللا حرب واللا سلم” التي تحاول الرياض فرضها لتخليد حصارها الاقتصادي. وتأتي هذه التحركات في سياق يمني وإقليمي شديد الحساسية، لتؤكد لرباعية العدوان وأدواتها المحلية أن نفاد صبر الشعب اليمني قد تحول إلى خطط عملياتية جاهزة للتنفيذ، قادرة على استهداف عمق دول العدوان وإعادة صياغة شروط التفاوض كلياً.

تفكيك شيفرة التوقيت: دلالات الاستنفار

ترتبط هذه الهبة القبلية المسلحة بمسار سياسي واقتصادي معقد يعيشه اليمن، حيث يواصل النظام السعودي، بإيعاز وتوجيه مباشر من الإدارة الأمريكية، المماطلة في تنفيذ التزامات السلام المستدام والاستحقاقات الإنسانية، وعلى رأسها إنهاء الحصار الجائر وصرف مرتبات موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز المنهوبة. ومن هنا، جاء التوقيت ليعلن بصورة حاسمة أن مرحلة المراهنة على الحلول الدبلوماسية المجتزأة قد انتهت، وأن القبيلة اليمنية، التي شكلت صمام الأمان طيلة أحد عشر عاماً من المواجهة، تعيد تنظيم صفوفها لخوض معركة “انتزاع الحقوق” كخيار إجباري لا مفر منه لكسر الحصار الاقتصادي المفروض.

على الصعيد الإقليمي، يتزامن هذا الاستنفار القبلي مع تصاعد حدة المواجهة بين محور الجهاد والمقاومة وبين المشروع الصهيوني-الأمريكي في المنطقة، وهو ما ظهر جلياً في البيانات الصادرة عن هذه الوقفات والتي باركت الانتصارات الإيرانية ضد قوى الاستكبار وجددت التمسك بمبدأ “وحدة الساحات”. إن ربط القبائل اليمنية بين معركتها الوطنية المحلية ضد العدوان السعودي وبين المعركة الإقليمية الشاملة يعكس تنامي الوعي الجيوسياسي لدى الحاضنة الشعبية في صنعاء، ويؤكد أن أي حماقة أو تصعيد قد يقدم عليه العدو الأمريكي والبريطاني في البحر الأحمر سيتلقى رداً يمنياً موحداً يمزج بين التعبئة الشعبية والعمليات العسكرية المنظمة.

توضح هذه الخلفيات العسكرية أن فتح مراكز التدريب والتأهيل العسكري ضمن “دورات طوفان الأقصى” في مختلف المديريات كبني حشيش، ومزهر، وشعوب، يستهدف بناء قوة بشرية رديفة ومدربة عسكرياً قادرة على إسناد الجبهات الداخلية وتأمين العمق الاستراتيجي. إن هذا الانتقال من حالة الدفاع السلبي إلى الجاهزية الهجومية يبعث برسالة واضحة للداخل والخارج، مفادها أن الاستقرار الراهن هو استقرار مؤقت ومحفوف بالمخاطر، وأن الخيارات العسكرية لصنعاء باتت تمتلك غطاءً شعبياً وقبلياً مطلقاً ومفوضاً لتجاوز حالة الركود الراهنة وتحرير كافة الأراضي المحتلة.

النفط المنهوب وبنك الرياض: معادلة التجويع

تركزت الخطابات والبيانات الصادرة عن الحشود القبلية حول ملف الثروات السيادية المنهوبة، معيدةً تسليط الضوء على الجريمة الاقتصادية المستمرة التي يرتكبها تحالف العدوان بالتواطؤ مع “حكومة الفنادق” المرتزقة؛ حيث يتم تصدير النفط والغاز اليمني وتحويل عائداته المالية إلى البنك الأهلي السعودي، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب اليمني من سياسة التجويع الممنهج والحرمان من أدنى الحقوق الإنسانية كالمرتبات والخدمات الأساسية. ويمثل هذا الربط المباشر بين الحصار الاقتصادي والتحرك المسلح تحولاً في العقيدة القتالية للمجتمع، الذي بات يرى في بنك الرياض هدفاً سياسياً واقتصادياً مشروعاً لانتزاع قوته.

إن إصرار النظام السعودي على مواصلة الحصار واستخدام الورقة الاقتصادية كأداة ضغط لتركيع الشعب اليمني، بات يواجه برفض قبلي مسلح يهدد بشكل مباشر أمن المنشآت النفطية والاقتصادية في عمق دول العدوان، كمعادلة ندية ومباشرة: “النفط بالنفط، والمرتبات بأمن واستقرار المنطقة”. ولم تعد التحذيرات القبلية مجرد تهديدات إنشائية، بل أصبحت تعبيراً عن قرار استراتيجي يمنح القوات المسلحة الغطاء القبلي الكامل والمشروع لضرب وتدمير المنشآت الحيوية لتحالف العدوان في حال استمرار إغلاق الموانئ والمطارات اليمنية ومنع تدفق الإيرادات لصالح المواطنين دون تمييز.

