اتفاق الإطار الصهيولبناني: استسلام سلطوي وتفريط سيادي وجسر إلى الفتنة

21 سبتمبر|
لم تكن الصورة في البيت الأبيض تحتاج إلى كثير من التأويل؛ خطوتان إلى طاولة التوقيع، وخمس جولات من الحوار انتهت إلى صيغة جديدة هذه المرّة للبنان، صيغة لا تشبه التسويات بل تشبه وصفة كاملة لنقل البلد من حال العصيّ بالمقاومة إلى المتناول الصهيوني المباشر، الوثيقة التي وقّعتها السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة وسفير كيان العدو الإسرائيلي برعاية أمريكية تجرّد لبنان من سيادته على الجنوب المقاتل، وتمنح العدو المحتلّ حرية العمل، حرية البقاء، وحرية ارتكاب الجريمة تحت سقف تفاهمٍ يُسمى “اتفاق إطاري” وفوق ذلك، تكشف الوثيقة عن استعدادٍ لدى الموقّعين للعمل كشريك ضد اللبنانيين أنفسهم، في مشهدٍ أعاد إلى الذاكرة صورة ارتداء جيش لحد، وأداء وظيفة الخائن، لكن هذه المرّة بوجهَي عون وسلام في واجهة الغضب ولعنة المستقبل.
شعر مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، المخنوق بالهزيمة والفشل العسكري ونتائج انتصار محور المقاومة والضغط الإيراني للانسحاب من جنوب لبنان، أنه أمام عملية إنقاذ لبعض الوقت، “سنبقى جنوب لبنان تنفيذاً لاتفاق الإطار ولن ننسحب تحت الضغط الإيراني”، قالها نتنياهو صراحةً، معتبراً الاتفاق هديةً دون عناء، وفي توقيت يحتاجه للهروب من انسحاب مذلّ كان موضوعاً على رأس قائمة مذكرة التفاهم الإيرانية، وقد أخفق في تغييرها، وتقرّ بعض بنود الاتفاق بمناطق تجريبية لاختبار الجيش اللبناني بعد انسحاب محدود لعصابات جيش كيان العدو، فيما تظل الخطوة التالية محسومة: شراكة في دفع “المقاومة – حزب الله” لتسليم السلاح، أي تجريده من السلاح، وهو أكثر من مستحيل.
حين اشتعل الشارع اللبناني رفضاً لإعلان الاتفاق واستعداداً لمواجهة طويلة، أرادت المقاومة أن تُشعر قصر بعبدا ومجمع السرايا والفرق السياسية الظاهرة والمختبئة في طابور التطبيع، أن اتفاق العار لن يمر، وقبل أن يجدد حزب الله إعلان الرفض المطلق، من كتلة الوفاء للمقاومة إلى الحلفاء إلى الأمانة العامة، كان الموقف محسوماً فاتفاق الإطار الذي يستبيح لبنان سيبقى حبراً على ورق، والخيارات مفتوحة وتلتقي عند تحذير الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم: “تراجعوا عن خطيئاتكم التي تخرب لبنان، لن نترك الميدان ولم نتركه في أصعب الظروف”.
أما الثلاثي الأمريكي والإسرائيلي والعميل اللبناني فقد وضع نفسه في حقل الخطوط الحمراء الممنوعة، في اندفاعةٍ تجاهلها تيار الاستسلام في التوقيت الذي قرّره العدو الإسرائيلي، لكن تحقيقها لن يحدث دون إشعال الحرب الأهلية، وهو تماماً ما راح يروّج له إعلام العدو ويحفل به دون سواتر أو أقنعة. وفي توصيف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في رسالة إلى الشعب اللبناني، إنها الفتنة.
في الخلفية ثمة طرف رابع يحاول الاختباء خلف عبارات مفتوحة: بعض الخليج، فاجتماع المنامة مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو انتهى إلى بيان مشترك يحرّض على السلاح المقاوم ومعادلة وحدة الساحات، وترجمته العملية تقديم دعم صريح للاستباحة الإسرائيلية للبنان، تحت الشروط نفسها التي يرفعها العدو لانسحابه من جنوب لبنان، والخلاصة أن العبور بالمؤامرة غير ممكن، والعبور إلى صدام داخلي معقّد، في حين أن إسقاط الخيانة وحماية لبنان ودفع الفتنة صار التزاماً إجبارياً.
وعقب الإعلان عن التوقيع، ضجّت وسائل إعلام العدو الإسرائيلي بالسعادة، وحَفِلت تغطيتها بالتبشير بسيناريو الحرب الأهلية في لبنان، وتسابقت قنوات العدو لاستضافة محللين سياسيين وعسكريين وصفوا الاتفاق بـ”الممتاز” و”الإيجابي”، كونه يربط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بنجاح الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، ونقلت القناة الـ13 الإسرائيلية عن محللها للشؤون العسكرية قوله إن “إسرائيل تدفع بلبنان إلى حرب أهلية”، مضيفاً أن ذلك “كان الهدف منذ البداية”، ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤولين قولهم إن “إسرائيل ستبقى على طول الخط الأصفر، ولن تنسحب من قلعة الشقيف”، وأن السكان اللبنانيين لن يعودوا إلى منازلهم بموجب الاتفاقية الموقّعة برعاية أمريكية، وفي الاتجاه ذاته، أعلن “وزير حرب” الاحتلال “يسرائيل كاتس” أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جنوب لبنان، وستواصل التموضع في ما وصفه بـ”المنطقة الأمنية” بما فيها الشقيف، وأنها ستكون خالية من السكان ومن البنى التحتية لحزب الله، مضيفاً أنه لا إعادة انتشار ولا انسحاب إسرائيلي قبل نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان.
في المقابل، أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله أن المقاومة ستواصل التمسك بسلاحها وخيارها في مواجهة الاحتلال، معتبراً أن الاتفاق الذي أبرمته السلطة لن يبصر النور، وأن أي تسوية إقليمية لن تتم من دون ضمان وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال. وقال فضل الله، في احتفال تكريمي أقامه حزب الله، إن “قدرنا كمجتمع وبيئة أن نبقى ثواراً ومقاومين للاحتلال والظلم”، مشيراً إلى أن المقاومة اضطرت إلى حمل السلاح دفاعاً عن الوجود وتحرير الأرض، “لأنه لم تكن لدينا دولة تتحمل مسؤولياتها أو تقوم بواجباتها”. وانتقد أداء السلطة معتبراً أنها “وقّعت على صك استسلام يغلّب مفهوم الدولة ذات السيادة الوطنية”، وأنها “لم يكن لديها أي مشكلة في بيع الجنوب وأهله وتبرئة الاحتلال من جرائمه”. ورأى فضل الله أن السلطة قوّضت أسس الدولة عندما تنكّرت للدستور والميثاق الوطني وخالفت القوانين، مضيفاً أنها “تظن أنها تستطيع بدعم أميركي ضرب التوازنات الوطنية وتغييب طائفة بأكملها للتلاعب بمصير الجنوب”. وختم بالقول: “من في السلطة ليسوا سوى أفراد ينتهي مفعول صلاحيتهم وهم سيرحلون، وأما المقاومة وسلاحها ورجالها باقون لتحرير الأرض وحماية الشعب”، محذراً من أن ما أقدمت عليه السلطة هو “الفتنة من أجل دفع البلد إلى الفوضى ونقل الصراع من كونه مع العدو إلى صراع داخلي”.
وتواصلت المواقف السياسية الرافضة للاتفاق؛ فرأى رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان أنه “غير متوازن في شكله ومضمونه، ويشرعن الاحتلال وينتهك السيادة”، واعتبره “خطوة عملية في مشروع الفتنة الداخلية”، وأكد المؤتمر الشعبي اللبناني أن “إطار اتفاق واشنطن المشؤوم يشكل انقلاباً خطيراً على الطائف، واستسلاماً سلطوياً مذلاً أمام العدو الصهيوني”. ووصف عضو كتلة حزب الله النائب إبراهيم الموسوي الاتفاق بأنه “إذعان لإملاءات العدو الإسرائيلي”، وأكد أنه “ساقط قانونياً ودستورياً ولا شرعية له”. وحذّر الشيخ قبلان قبلان اللبنانيين من “نار فتنة السلطة الحالية” ودعاهم “لإطفائها قبل أن تحرق لبنان كل لبنان”، قائلاً: “حرام أن يحترق لبنان أمام أعيننا من أجل فريق تم توظيفه من أجل هذه الفتنة”.
وعلى خط إقليمي متصل، أجرى رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران محمد باقر قاليباف اتصالاً مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، أكد فيه أن “هدف إيران هو وضع حد للحرب على لبنان، وعودة النازحين إلى ديارهم، ورفع الاحتلال وانسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية”، مشدداً على أن طهران “تتابع هذا الأمر بكل جدية”، وكاشفاً أنه تقرر تشكيل “وحدة للتحكم في النزاع”. بدوره أعرب بري عن تقديره لمواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووفدها المفاوض، وقال: “إن ما تابعتموه في سويسرا يصب في مصلحة الشعب اللبناني، لكن العدو الصهيوني يحاول الالتفاف على مسألة استعادة سيادة لبنان ووحدة أراضيه في إطار تفاهم إسلام آباد بطرق أخرى”. ووصف بري “تفاهم واشنطن” بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني بأنه “مؤامرة وفتنة”. واتفق الجانبان على ضرورة عقد اجتماع “وحدة التحكم في النزاع” في أسرع وقت ممكن للسيطرة على الحرب في لبنان وإنهائها.
صحف ومواقع غربية تناولت الاتفاق الإطاري من زاوية مغايرة، فقد أكدت صحيفة “لوموند” الفرنسية أنه يحمل شروطاً مجحفة تضر بالسيادة اللبنانية ومصالحه العليا، وتضع الدولة ومؤسساتها أمام تحديات أمنية وسياسية خطيرة تهدد الاستقرار الداخلي، وأضافت أن السلطة اللبنانية لم تنتزع خلال المفاوضات لا وقفاً دائماً لإطلاق النار ولا جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب، في وقت أعلن فيه نتنياهو صراحةً أن جيش العدو سيبقى في المنطقة الأمنية جنوب لبنان حتى نزع سلاح حزب الله، مع احتفاظه بحرية عمل عسكرية كاملة. وترى الصحيفة أن مكمن الخلل الأساسي أن الاتفاق يربط استعادة الأرض اللبنانية بشرط نزع سلاح المقاومة، أي أنه “يحوّل الاحتلال من انتهاك يجب إنهاؤه فوراً إلى ورقة ضغط على الداخل اللبناني، ويضع السلطة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع حزب الله”، وهو ما اعتبره الحزب خضوعاً لإملاءات مهينة ومحاولة لدفع البلاد نحو فتنة داخلية تحت عنوان نزع السلاح بالقوة.
من جهتها، نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن خبراء قانونيين تحذيرهم من أن الاتفاق الإطاري الجديد قد يمنع ضحايا جرائم الحرب الصهيونية في لبنان من السعي إلى العدالة، ويعرقل أي محاولة مستقبلية لمنح المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية في البلاد. وأفاد مستشارون وحقوقيون لبنانيون بأن بنود الاتفاق “تهدد بإغلاق مسارات التحقيق والتوثيق والمساءلة، بل قد يعرقل بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة”، ما يعني عملياً منح العدو غطاءً سياسياً وقانونياً للإفلات من العقاب.
في مقابل ذلك، ترى الصحف والإعلام الغربي أن الاتفاق الموقع بين طهران وواشنطن وضع لبنان في قلب التفاهم، وأن ذلك يضعف قدرة الكيان على التحرك ضد لبنان ويجبره على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، كما يعزز من موقف المقاومة وحزب الله في لبنان. وهكذا، بينما سعت طهران في اتفاقها مع الولايات المتحدة إلى حماية لبنان وطرد المحتل مع تعزيز موقف المقاومة، جاء اتفاق واشنطن الإطاري ليكرّس وجود الاحتلال ويُقوّض السيادة اللبنانية بإملاءات تمنحه الإفلات من العقاب وتدفع البلاد نحو الفتنة؛ فشتان بين اتفاقٍ يصون كرامة لبنان، وآخر يثبّت أقدام الغازي على حساب أمنه واستقراره.
موقع أنصار الله .
تقرير | يحيى الشامي






