
21 سبتمبر| مقالات – عبدالملك العتاكي
في زمن العواصف السياسية المتلاحقة، يزدحم المحللون السياسيون والمفكرون والمثقفون على تفسير حركة الصراع الدولي بناءً على أرقام الجيوش وحجم الترسانات العسكرية وموازنات القوى المادية.
غير أن هذا المنطق المادي المُجَـرّد كَثيرًا ما يقف عاجزًا عن تفسير سقوط أمم مدججة بالسلاح أمام قوى أقل منها عتادًا وعددًا، وهنا تحديدًا، يعيدنا الهدي القرآني إلى الجذور الأولى لكل صراع، مبينًا أنها في الأَسَاس معركة النفس، وهندسة الوعي، وبناء البصيرة.
فالقرآن الكريم حين يعرض الصراع مع أهل الكتاب والظالمين، يفكك النفسيات، ويكشف نقاطَ الضعف الخفية للأعداء، ويرسم خطوطًا بيانية عابرة للزمن تحدّد طباع الخصم وطرق تحَرّكه وكيفية تفكيره، ولا يقدم مُجَـرّد سرد تاريخي بارد أَو قصص مسلية لتمضية الوقت وتزكية المعرفة النظرية.
ولكن تأتي المغالطة البشرية الكبرى التي نقع فيها اليوم وهذه هي المصيبة “التحنيط التاريخي”؛ حَيثُ تعاملت شرائح واسعة من المجتمع مع هذه الآيات؛ باعتبَارها أرشيفًا قديمًا يخص قومًا بادوا، ومُجَـرّد قصص تُقصر على زمن الأنبياء السابقين، لا واقعًا حيًّا يُعاش.
لقد جرّد البشر النَّصَّ من روحه الحركية، فتحولت الآيات المواجهة للباطل في عقولهم إلى نصوص جامدة تُتلى للبركة فقط، وبسبب هذا التعطيل، فُقدت البُوصلة، وعمّ الضلال، وضاعت معالم المواجهة الحقيقية، وصارت خطوات الأُمَّــة متخبطة في تِيه التبريرات.
رؤيةٌ واضحة، حركةٌ فاضحة، وخطوةٌ ناجحة
ومن هذا المنطلق ندرك خطورة مصطلح الوهن الذي حذر منه القرآن الكريم وبيّن أثره القاتل على الأمم، حَيثُ يظن المحلل التقليدي أن الوهن خطأ في الاستراتيجيات العسكرية أَو نقص في الذخائر والتمويل المالي والتكنولوجيا، لكن في الميزان الإلهي، الوهن هو مرض نفسي خالص، يبدأ وينمو عندما تهتز الثقة بوعد الله ووعيده في وجدان الأُمَّــة.
وحين يغيب الخوف من وعيد الله الأكبر وعقابه، يتضخم وعيد البشر وتهديدات الأعداء بالقتل أَو السجن أَو الحصار في نفس الإنسان، فيستعظم قوة عدوه ويستصغر قدرة ربه، وتسيطر في صدره الهزيمة قبل الميدان.
تقع المغالطة البشرية عندما نبرّر القعود والتقاعس بقولنا إن العدوّ يمتلك تكنولوجيا متطورة ولا طاقة لنا به اليوم وعلينا السلامة، أَو باللهجة العامية ما جهدنا نعمل شيء، متناسين أن العقل المهزوم نفسيًّا لا يمكنه الانتصار ولو ملك ترسانة الأرض بأكملها.
وهنُ السريرة، ضياعُ البصيرة وهزيمة مريرة
ولأجل حماية النفس من هذا الانزلاق الخطير وقبل الانطلاق في سرد حقائق الصراع وسنن النصر والهزيمة، يأتي الأمر الإلهي الصارم بالاستعاذة في قوله تعالى {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، والمفهوم الحقيقي للاستعاذة في منهج الهدى هو اتِّخاذ موقف حربي لحماية الوعي وتأمين البصيرة.
فالشيطان يدرك أن قراءة القرآن بوعي وبحثًا عن الموقف ستبني أُمَّـة مستقلة تواجه الطواغيت، فيتحَرّك فورًا لبث الشكوك، وتمييع آيات الوعيد، واصطناع معاذير القعود لتنام الأُمَّــة في العسل وتستسلم لواقعها المرير.
والمغالطة البشرية المسكوبة في واقعنا اليوم حولت الاستعاذة إلى مُجَـرّد طقس لفظي آلي، كلمات جافة تُردّد بطرف اللسان دون أن يكون لها رصيد في القلب أَو أثر في الموقف الميداني، بينما الاستعاذة الحقيقية هي حصن الوعي، وفك الارتباط بالنفسيات المثبطة، وبناء حصانة فكرية تكشف زيف التضليل الشيطاني والبشري الذي يحاول إقناعنا بأن السكوت أمان والقعود حكمة.
وعيٌ يُصان، حقٌ يبان، ودحرٌ للشيطان
وبسبب غياب هذا التحصين، تقع الأمم في الفخ الأكبر الذي يحذر منه القرآن الكريم بشكل قاطع، وهو تولي أهل الكتاب والظالمين.
والتولي في المنظور الإلهي ليس مُجَـرّد الخروج من الإسلام واعتناق ديانة أُخرى؛ هو منظومة متكاملة من التبعية السياسية، والثقافية، الاقتصادية، والنفسية.
إنه الركون لمشاريعهم، والوقوع تحت هيمنة قرارهم، والسكوت عن باطلهم وجرائمهم بحق المستضعفين.
والمغالطة الكبرى التي يسوّقها المهزومون اليوم هي تسميةُ هذا التولي دبلوماسية ذكية، أَو واقعية سياسية تقتضيها المصلحة، فيبرّرون السقوط في فخ التبعية بأنهم يجنبون شعوبهم الصدام ويلتمسون السلام.
والنتيجة الكارثية الحتمية التي نراها رأي العين هي خسارة الولاية الإلهية، وانقطاع النصر، والوقوع في الخزي الدنيوي قبل وعيد الآخرة، حَيثُ تصبح الأُمَّــة مُجَـرّد أدَاة رخيصة في يد عدوها، تفقد هُويتها، وتتحول إلى جندي يحارب في خندق الباطل ضد نفسه وأمته.
ولاءٌ مفقود، ذلٌّ مشهود، وضياعٌ للعهود
إن هندسةَ الصراع في القرآن الكريم تعتمد أَسَاسًا على تعرية هذه المغالطات البشرية وإعادة بناء الإنسان من داخله؛ فمن استقام وعيه على خشية الله وحده، تحرّرت خطواته من قيد الخوف من البشر، وصار عصيًّا على الانكسار مهما بلغت قوة خصمه المادية؛ لأن البصيرة المتصلة بنور الله لا تهزمها ظلمات الأوهام الأرضية.