وتكشف مواقف قبائل المحافظات المحتلة، والتحام قبائل صنعاء والمحافظات الحرة مع ندائهم، عن فشل سياسات التمزيق والشرذمة التي حاولت قوى الاحتلال السعودي والإماراتي زرعها في الجسد اليمني لشرعنة نهب الثروات وسرقة مقدرات الوطن. إن التلاحم القبلي العابر للحدود الشطرية المصطنعة يؤكد أن سلطة المرتزقة القابعة في الفنادق أصبحت معزولة تماماً عن الواقع القبلي والاجتماعي، وأن استعادة الثروات وتأميمها لصالح الشعب اليمني يمثل نقطة الإجماع والالتقاء التي ستتحطم عليها مشاريع التقسيم والاحتلال ومخططات سلب السيادة الوطنية.

وحدة الساحات: الابعاد الإقليمية للاستنفار

تجاوزت الوقفات المسلحة في مضامينها وبياناتها الختامية السياق المحلي لتؤكد انخراط اليمن الكامل، قيادة وشعباً، في محور الجهاد والمقاومة، معتبرةً معركة الدفاع عن سيادة اليمن جزءاً لا يتجزأ من معركة الأمة المصيرية ضد اليهود الصهاينة والغرب الكافر بقيادة أمريكا وإسرائيل. ويظهر هذا البعد الإقليمي من خلال المباركة الشعبية الواسعة للعمليات والانتصارات التي تحققها الجمهورية الإسلامية في إيران ومختلف قوى المحور، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في عقيدة القبيلة اليمنية التي باتت ترى في أمن غزة وبيروت وطهران امتداداً طبيعياً لأمن صنعاء وصعدة.

إن هذا التلاحم الميداني والسياسي يعزز من فاعلية استراتيجية “وحدة الساحات”، حيث يبعث برسائل تهديد مباشرة إلى الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني بأن أي محاولة للتصعيد العسكري أو الاستفراد بساحة من ساحات المقاومة ستجابه برد يمني شامل يمزج بين العمليات العسكرية النوعية والنفير الشعبي المسلح. ويؤكد هذا الترابط الاقتصادي والعسكري أن صنعاء نجحت في تحويل التهديدات الخارجية إلى فرص لبناء تحالفات إقليمية قوية، قادرة على تغيير موازين القوى في البحرين الأحمر والعربي ومضيق باب المندب، وفرض شروطها على القوى الاستكبارية.

تفويض القيادة: التلاحم الشعبي العسكري

يمثل التفويض المطلق الذي أعلنته القبائل اليمنية لقائد الثورة، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الركيزة الأساسية التي تستند إليها سلطة صنعاء في إدارة الصراع مع تحالف العدوان وأدواته، حيث يمنح هذا التأييد الشعبي الواسع للقيادة الثورية مرونة سياسية وعسكرية قصوى لاتخاذ الخيارات الاستراتيجية المناسبة، سواء بالذهاب نحو سلام عادل وشامل أو بالعودة إلى خيار الحسم العسكري وتفجير المعركة مجدداً. إن هذا التلاحم يثبت لرباعية العدوان أن جبهة صنعاء الداخلية محصنة وموحدة، وعصية على الاختراق عبر قنوات الحرب الناعمة أو المخططات التخريبية.

كما يعكس النفير العام والالتحاق الواسع بدورات التعبئة العسكرية حالة من التناغم التام بين المؤسسة العسكرية الرسمية والحاضنة الشعبية القبلية، وهو ما يسقط الرهانات التاريخية للأعداء على إمكانية إحداث شرخ بين القبيلة والدولة. إن تحول القبائل إلى قوة إسناد مدربة ومنظمة يمنح القوات المسلحة عمقاً بشرياً ومعنوياً لا نهائي، مما يجعل من أي مغامرة عسكرية جديدة لدول العدوان أو أدواتها من المرتزقة في الجبهات المختلفة، محاولة انتحارية ستنتهي بتطهير ما تبقى من المحافظات المحتلة وتحقيق الاستقلال الكامل.

المآلات المحتملة: شتاء سياسي ساخن

تتجه الأزمة اليمنية نحو مخاض جديد قد يعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية للمنطقة برمتها، في ظل انسداد أفق الحلول الدبلوماسية واستمرار تحالف العدوان في المراهنة على سياسة كسب الوقت وتعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية للمواطنين. إن المشهد الراهن، المحكوم بالاستنفار القبلي المسلح والجاهزية العسكرية المفتوحة، يشير إلى أن خيارات التهدئة المؤقتة والهدن غير المعلنة قد استنفدت أغراضها، وأن صنعاء باتت تمتلك زمام المبادرة لفرض شروطها السياسية والاقتصادية بأساليب مغايرة تماماً لما شهدته السنوات الماضية.

وفي مقابل ذلك، يظل رهان المجتمع الدولي وتحالف العدوان على إمكانية احتواء الاندفاعة الشعبية والعسكرية لصنعاء عبر الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية رهاناً يفتقر إلى فهم ديناميكيات الواقع اليمني المتجدد. إن الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على استيعاب رسائل النفير القبلي المسلح وترجمتها إلى خطوات عملية تضمن حقوق الشعب اليمني، أو الذهاب نحو تصعيد شامل لن تقتصر تداعياته الكارثية على الداخل اليمني، بل ستمتد لتطال مصالح قوى الاستكبار العالمي وخطوط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى