مأرب تكتوي بالظلام: كيف نهبت مليشيا الإصلاح وحكومة الفنادق ثروات الغاز وعطلت المحطة الغازية الأكبر في اليمن؟

21 سبتمبر / تقرير خاص
تعيش مدينة مأرب المحتلة والمناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا حزب الإصلاح وفصائل “حكومة الفنادق” الموالية للتحالف السعودي-الإماراتي، واحدة من أقسى الأزمات الخدمية في تاريخها الحديث، متمثلة في الانهيار الشامل لشبكة الطاقة الكهربائية بالتزامن مع بلوغ فصل الصيف ذروته الخانقة. هذه الأزمة التي تجاوزت فيها ساعات الانقطاع حاجز الـ 20 ساعة يومياً، لا يمكن قراءتها كعارض تقني أو نتاج شحة الموارد، بل هي تعبير صارخ عن المنهجية التدميرية التي تعتمدها قوى الارتهان في إدارة المنشآت السيادية. إن تحول العاصمة النفطية لليمن إلى بؤرة للظلام والحر القاتل يكشف بوضوح كيف جرى تحويل الخدمات الأساسية إلى أوراق للمساومة السياسية، وأدوات للتربح المالي غير المشروع على حساب كرامة المواطن اليمني وحياته اليومية.
المفارقة السريالية التي تصدم المتابع والداخل على حد سواء، تكمن في أن هذا الشلل الخدمي التام يضرب البقعة الجغرافية التي تحوي منشأة “صافر” ومحطتها الغازية الشهيرة، والتي تمثل أكبر قلاع توليد الطاقة في الجمهورية اليمنية بقدرة تصميمية تتجاوز $340$ ميجاوات. هذه المحطة الاستراتيجية التي تم إنشاؤها من أموال الشعب اليمني لتكون شريان الحياة الممتد من مأرب ليربط الشبكة الوطنية لعموم المحافظات بما فيها العاصمة صنعاء، باتت اليوم عاجزة حتى عن تأمين الاحتياج المحدود لمدينة مأرب ومحيطها المباشر. إن هذا العجز المصطنع يفضح الآلية التي أديرت بها الثروة السيادية طيلة سنوات الاحتلال، حيث جرى عزل هذه المنشأة الوطنية وتحويلها من رافعة للاقتصاد والخدمات العامة إلى غنيمة فصائلية مغلقة تبتلع عائداتها قنوات الفساد المالي الحزبي تحت غطاء وتواطؤ كامل من دول العدوان.
صافر.. من السيادة إلى التفكيك الممنهج
قبل خروج منشأة صافر عن سياقها الوطني، كانت التوربينات الغازية المصنعة من شركة “جنرال إلكتريك” العالمية تعمل بكفاءة عالية بإشراف كوادر هندسية يمنية، مستفيدة من الغاز الطبيعي المصاحب المستخرج محلياً بتكلفة إنتاجية تكاد تكون صفرية مقارنة بالوقود الثقيل. والوقائع الحالية تثبت أن سلطات الأمر الواقع التابعة لحزب الإصلاح عمدت منذ سنوات إلى إهمال الصيانة العمرية والتفتيش الدوري للتوربينات الثلاثة، مما أدى إلى خروج التوربينين الأول والثاني تدريجياً عن الخدمة وبقاء توربين واحد يعمل بأقل من نصف طاقته الاستيعابية نتيجة تراكم الترسبات وغياب قطع الغيار الأساسية. وتفيد التقارير الفنية المسربة من داخل المنشأة أن الميزانيات المخصصة للصيانة التي كانت تُصرف من مبيعات النفط والغاز جرى تحويلها بشكل مستمر لصالح نفقات عسكرية وتغذية الحسابات الشخصية لقيادات الفصيل المسيطر في الخارج.
هذا التدهور الميكانيكي المتعمد توازى مع رفض سلطات مأرب الموالية للعدوان كل المبادرات التي أطلقتها وزارة الكهرباء في حكومة صنعاء لإعادة ربط خطوط الضغط العالي “مأرب – صنعاء” بقوة $400$ كيلو فولت وصيانة محطات التحويل المتضررة، وهي المبادرات التي كانت كفيلة بإعادة تشغيل المحطة بكامل طاقتها وتدفق الطاقة للجميع. إن الإصرار على إبقاء المحطة الغازية معطلة ومجزأة يؤكد الرغبة في إبقاء ملف الطاقة رهينة للمصالح الضيقة، حيث يخشى هوامير الفساد في “حكومة الفنادق” أن يؤدي التنسيق مع صنعاء إلى كشف حجم النهب والعبث الإداري والمالي الذي يمارسونه داخل غرف التحكم في صافر. والنتيجة المباشرة لهذا التعنت الحزبي كانت الانخفاض الحاد في القدرة التوليدية للمحطة إلى مستويات خطيرة بلغت أقل من $40$ ميجاوات، وهي كمية لا تغطي ربع الاحتياج الفعلي لمركز المحافظة والمخيمات التابعة لها.
البيانات التشغيلية تؤكد أن محطة مأرب الغازية اليوم ليست عاجزة لأسباب موضوعية، بل لأنها تعرضت لعملية “تصفية لوجستية” لخدمة بدائل تجارية استثمارية، حيث تشير تصريحات المهندسين الميدانيين إلى أن غياب الزيوت المتخصصة وفلاتر الهواء والتلكؤ في استقدام الفرق الفنية التابعة للشركة المصنعة كان سلوكاً مقصوداً من إدارة المنشأة المعينة من قبل حزب الإصلاح. هذا السلوك الإقصائي والتدميري لم يدمر المحطة فحسب، بل حرم ملايين اليمنيين من حقهم الدستوري في ثرواتهم الوطنية، وحول المنجز الاستراتيجي الذي كلف خزينة الدولة مئات الملايين من الدولارات إلى مجرد هيكل حديدي متآكل ينتج العتمة لجواره، ويصدر الأرباح لقادة الفصائل القابعين في الرياض وإسطنبول.
تجارة المولدات والنهب المنظم للثروة
البديل الذي فرضته فصائل “حكومة الفنادق” لتعويض غيار محطة صافر الغازية كان اللجوء المكثف إلى ما يسمى عقود “الطاقة المشتراة” من شركات تجارية خاصة، في واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي الموثقة بالمستندات والوقائع. وتكشف وثائق وزارة المالية التابعة لحكومة الارتزاق أن السلطة المحلية في مأرب تدفع شهرياً ملايين الدولارات لشركات توليد أهلي يستأجرون مولدات ديزل متهالكة، وتعود ملكية هذه الشركات بالخفاء لقيادات نافذة في حزب الإصلاح أو واجهات تجارية تابعة لها. وتكمن المؤامرة هنا في أن هذه العقود تلزم سلطة مأرب بتوفير وقود الديزل مجاناً لهذه الشركات التجارية من مخصصات المحافظة، مما يعني استنزافاً مزدوجاً للمال العام: شراء الطاقة بأسعار باهظة بالعملة الصعبة، وهدر آلاف اللترات من الوقود يومياً لصالح قطاع خاص يسلب المواطن أمواله.
وتشير الأرقام الصادرة عن قطاع النفط في مأرب إلى أن المحافظة تنتج يومياً ما يقارب $20$ ألف برميل من النفط الخام يتم تكرير جزء منه في مصفاة مأرب الصغيرة لإنتاج البنزين والديزل، إلى جانب إنتاج نحو $80$ مقطورة غاز منزلي يومياً تُباع لجميع المحافظات. هذه العائدات السيادية الضخمة، والتي تُحصل نقداً بالعملة المحلية والأجنبية، تذهب مباشرة إلى حسابات فرعية في البنك المركزي بمأرب تخضع لإشراف مباشر ومطلق من قيادة حزب الإصلاح والعناصر العسكرية التابعة للتحالف، دون أي رقابة من أجهزة الدولة المركزية أو انعكاس على المشاريع الخدمية. وبدلاً من توجيه جزء يسير من هذه المليارات لإصلاح توربينات صافر، يجري استخدام هذه الأموال لتمويل المجهود الحربي للفصائل، وشراء العقارات في المدن التركية والمصرية، بينما يُرغم المواطن المأربي على دفع فواتير كهربائية تجارية تفوق قدرته الشرائية المنهارة.
الوقائع الميدانية تثبت أن أزمة الكهرباء في مأرب هي أزمة ربحية بامتياز؛ فكلما تدهورت الخدمة الحكومية, انتعشت سوق المولدات الخاصة وسوق بيع الألواح الشمسية والبطايات الاستهلاكية التي يستوردها تجار تابعون لذات المنظومة الحزبية الحاكمة. إن الإبقاء على حالة العجز التوليدي يضمن استمرار تدفق العمولات المليونية الناتجة عن تجديد عقود الطاقة المشتراة بأسعار تفوق التكلفة العالمية بنسبة $300\%$، مما يجعل من معاناة السكان في حر الصيف مصدراً دائماً لتراكم الثروات غير المشروعة لنخب الفنادق الذين لا يشعرون بلهيب الصيف ولا بانقطاع التيار في مقار إقامتهم الفارهة في العواصم الإقليمية والدولية.
جحيم الصيف في الجغرافيا المحتلة
إن المشهد المأساوي للكهرباء في مأرب لا ينفصل عن الواقع الكارثي الذي تعيشه بقية المحافظات والمناطق الواقعة تحت سيطرة قوى الاحتلال والارتزاق، من عدن إلى لحج وأبين وحضرموت والمهرة، حيث تحولت هذه المناطق إلى “بؤر للجحيم اليومي”. وفي العاصمة الاقتصادية المفترضة لحكومة الفنادق “عدن”، بلغت ساعات انقطاع التيار الكهربائي خلال أشهر الصيف الحالية أكثر من $18$ ساعة متواصلة في المقابل ساعتي تشغيل فقط، مما أدى إلى شلل تام في الحركة التجارية والمرافق الطبية. وتُسجل المستشفيات الحكومية في عدن وحضرموت بشكل يومي حالات وفاة وإغماء بين كبار السن ومرضى الجهاز التنفسي والفشل الكلوي نتيجة الارتفاع القياسي في درجات الحرارة والرطوبة الخانقة التي تجاوزت $43$ درجة مئوية وسط عجز تام للمنظومة الصحية المرتبطة بالمولدات المتهالكة.
هذا التناغم في الفشل والانهيار الخدمي بين مأرب وعدن وبقية المناطق المحتلة يعود للسبب ذاته: وهو سياسة “النهب والاستنزاف” الممنهجة التي يمارسها التحالف السعودي-الإماراتي وأدواته المحلية، حيث يتم التعامل مع هذه المحافظات كمربعات أمنية وجبايات مالية دون أي التزام أخلاقي أو قانوني بتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. والمواطنون في تلك المناطق باتوا يخرجون بشكل شبه يومي في تظاهرات شعبية غاضبة، يقطعون الشوارع ويحرقون الإطارات تنديداً بسياسة التجويع والإطفاء المتعمد، وهي الاحتجاجات التي تقابلها مليشيات الانتقالي والإصلاح بالرصاص الحي والاعتقالات التعسفية. إن تشابه المعاناة بين مأرب النفطية وعدن الساحلية يثبت أن المشكلة ليست في جغرافيا المكان ولا في نوع الموارد، بل في “هوية السلطة” العابثة والتابعة للخارج والتي تفتقر لأي حس وطني أو مسؤولية إنسانية.
تدمير الحاضنة والانهيار الإنساني الشامل
تنعكس هذه الانقطاعات الكارثية للكهرباء بشكل مباشر ومدمّر على البنية التحتية الهشة للمياه والإصحاح البيئي في مدينة مأرب ومخيمات النازحين المنتشرة في ضواحيها، والتي تفتقر لأبسط مقومات الحماية من العوامل الجوية القاسية. وتوقفت مضخات المياه الآبار الارتوازية الحكومية عن العمل لمدد طويلة نتيجة انعدام الديزل وتوقف خطوط التيار، مما دفع بأسعار صهاريج المياه “الوايتات” التجارية إلى الارتفاع بنسبة $150\%$، ليجد المواطن والنازح نفسه مجبراً على الاختيار بين الموت عطشاً أو إنفاق مدخراته الشحيحة لشراء مياه قد لا تكون صالحة للشرب أصلاً. وتسببت هذه الوضعية الكارثية في تفشي الأوبئة والأمراض الصيفية مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، خصوصاً بين الأطفال والنساء في المخيمات التي تحولت خيامها القماشية إلى أفران حارة بفعل غياب التبريد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أدى انقطاع الكهرباء المستمر إلى إغلاق مئات المحلات التجارية الصغيرة والورش الحرفية والمعامل التي تعتمد بشكل كلي على الطاقة، مما تسبب في فقدان آلاف العمال لمصادر دخلهم اليومية واتساع رقعة البطالة والفقر. ويشكو مالكو المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مأرب من اضطرارهم لشراء ميزانيات تشغيلية ضخمة للوقود لتشغيل مولداتهم الخاصة، مما يرفع من تكلفة الإنتاج ويجبرهم على رفع أسعار السلع الأساسية على المستهلك النهائي، أو إعلان الإفلاس والإغلاق النهائي. هذا الانهيار الاقتصادي والخدمي الشامل يكشف أن سياسة مليشيا حزب الإصلاح وحكومة الفنادق لا تستهدف فقط نهب الثروة، بل تدمير الحاضنة الشعبية وإخضاع المجتمع عبر بوابة الحرمان والافتقار لكل مقومات الاستقرار البشري والاقتصادي المعاصر.
وفي غمرة هذه المأساة، تواصل وسائل الإعلام التابعة لحكومة الارتزاق وبوقها الإعلامي الحزبي تسويق الأعذار الواهية وإلقاء اللوم على “العوامل الخارجة عن السيطرة” وتأخر المنح النفطية السعودية، في محاولة بائسة لتبرئة ساحتها من الجريمة المشهودة. غير أن الحقائق على الأرض والبيانات الرقمية لإنتاج النفط والغاز في صافر تدحض كل هذه الادعاءات، وتؤكد أن الأزمة هي نتاج خطة ممنهجة لإبقاء مأرب والمحافظات المحتلة في حالة من الفوضى والإنهاك المستمر لضمان عدم نهوض أي وعي شعبي يطالب بالحقوق والسيادة. والوقائع التاريخية تؤكد أن الشعوب لا يمكن أن تظل صامتة أمام من يسرق ثرواتها ويتركها تموت ببطء في الظلام، وأن حالة الغليان الشعبي المتصاعد في مأرب وعموم المناطق المحتلة تشير إلى قرب الانفجار الكبير ضد أدوات الفساد والتبعية.
ارتداد الوفرة على لصوص الخدمات
إن المشهد المظلم الذي يخيم على مدينة مأرب المحتلة والمحافظات الخاضعة لسيطرة “حكومة الفنادق” يُمثل الإدانة الأكثر وضوحاً وفجاجة لسنوات من التبعية المطلقة للتحالف السعودي-الإماراتي، ويثبت بالملموس أن الارتهان للخارج لا يمكن أن يؤسس لدولة أو يبني قطاعاً خدمياً مستداماً. فتحول كبرى منشآت الطاقة كـ “صافر” إلى أطلال عاجزة عن إنارة محيطها هو الثمن المباشر الذي يدفعه المواطن اليمني نتيجة تسليم مقدراته السيادية لعصابات حزبية وعسكرية ترى في الوطن مجرد بقرة حلوب لتمويل مصالحها الخاصة في عواصم الشتات. هذا الفشل البنيوي الشامل يسقط آخر أوراق التوت عن شرعية الفنادق المزعومة، ويعيد ترتيب الوعي الجمعي لليمنيين من خلال مقارنة واعية بين هذا العبث وبين الصمود المؤسسي في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة، التي تحافظ على مؤسسات الدولة وتحمي مقدراتها رغم الحصار الشامل.
في المحصلة الأخيرة، فإن استمرار انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات خانقة في مأرب والمناطق المحتلة ليس مجرد تفصيل خدمي معزول، بل هو محرك أساسي من محركات التغيير الاجتماعي والسياسي، حيث تؤكد الوقائع أن الشعوب لا يمكن أن تظل صامتة أمام من يسرق ثرواتها ويتركها تموت ببطء في الظلام. وإن اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية وتصاعد الأصوات القبلية والمجتمعية الحرة داخل مأرب ضد عبث مليشيا حزب الإصلاح يشير إلى أن الحاضنة الشعبية هناك بدأت تدرك بعمق أن بقاء هذه المنظومة الفاسدة يعني استمرار الغرق في جحيم الأزمات اللامتناهية. هذا الوعي المتشكل تحت وطأة المعاناة اليومية يمهد الطريق لتصحيح المسار وتفكيك منظومة الارتزاق من الداخل، وصولاً إلى استعادة القرار الوطني المستقل وإعادة ثروات “صافر” لخدمة أصحابها الحقيقيين في كل شبر من أرض الوطن.






