اخبار محليةالعرض في السلايدرجرائم العدوان السعودي الامريكي

المارينز حفاة بلا أسلحة.. كواليس 11 فبراير والهروب المذل من صنعاء: هكذا سقط وكر أمريكا الاستخباراتي واستعاد اليمنيون سيادة القرار

 

21 سبتمبر / تقرير خاص

أنهى تاريخ 11 فبراير 2015 رسمياً حقبة “التواجد الدبلوماسي-العسكري” للولايات المتحدة في صنعاء، بإغلاق السفارة وإجلاء طواقمها بعد 4 سنوات من إدارة المشهد عبر “لجنة الهيكلة” ومكتب التعاون العسكري (OMC). يمثل هذا التاريخ لحظة “الانفصال العملياتي”؛ حيث فقدت واشنطن السيطرة على الدوائر السيادية الثلاث (القرار السياسي، البنية الاستخباراتية، القيادة العسكرية)، وانتقل اليمن من وضعية “الدولة الملحقة” أمنياً بموجب المبادرة الخليجية، إلى وضعية “السيادة الكاملة” التي فرضتها مفاعيل ثورة 21 سبتمبر، ما أدى إلى نشوء “فجوة رصد” استراتيجية لدى البنتاغون استمرت لعقد كامل.

تؤكد البيانات العسكرية أن إخلاء “قاعدة العمليات الأرضية” في صنعاء عام 2015 هو المتغير الأساسي الذي سمح بتدشين برنامج “الاكتفاء التسليحي” بعيداً عن الرقابة المباشرة لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA). هذا التحول مكن القوات المسلحة من بناء ترسانة صاروخية وفرط صوتية، انتقلت من مرحلة “الدفاع عن المركز” إلى مرحلة “الردع العابر للحدود” و”فرض الحظر البحري” في 2024-2026. وبموجب هذا التوصيف، يعد 11 فبراير تاريخ “سقوط الوصاية” فعلياً، وبدء مرحلة المواجهة المباشرة التي أخرجت اليمن من مدار “القطبية الواحدة”.

تفكيك “البنية العميقة” للاحتلال

إسقاط الوصاية 

أوقفت ثورة 21 سبتمبر مسار “التدمير الممنهج” للقدرات الدفاعية الذي قادته واشنطن بين عامي 2012 و2014، والذي أسفر عن تفجير وإتلاف ما يقارب 1500 صاروخ من منظومات الدفاع الجوي (Strela وSAM-7) بإشراف مباشر من خبراء أمريكيين. طرد المارينز في 11 فبراير 2015 كان الإجراء التنفيذي لحماية ما تبقى من مخزونات استراتيجية، وبتر “الأطراف التجسسية” التي كانت تدير 48 مكتباً تنسيقياً داخل مؤسسات الدولة السيادية. هذا الإنجاز الثوري نقل اليمن من “التبعية المطلقة” لوزارة الخارجية الأمريكية إلى “الاستقلال الدستوري” الكامل.

تُظهر إحصائيات الأجهزة الأمنية في صنعاء أن معدل “الاختراق الأمني” والاغتيالات السياسية تراجع بنسبة 92% بعد رحيل البعثة الأمريكية، التي كانت توفر غطاءً لوحدات استخباراتية تدير الفوضى تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”. وبحسب الخطاب السياسي للقيادة الثورية، فإن جلاء 2015 وفر “البيئة الوطنية” اللازمة لبناء عقيدة قتالية للجيش اليمني تتجاوز القيود التي فرضها “الملحق العسكري” الأمريكي لسنوات. هذا التحول مكن صنعاء من إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس وطنية خالصة، بعيداً عن “الفيتو” الأمريكي الذي كان يمنع امتلاك أسلحة تتجاوز مدى 300 كيلومتر.

أثبتت وقائع 11 فبراير فشل “مشروع الاحتواء الدولي”؛ حيث تحول إجلاء المارينز من “انسحاب ديبلوماسي” إلى “سقوط استراتيجي” للمبادرة الخليجية وأدواتها. التقرير الاستراتيجي يوثق أن خروج البعثة أدى إلى توقف التمويلات المشروطة التي كانت تُستخدم كأداة “ابتزاز سياسي” لفرض قرارات تخدم الكيان الصهيوني. هذا الاستقلال المالي والسياسي هو الذي منح صنعاء القدرة على إعلان الانضمام المباشر لـ “معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس”، وهو موقف لم يكن ممكناً في ظل وجود قاعدة عمليات أمريكية داخل العاصمة.

إحصائيات “الجلاء” بمطار صنعاء

سجلت محاضر مطار صنعاء في 11 فبراير 2015 قيام طواقم المارينز بتحطيم 250 قطعة سلاح فردي ومتوسط (نوع M4 وM24) باستخدام أدوات يدوية داخل حرم المطار، بعد فشل مفاوضات نقلها خارج البلاد. هذا الإجراء الفني يعكس فقدان “السيطرة الميدانية” الأمريكية، واضطرار القوات للمغادرة بـ “زي مدني” وعلى متن رحلات تجارية تابعة للخطوط الجوية العمانية، ما صُنف استخباراتياً كأكبر عملية “تجريد عسكري” تعرضت لها وحدة مارينز في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود.

إلى جانب الأسلحة، تركت البعثة الأمريكية خلفها أصولاً مادية وعسكرية تشمل 32 عربة مصفحة (درع ليفل 7) وكميات مهولة من أجهزة الاتصال المشفرة التي تم الاستيلاء عليها وتفكيكها تقنياً. هذا السقوط اللوجستي خلف “عمى معلوماتي” لدى وكالة الأمن القومي (NSA) استمر مفعوله حتى اللحظة؛ إذ يقر البنتاغون حالياً بعجزه عن تقدير حجم “مخازن الصواريخ تحت الأرض” في اليمن، نتيجة انقطاع مصادر المعلومات الميدانية التي كانت توفرها السفارة وأجهزتها التجسسية قبل عام 2015.

جغرافيا الانكماش والهروب البحري

يربط المحللون العسكريون بين إخلاء صنعاء (2015) واضطرار الأساطيل الأمريكية للفرار من البحر الأحمر (2024-2026)؛ حيث فقدت واشنطن “الغطاء الأرضي” الذي كان يؤمن تحركات بوارجها. الأرقام الرسمية تشير إلى أن تكلفة الدفاع الجوي الأمريكي لاعتراض المسيرات اليمنية بلغت 1.2 مليار دولار خلال نصف عام، وهو نزيف مالي ناتج عن فقدان القدرة على “الضربة الاستباقية” من الداخل اليمني. إن تحول اليمن إلى “قاعدة ردع” هو الثمرة المباشرة لقرار طرد المارينز الذي أنهى زمن “العمليات من الداخل” وحولها إلى مواجهة “دولة لدولة”.

تكرار سيناريو 2015 في البحار يتجلى في سحب حاملات الطائرات (أيزنهاور، لينكولن) بعد تعرضها لتهديدات باليستية مباشرة؛ حيث أثبتت القوات المسلحة اليمنية سقوط “عقيدة السيادة البحرية” الأمريكية. التقارير الفنية تؤكد أن “الانسحاب القسري” للحاملات يمثل فشلاً في تحقيق هدف “حماية الملاحة الصهيونية”، وهو امتداد للفشل في حماية “مربع السفارة” بسعوان قبل عقد من الزمن. هذا التسلسل يؤكد أن اليمن فرض معادلة “الجغرافيا المحرمة” التي تبدأ من اليابسة وتمتد إلى المحيط الهندي.

يمثل طرد أمريكا انتصاراً لـ “سردية الاقتدار” على “سردية التبعية”؛ فاليمن اليوم هو الدولة الإقليمية الوحيدة الخالية من أي قاعدة أمريكية أو “مكاتب ارتباط” أمنية. هذا الفراغ السيادي تم ملؤه بقدرات تصنيعية محلية جعلت من اليمن لاعباً مؤثراً في التحكم بـ “مضيق باب المندب” (الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية). إن قرار 11 فبراير كان “الضربة القاضية” لمشروع الأقلمة والتمزيق، وتحولاً جذرياً نحو بناء قوة وطنية تفرض معادلاتها في الجيوسياسة الدولية.

السيادة القيمية ومواجهة “الاختراق الثقافي”

تستند سردية ثورة 21 سبتمبر إلى أن طرد المارينز كان ضرورة “تطهيرية” للهوية الإيمانية؛ إذ كشفت الوثائق الميدانية عن برامج تمويل ناعمة كانت تديرها السفارة لضرب المنظومة الأخلاقية اليمنية. إن الربط بين “السيادة الوطنية” و”الطهارة القيمية” يكتسب مشروعيته من انكشاف فضائح “نخبة واشنطن” (ملفات إبستين)، التي أكدت أن الطرف الذي كان يطالب بـ “الوصاية” على اليمنيين يفتقر للأهلية الأخلاقية. هذا الانفصال القيمي عزز الجبهة الداخلية ومنح المقاتل اليمني تفوقاً معنوياً في مواجهة “قوى الانحطاط العالمي”.

على الصعيد السياسي، أجهضت ثورة 21 سبتمبر مؤامرة “الأقلمة” التي حاولت واشنطن فرضها عبر مخرجات الحوار الوطني لتقسيم اليمن إلى 6 أقاليم ضعيفة. الوثائق تثبت أن المسودات السياسية كانت تُصاغ داخل السفارة الأمريكية لضمان بقاء اليمن تحت “البند السابع” الدائم. إلا أن الإجراء الثوري في 11 فبراير 2015 أنهى هذا المسار، وأعاد الاعتبار للإرادة الشعبية التي رفضت دور “الوكيل المحلي”، مفضلةً خوض معركة الاستقلال الكلي على قبول حلول “الارتهان المقنع”.

يرتكز تحليل “الاختراق المؤسسي” على حقيقة أن السفارة الأمريكية كانت تمتلك “حق الفيتو” على تعيينات القادة العسكريين في نظام ما قبل 2014. خروج المارينز أدى إلى “يمننة” القرار الأمني والعسكري بنسبة 100%، وهو ما سمح ببناء أجهزة أمنية ولاؤها المطلق للقيادة الثورية. هذا التحرر المؤسسي هو المحرك الفعلي للمسيرات المليونية المساندة لغزة؛ حيث لم يعد هناك “سفير” يمنع الشعب من التعبير عن موقفه المبدئي تجاه قضايا الأمة.

تُوثق ذكرى 11 فبراير سقوط “خرافة القوة المطلقة”؛ فالنموذج الأمريكي الذي انكسر في مطار صنعاء عام 2015 هو ذاته الذي ينكسر اليوم أمام الصواريخ اليمنية في البحار. إن نجاح اليمن في بناء “قوة ردع” خلال عقد من الحصار يثبت أن “الاعتماد على الله” والقدرات الذاتية هو البديل الناجح عن “الارتهان للخارج”. هذه الحقائق جعلت من اليمن مرجعاً للشعوب المستضعفة في كيفية انتزاع السيادة، مؤكدة أن زمن الوصاية قد انتهى فعلياً في شوارع صنعاء، وأن عودة النفوذ الأمريكي أصبحت “استحالة جيوسياسية” في ظل الوعي الشعبي المتنامي.

التحول نحو “المركزية السيادية”

يؤدي التحليل الاستراتيجي لحدث 11 فبراير إلى استنتاج قطعي: اليمن انتقل من “هامش التبعية” إلى “مركزية الفعل” في موازين القوى الإقليمية. إن جلاء المارينز لم يكن حدثاً عابراً، بل كان “شهادة وفاة” رسمية لسياسة القطبية الواحدة في جنوب الجزيرة العربية؛ فاليمن اليوم يمارس سيادته كـ “قوة مقررة” في الممرات المائية الدولية، مستنداً إلى شرعية ثورية وجاهزية عسكرية لا تخضع للاملاءات. هذا الاستقلال هو الذي مكّن صنعاء من فرض معادلة “الندية الكاملة” مع القوى الكبرى، محولاً الفرار الأمريكي من البر والبحر إلى قدر محتوم لكل من يحاول استباحة السيادة اليمنية.

في المحصلة، يظل 11 فبراير 2015 هو “نقطة الصفر” لنهضة اليمن الحديث؛ حيث أثبتت التجربة أن القوة المادية (الأساطيل والمارينز) تنهار أمام “القوة السيادية” والقيادة الشجاعة. إن دروس العقد الماضي تؤكد أن زمن “السفارة الحاكمة” قد ولى، وأن الجغرافيا والبحار اليمنية أصبحت تحت “الإدارة الوطنية الصرفة”. لتبقى هذه الذكرى رمزاً لانتصار الإرادة اليمنية، وفاتحة لعصر جديد يكون فيه اليمن هو “السيد والفاعل” في خريطة التوازنات العالمية الجديدة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى