حرائق عدن وبارود حضرموت: الانهيار الاقتصادي الممنهج كغطاء لتثبيت تقاسم النفوذ السعودي الإماراتي

21 سبتمبر/ تقرير خاص
تتسارع وتيرة التفتيت البنيوي للمحافظات المُحتلة الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان وأدواته، حيث يتقاطع التدهور المعيشي والخدمي الكارثي مع تحركات عسكرية وأمنية مكثفة تعيد رسم خارطة النفوذ الإقليمي. لم يعد المشهد الاقتصادي المنهار في عدن وحضرموت وبقية المناطق المحتلة، مجرد نتاج لفشل إداري ، بل يتبدى كاستراتيجية مقصودة وموظفة من قبل الرياض وأبوظبي، لإلهاء الحاضنة الشعبية الغارقة في الأزمات المعيشية وتمرير مشاريع الاستقطاب العسكري والسياسي الحاد بين الفصائل المحلية التابعة لهما.
إن الرصد الميداني الشامل للأحداث والتطورات الأمنية والخدمية يكشف عن عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها مناطق سيطرة “مجلس القيادة الرئاسي”. فبينما تقف هذه السلطة التابعة عاجزة عن توفير أدنى مقومات الحياة، تستمر الرياض في الدفع بتعزيزات عسكرية ونشر فصائل “درع الوطن” في عمق مناطق نفوذ الفصائل المدعومة إماراتياً، مما ينذر بجولة صدام مؤجلة يجري التأسيس لها ميدانياً عبر استثمار الغضب الشعبي واستغلال معاناة المواطنين اليومية.
هندسة التجويع وسياسات الإفقار
أظهرت المؤشرات الميدانية المسجلة تجاوز الأزمة المعيشية والخدمية في مدينة عدن وبقية الحواضر الجنوبية حدود القدرة على الاحتمال، مع تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية المنهارة أمام العملات الأجنبية. وقد انعكس هذا التدهور مباشرة على أسعار السلع الغذائية الأساسية والاستهلاكية التي سجلت قفزات سعرية غير مسبوقة، بالتزامن مع انعدام شبه تام للخدمات العامة، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء والطاقة الذي يمثل عصب الحياة اليومية في ظل أجواء الصيف القاسية.
تؤكد المعطيات القادمة من أسواق عدن ولحج أن التلاعب المنظم بملف المشتقات النفطية المخصصة لمحطات توليد الكهرباء قد أدى إلى خروج أكثر من 70% من القدرة التوليدية عن الخدمة، لتصل ساعات الانقطاع إلى قرابة عشرين ساعة يومياً مقابل أربع ساعات تشغيل متقطعة. هذا الانقطاع الطويل لم يتسبب فقط في شلل الحركة التجارية والخدمية، بل أدى إلى وفاة عدد من كبار السن وذوي الأمراض المزمنة في المستشفيات والمنازل جراء الارتفاع الحاد في درجات الحرارة والرطوبة، مما دفع بالمواطنين إلى الخروج في تظاهرات غاضبة وقطع الطرقات الرئيسية بإحراق الإطارات.
في موازاة ذلك، برزت أزمة المشتقات النفطية الخاصة بالمركبات كأداة ضغط إضافية؛ حيث أغلقت معظم محطات الوقود الرسمية أبوابها أمام المستهلكين، مما سمح بانتعاش السوق السوداء التي تشرف عليها قيادات نافذة في الفصائل المسلحة، حيث قفز سعر لتر البنزين إلى مستويات قياسية ضاعفت من كلفة النقل الداخلي وأسعار الخضروات والمواد التموينية القادمة من الأرياف.
حضرموت كساحة للصراع المؤجل
لم تعد محافظة حضرموت، بثقلها الجغرافي والاقتصادي الغني بالثروات النفطية، بعيدة عن دائرة الاستقطاب العسكري المباشر؛ بل تحولت إلى الساحة الأكثر سخونة للتنافس السعودي الإماراتي غير المعلن. وتشهد الهضبة النفطية ووادي حضرموت تحركات عسكرية مكثفة من قبل الرياض التي تسعى جاهدة لتقليص نفوذ الفصائل الموالية لأبوظبي وتأمين خطوط إمدادها الاستراتيجية نحو بحر العرب.
وقد رصدت التقارير الميدانية وصول تعزيزات عسكرية تابعة لقوات “درع الوطن” المشكلة والمدعومة سعودياً إلى مناطق التماس في مديريات الوادي والصحراء، وترافق ذلك مع استحداث نقاط تفتيش ومواقع تمركز جديدة على طول الخط الدولي الرابط بين العبر وسيئون. هذه التحركات قوبلت باستنفار مضاد من قبل قوات “النخبة الحضرمية” والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي في مدن الساحل (المكلا والشحر)، حيث تم رفع الجاهزية القتالية واستدعاء الوحدات الاحتياطية بذريعة مواجهة خطط “التمكين الجديدة” التي تقودها اللجنة الخاصة السعودية عبر أدواتها السلفية والمحلية.
إن هذا الانقسام العسكري الحاد يتجاوز مجرد المناوشات الموضعية؛ فهو يمثل صراعاً على هوية الإدارة المحلية للمحافظة والتحكم بقرارها السياسي والاقتصادي. وتحاول الرياض فرض سلطة محلية تدين لها بالولاء المطلق عبر لافتة “مجلس حضرموت الوطني” كبديل لمشروع الإلحاق الذي ينادي به المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، مما يجعل المحافظة بأكملها على صفيح ساخن ينتظر عود ثقاب لتفجير مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
توظيف الغضب واستثمار المعاناة
في الوقت الذي يعاني فيه سكان المحافظات الجنوبية من تداعيات غياب الخدمات والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية، تتبدى بوضوح محاولات الأطراف المحلية المتصارعة لاستثمار هذا الغضب الشعبي وتوظيفه لخدمة الأجندات الإقليمية لداعميها. لا يبدي أي من الطرفين المتنافسين اهتماماً حقيقياً بوضع حلول جذرية للأزمات المعيشية، بل يتم التعامل مع المعاناة كأوراق ضغط سياسية متبادلة.
فمن جهة، تعمد الفصائل الموالية للإمارات إلى تحميل حكومة “مجلس القيادة الرئاسي” والجانب السعودي المسؤولية الكاملة عن انهيار الخدمات، مستغلة التظاهرات الشعبية العفوية في عدن والمكلا لتوجيه السخط العام نحو المقرات والمؤسسات المرتبطة بالرياض، ومحاولة تقديم نفسها كمنقذ أو كطرف يشارك المواطنين معاناتهم، رغم سيطرتها الفعلية على الأرض وجبايتها للموارد المحلية الضخمة دون توجيهها لتحسين معيشة السكان. وفي المقابل، تحرص الوسائل الإعلامية والسياسية المرتبطة بالرياض على تصوير الفصائل الانتقالية كعصابات مسلحة تعيق عمل المؤسسات الرسمية وتنهب الإيرادات العامة وترفض توريدها إلى البنك المركزي، مبررة بذلك تقنين الدعم المالي والنفطي المقدم لتشغيل المحطات.
هذا التراشق الإعلامي والسياسي، المستند إلى واقع خدمي مدمر، يكشف أن الانهيار ليس نتاج صدفة، بل هو أداة ترويض جماعي وإخضاع سياسي؛ حيث يراد للمواطن اليمني في هذه المناطق أن يظل غارقاً في البحث عن شربة ماء باردة أو ساعة كهرباء، بما يمنعه من التفكير في إطار وطني جامع لمواجهة الوجود الأجنبي وسلب القرار السيادي.
البنية المفككة للاحتلال وأدواته
إن القراءة المتعمقة لمشهد التوتر الأمني المستمر في عدن، والتمدد العسكري في حضرموت، تؤكد وجود أزمة بنيوية عميقة في نموذج الإدارة الذي فرضه تحالف العدوان على المناطق المحتلة. هذا النموذج القائم على تفريخ الفصائل المسلحة وتعدد الولاءات يمنع بالضرورة قيام أي استقرار سياسي أو اقتصادي، ويجعل من صراع الإخوة الأعداء حالة ديمومة تخدم القوى الخارجية.
فالانتشار العسكري المتبادل، وعمليات الاغتيال الصامتة، والاعتقالات التعسفية المتبادلة بين الفصائل في عدن ولحج، والتحشيد المستمر في شبوة وأبين، كلها شواهد على أن ما يسمى “مجلس القيادة الرئاسي” ليس سوى واجهة كرتونية لا تمتلك من أمرها شيئاً. إن غياب الرؤية الموحدة وتناقض المصالح بين الرياض وأبوظبي ينعكسان تلقائياً على سلوك أدواتهما المحلية؛ فكلما تفاهمت العاصمتان على ملف، هدأت الجبهات المحلية مؤقتاً، وكلما تصاعد التنافس الإقليمي على الموانئ والجزر والمنابع النفطية، انفجرت الأوضاع الأمنية والخدمية في وجه المواطنين المستضعفين.
لقد أثبتت الوقائع الميدانية على مدى السنوات الماضية أن الحلول الترقيعية، مثل اتفاقات الرياض المتعددة أو تشكيل المجالس الهجينة، لم تكن سوى مهدئات مؤقتة لإعادة ترتيب صفوف الفصائل وتوزيع الحصص والمغانم بين الوكلاء، دون أي التفات للمعادلة الإنسانية والاقتصادية التي تدفع بالملايين نحو حافة المجاعة الشاملة.
أفق الانسداد واستحقاقات التغيير
تؤكد المعطيات السياسية والميدانية الراهنة أن استمرار السياسات السعودية الإماراتية في إدارة المحافظات الجنوبية والشرقية عبر استراتيجية “إدارة الأزمات وتدويرها” قد وصل إلى طريق مسدود. فالوقائع الميدانية المتلاحقة من غليان شعبي وتعبئة عسكرية متبادلة لا تعكس مجرد تباينات عابرة، بل تؤشر على أزمة بنيوية غير قابلة للعلاج الإيجابي ضمن المنظومة الحالية للاحتلال وأدواته المحلية.
إن تحميل الرياض المسؤولية الأساسية عن هندسة هذا الانهيار الاقتصادي، بالتكامل مع الدور الإماراتي التفتيتي، يضع القوى المحلية أمام استحقاق تاريخي يثبت عجزها الكامل عن تقديم أي مشروع وطني لإنقاذ المواطنين من براثن الجوع والفوضى الأمنية. وفي ظل هذا الانسداد، يبقى خيار الوعي الشعبي والتحرك المجتمعي المقاوم للاستقطابات الخارجية هو المتغير الوحيد القادر على كسر هذه الحلقة المفرغة، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني اليمني الموحد الذي ينطلق من صنعاء كركيزة أساسية لاستعادة السيادة وصون كرامة وثروات الشعب اليمني بأكمله.






