اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

قائد الثورة يفكك استراتيجية الخنق الاقتصادي: جغرافيا الموارد تعيد هندسة الردع وتضع عواصم التحالف أمام المقصلة

21 سبتمبر / تقرير خاص

يؤسس خطاب قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، بمناسبة حلول العام الهجري الجديد 1448هـ، لمرحلة جيوستراتيجية مغايرة في مسار المواجهة مع ثلاثي العدوان الدولي (واشنطن، لندن، وأدواتهما الإقليمية والمحلية). إذ يتجاوز الخطاب الإطار الدفاعي الاحتوائي التقليدي نحو فرض معادلات ردع ميدانية واقتصادية متلازمة، تُسقط كلياً استراتيجية “اللا حرب واللا سلم” التي يحاول الأعداء فرضها كبديل عن فشلهم العسكري، بهدف إطالة أمد الحصار وتجفيف القدرات الذاتية لصنعاء.

وينطلق هذا التحول المفصلي من قراءة دقيقة للمتغيرات الميدانية، حيث تتصدر القوات المسلحة اليمنية واجهة المواجهة البحرية المباشرة مع الولايات المتحدة، محققةً إغلاقاً شبه كامل للمنافذ البحرية للكيان الصهيوني. هذا الواقع الميداني الصلب يمنح مضامين الخطاب أبعاداً تنفيذية قطعية لا تقبل المناورة، ويرسخ معادلة جديدة تربط ربطاً عضوياً وحاسماً بين السيادة الوطنية واستعادة الموارد، وبين المعركة الإقليمية الكبرى إسناداً لقطاع غزة.

الموارد السيادية مقابل الاستقرار الإقليمي

يضع الخطاب ملف السيطرة على الثروات الوطنية وحظر تصديرها في رأس أولويات الأمن القومي اليمني، كامتداد طبيعي للقرار السيادي الصادر في أكتوبر 2022، والذي تُرجم ميدانياً باستهداف موانئ الضبة وقنا بضربات تحذيرية دقيقة. هذه الاستراتيجية نجحت في حظر نهب النفط الخام، وحرمت الطرف الآخر من عوائد قُدّرت بملياري دولار سنوياً كانت تودع في البنك الأهلي السعودي دون إدراجها ضمن الموازنة العامة لصرف مرتبات الموظفين، مما نقل الصراع مباشرة إلى العصب الاقتصادي الحساس.

وتأتي موجهات السيد القائد رداً مباشراً على التصعيد الاقتصادي الأخير المتمثل في توجيهات واشنطن لأدواتها في عدن بنقل المراكز الرئيسية للبنوك التجارية وسحب تراخيصها، وهي خطوة تصنفها صنعاء كأداة ضغط لتركيع موقفها المساند لغزة. وبناءً على ذلك، يضع الخطاب معادلة تناظرية واضحة: استمرار حرمان الموظفين اليمنيين من مرتباتهم، وإغلاق مطار صنعاء وميناء الحديدة، سيعيد منشآت الطاقة والنفط التابعة لشركات تحالف العدوان (وعلى رأسها أرامكو والمنشآت الحيوية الحساسة) إلى دائرة الاستهداف العسكري المباشر والمدمر.

وفي مواجهة هذا الكباش المالي، نجحت اللجنة الاقتصادية العليا في صنعاء في إدارة المعركة عبر تفعيل أدوات الرقابة الصارمة على النقد، وإصدار العملة المعدنية الجديدة فئة (100 ريال) لمعالجة تالف العملة الورقية وتثبيت سعر الصرف. هذا التخطيط الاستراتيجي حدّ من آثار التضخم الناتجة عن الطبعات غير القانونية التي أغرق بها الطرف الآخر الأسواق، مما جعل الفارق في القوة الشرائية دليلاً عملياً على تفوق صنعاء الإداري وعجز أدوات العدوان.

سقوط الردع البحري للاستعمار الغربي

تترجم العمليات العسكرية اليمنية في البحار الثلاثة (الأحمر، العربي، والمتوسط) والمحيط الهندي تحذيرات القيادة إلى حقائق مشهودة، حيث نفذت صنعاء أكثر من 150 عملية نوعية استهدفت سفناً ثلاثية الأبعاد (إسرائيلية، أمريكية، بريطانية). هذا المسار العملياتي نجح في تحطيم “عقيدة التفوق البحري الغربي” عبر استخدام تكتيكات الحرب اللامتناظرة، والدمج الذكي بين الصواريخ الباليستية المضادة للسفن (كأول استخدام ناجح لها في التاريخ)، والصواريخ المجنحة، والغواصات المسيرة (UUVs) التي حيّدت فاعلية أحدث المنظومات الدفاعية الأمريكية.

وتمثل الضربات الدقيقة التي استهدفت حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس دووايت أيزنهاور” وإجبارها على الفرار، نقطة تحول استراتيجية أكدتها اعترافات القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بخوضها أشرس معركة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. ويتجلى هذا التآكل في الفجوة الاقتصادية للمواجهة، حيث تستهلك قطع البنتاغون صواريخ دفاعية بملايين الدولارات لاعتراض مسيرات ذات كلفة إنتاجية منخفضة، مما أفضى إلى شلل تام في ميناء أم الرشراش (إيلات) وإعلان إدارته الإفلاس الرسمي، ليرتبط توقف الحظر البحري يمنياً بوقف العدوان الكامل على غزة.

سحق الاستنزاف الداخلي والاختراق الاستخباري

يتطرق الخطاب إلى رصد محاولات تحريك جبهات الوكلاء المحليين وتجييش عناصر من تنظيمي “القاعدة” و”داعش” في محاور الساحل الغربي، مأرب، تعز، والضالع، بهدف إشغال صنعاء بمعارك استنزاف داخلية تخفف الضغط عن الكيان الصهيوني. وقد جرى التصدي لهذه المؤامرة برفع مستوى التعبئة العامة وتدريب مئات الآلاف من المقاتلين ضمن الجيش الشعبي الجاهز لرفد الجبهات، مما أفشل خطط العدو في إحداث أي انقسام أو انهيار ميداني.

ويتكامل هذا التحصين العسكري مع الإنجاز الاستراتيجي المتمثل في تفكيك “شبكة التجسس الأمريكية الإسرائيلية الموسعة” في يونيو 2024، والتي أدارتها وكالة المخابرات المركزية (CIA) لعقود. وكشفت الاعترافات المصورة عن نشاط تخريبي منظم استهدف ضرب قطاع الزراعة عبر إدخال آفات مدروسة لضرب إنتاج البذور المحلية (كالبن والقمح) لإبقاء البلاد رهينة الاستيراد، بالتوازي مع تدمير المناهج التعليمية لتمييع الهوية الوطنية، واختراق مؤسسات الدولة لمنع أي توجه رسمي نحو الإصلاح الإداري.

إن تصفية هذا الاختراق التاريخي جففت منابع معلومات العدو، وشكّلت التمهيد الإجباري والركيزة الأساسية لإنجاح مشروع “التغيير الجذري” الذي يقوده السيد القائد لتطهير بنيان الدولة من الترهل والفساد الموروث. وبذلك، أصبحت الجبهة الداخلية في صنعاء محصنة ومؤمنة بالكامل على كافة المستويات العسكرية، الأمنية، والإدارية، مما يتيح للقيادة اتخاذ خياراتها الاستراتيجية الكبرى والاندفاع نحو معارك السيادة والتحرير دون قلق من أي طعنات غادرة في الظهر.

التكامل العملياتي وصياغة الموازين الإقليمية

أخرجت معادلات الصمود الجيوستراتيجية اليمن من سياق العزلة الجغرافية والسياسية التي حاول التحالف فرضه منذ عام 2015، ليتحول من موقع المتلقي للدعم إلى شريك استراتيجي فاعل ومؤثر في صياغة موازين القوى الإقليمية. ويتجسد هذا التحول عملياً في الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي إلى “التكامل العملياتي المباشر” عابر الحدود، والذي تُرجم بالعمليات المشتركة بين القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الإسلامية في العراق لضرب أهداف حيوية في عمق موانئ حيفا وأسدود المحتلتين.

هذا التنسيق العسكري الرفيع أثبت فشل الرهانات الأمريكية على الاستفراد بالجبهات، حيث باتت منظومة المقاومة تعمل بتكامل تسليحي متطور قادر على ضرب جغرافيا الأعداء بشكل متزامن. وجاء توسيع مسرح العمليات ليشمل المحيط الهندي ورأس الرجاء الصالح ليقطع خطوط الملاحة البديلة للكيان الصهيوني، محولاً الجغرافيا اليمنية إلى لاعب استراتيجي يفرض شروطه السياسية على خطوط التجارة الدولية، ويسقط مشاريع الهيمنة الغربية التي عجزت المنظومات الدولية المطبعة عن مواجهتها.

إن الالتحاق بمحور المقاومة والجهاد، الذي جدد الخطاب التأكيد عليه باركت فيه صنعاء للجمهورية الإسلامية في إيران نجاحاتها، لم يعد مجرد شعار سياسي بل خيار واقعي وحيد أمام شعوب الأمة للخلاص من الارتهان. لقد أدت القوة الصاروخية والبحرية اليمنية المتطورة إلى إعادة ترتيب أولويات الصراع في الشرق الأوسط، وتحولت التهديدات الأمريكية العقيمة بفرض العقوبات أو شن الغارات الجوية إلى مجرد محاولات يائسة لاحتواء الخسائر الجسيمة التي تلحق بمصالح واشنطن الجيوسياسية بشكل يومي.

الهوية الإيمانية ورافعة التغيير الجذري

ينقل قائد الثورة الصراع إلى بعده الوجودي والحضاري الأعمق، من خلال التذكير بالإساءات الغربية الممنهجة للمقدسات الإسلامية والقرآن الكريم، ومجاهرة قادة الإدارة الأمريكية بعدائهم الصريح للأمة. هذا الطرح يفكك الزيف الغربي المتعلق بحقوق الإنسان والحريات، ويكشف الخلفية العقائدية الحاقدة لصناع القرار في واشنطن وتل أبيب، مما يستوجب مواجهة حضارية شاملة تعتمد على الاستقلال الفكري، والثقافي، والاقتصادي، والعسكري كاملاً لتأمين مستقبل البلاد.

وتُترجم هذه التعبئة الروحية في الميدان اليمني عبر مسارين عمليين؛ الأول: الاستنفار الشعبي والوعي الجماهيري المتمثل في الخروج المليوني الأسبوعي المستمر، والذي يمنح القيادة تفويضاً مطلقاً لاتخاذ الخيارات العسكرية الصعبة. والمسار الثاني: هو مشروع “التغيير الجذري” القائم على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطهيرها، والتوجه الصارم نحو تفعيل الإنتاج الزراعي المحلي كركيزة أساسية لكسر الحصار، باعتبار أن القوت المنتج من الأرض والسلاح المصنع محلياً هما الضمانة لمنع سقوط البلاد تحت الوصاية مجدداً.

حتمية الردع وصناعة الاستقلال الناجز

تؤكد معطيات الميدان وموجهات الخطاب القيادي أن زمن الإملاءات المنفردة من قِبل القوى الاستعمارية قد انتهى إلى غير رجعة، وأن صنعاء غدت الرقم الأصعب والركيزة الأساسية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي. إن محاولات تشديد الخناق الاقتصادي على الشعب اليمني لن تؤدي إلا إلى تفجير الموقف العسكري بصورة غير مسبوقة، تطيح بما تبقى من استقرار نفطي لدول التحالف وتنهي المصالح الجيوسياسية لواشنطن في المنطقة برمتها.

إن الخيار الوحيد المستدام أمام قوى العدوان هو الإذعان التام للشروط السيادية العادلة التي وضعتها صنعاء؛ والمتمثلة في الرفع الكامل للحصار، إنهاء الاحتلال والتواجد الأجنبي، ودفع المرتبات من عائدات الثروات الوطنية السيادية. وما دون ذلك، فإن خيارات الردع والتصعيد العسكري المفتوح للقوات المسلحة اليمنية تمتلك الجاهزية الكاملة والقدرة العملياتية والتفويض الشعبي لانتزاع هذه الحقوق بقوة السلاح، وإعادة صياغة خارطة المنطقة وفق إرادة الشعب وحريته المطلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى