سياقات التفاهم الإيراني الأمريكي: ترحيب “حماس” وقراءة في معادلات الاستقرار والردع الإقليمي

21 سبتمبر/ تقرير
يمثل الإعلان عن مذكرة التفاهم الجديدة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية تحولاً ديناميكيًا في مشهد العلاقات الدولية والشرق أوسطية، إذ يأتي في توقيت بالغ الحساسية تعاد فيه صياغة موازين القوى في المنطقة. ولم يكن غريبًا أن تسارع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بإعلان ترحيبها الرسمي بهذا الاتفاق، في خطوة تتجاوز بروتوكولات التهنئة الدبلوماسية المعتادة إلى محاولة استثمار هذا الاختراق السياسي لتعزيز جبهة الممانعة، وقراءة انعكاساته المباشرة على ملفات المنطقة الساخنة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والمواجهة المستمرة في قطاع غزة.
إن الترحيب الصادر عن الحركة يحمل في طياته أبعادًا استراتيجية تفكك طبيعة العلاقة العضوية بين طهران وفصائل المقاومة، حيث يُنظر إلى هذا التفاهم كأحد ثمار “الصمود الإيراني” في وجه العقوبات والضغوط الغربية المستمرة على مدار عقود. ومن هنا، يكتسب التقرير التحليلي لأبعاد هذا الموقف أهمية مضاعفة، كونه لا يرصد فقط حدثًا سياسيًا عابرًا، بل يستشرف مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة التحالفات، وتحدد مسارات التصعيد والتهدئة على جبهات متعددة تمتد من غزة إلى بيروت وصولاً إلى عمق الإقليم.
دلالات التوقيت: تفكيك الحصار ومشاريع الهيمنة
جاء الترحيب الرسمي لحركة “حماس”، عبر تصريحها الصحفي، ليركز بشكل مباشر على فلسفة “إفشال الإملاءات”. وترى الحركة أن نجاح إيران في انتزاع مذكرة تفاهم مع واشنطن، دون التنازل عن ثوابتها الاستراتيجية، يمثل انتصارًا لنهج المقاومة السياسية والاقتصادية. هذا التوقيت بالذات، الذي تشهد فيه المنطقة ضغوطًا عسكرية ودبلوماسية غير مسبوقة، يعطي الاتفاق مدفوعية رمزية وعملية قوية.
ثمة قراءة تحليلية تشير إلى أن حماس تسعى من خلال هذا الموقف إلى التأكيد على أن سياسات “العقوبات القصوى” والضغط الاقتصادي التي مورست ضد حلفائها لم تحقق أهدافها النهائية في عزل قوى المنطقة أو تصفية القضية الفلسطينية. بل على العكس، أثبتت طهران -من منظور حماس- قدرة عالية على الصمود والمناورة، مما قاد الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى الجلوس على طاولة المفاوضات والاعتراف بالأمر الواقع الإقليمي، وهو ما يضعف أوراق الضغط التي يمتلكها المعسكر الغربي وحلفاؤه في المنطقة.
الارتباط الشرطي: الاستقرار الإقليمي يبدأ من غزة
لم تكتفِ حركة حماس بتقديم التهنئة للقيادة والشعب الإيراني، بل ربطت بشكل ذكي ومباشر بين هذا الاتفاق وبين قضايا المنطقة الملحة. الحركة وضعت “الارتباط الشرطي” لنجاح أي تفاهمات دولية، معتبرة أن الانعكاس الإيجابي الحقيقي لهذه المذكرة يجب أن يترجم أولاً في الوقف الفوري للعدوان الصهيوني، وإنهاء حرب الإبادة والتجويع والتهجير المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، إلى جانب كبح جماح الانتهاكات الإقليمية ووقف الاعتداءات المتكررة بحق الأراضي اللبنانية وسائر جبهات الإسناد والمواجهة.
هذا الربط يعكس رؤية حماس لـ “وحدة الساحات” ليس فقط على الصعيد العسكري، بل على الصعيد الدبلوماسي والسياسي أيضًا. فالحركة تدرك أن طهران تمثل الثقل الاستراتيجي الداعم لها، وبالتالي فإن أي انفراجة في علاقات إيران الدولية يجب أن تُستغل للضغط نحو وقف إطلاق النار ورفع الحصار عن غزة، مما يعني تحويل الإنجاز السياسي الإيراني إلى رافعة ميدانية تخدم القضية الفلسطينية مباشرة وتخفف العبء عن كاهل الحاضنة الشعبية للمقاومة.
معضلة “الكيان الصهيوني”: غياب الأمن في ظل الاحتلال
في جوهر الموقف التحليلي للحركة، برزت معادلة واضحة وصارمة تجاه حكومة الاحتلال الإسرائيلي. أكدت حماس أن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط سيبقيان مجرد “أوهام” ما دامت جذور الصراع الحقيقية قائمة دون علاج. هذه الجذور، بحسب أدبيات الحركة والبيان الصادر عنها، تتلخص في وجود الاحتلال ذاته وإنكار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
“إن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحقق ما دامت حكومة الكيان الإسرائيلي تواصل حرب الإبادة والتجويع والتهجير بحق الشعب الفلسطيني، وما لم يتم التصدي لركائز الاحتلال الصهيوني.”
من الناحية التحليلية، يمثل هذا الموقف رسالة تفكيك واضحة للمقاربة الأمريكية والأوروبية التي تحاول عزل الملفات عن بعضها البعض. توضح حماس من خلال هذا الخطاب الدبلوماسي أن محاولات عقد تفاهمات جزئية أو “تسكين” الجبهات دون حل القضية الفلسطينية من منبعها، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة، لن تفضي إلا إلى جولات جديدة من الصراع، وأن الكيان الصهيوني يمثل العائق البنيوي والوحيد أمام أي استقرار حقيقي ومستدام في المنطقة.
انعكاسات الاتفاق على جبهات الإسناد والمقاومة
يمتد الأثر التحليلي لهذه المذكرة إلى ما يُعرف بـ “محور المقاومة” وجبهات الإسناد المختلفة في لبنان، اليمن، والعراق. ترحيب حماس يعكس ارتياحًا عامًا لدى هذه الأطراف، إذ إن تخفيف الضغط السياسي أو الاقتصادي عن إيران يعني بالضرورة استمرار وتدفق الدعم اللوجستي والسياسي لهذه الجبهات، مما يعزز الموقف التفاوضي للمقاومة في قطاع غزة ويفرز ضغطًا دوليًا إضافيًا لوقف آلة الحرب والتجويع.
وعلى الجبهة اللبنانية وسائر المحاور الإقليمية، يُتوقع أن يسهم هذا التفاهم في تراجع فرص التصعيد الشامل، مع ضمان الحفاظ على معادلات الردع القائمة وتحييد التهديدات الصهيونية المباشرة. هذا التحول يعيد ترتيب أوراق القوة في المنطقة بشكل يخدم القوى المناهضة للمشروع الصهيوني، ويقوض مساعي واشنطن الرامية إلى دمج الكيان قسريًا في المنظومة الإقليمية على حساب الحقوق العربية والإسلامية.
استشراف المسارات: الموازنة بين الدبلوماسية والميدان
تدرك حركة حماس بحسها السياسي أن التفاهمات بين الدول الكبرى والإقليمية تخضع دائمًا لـ “براغماتية المصالح”. لذلك، جاء بيانها متوازنًا؛ فهو من جهة يثمن الصمود الإيراني ويحتفي بإفشال الهيمنة، ومن جهة أخرى يضع “مسطرة” واضحة لقياس نجاح هذا الاتفاق بناءً على السلوك العملي في الميدان الفلسطيني واللبناني.
المسار الاستشرافي يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا حقيقيًا للنوايا الأمريكية ومدى قدرة طهران على فرض ملفات حلفائها على طاولة التطبيق الفعلي للتفاهمات. إن حماس، برصدها الدقيق للمتغيرات، تحاول استباق أي محاولات لتمييع الصراع، عبر التأكيد على ثوابت الحق الفلسطيني كشرط إلزامي لأي صيغة استقرار إقليمي مستقبلي، مما يجعل خطابها متسقًا تمامًا مع سياستها التحريرية القائمة على المزاوجة بين مرونة العمل السياسي وصلابة الثوابت الميدانية.
مآلات الواقع: تفاهمات عابرة وثوابت متجذرة
في المحصلة، لا يمكن قراءة ترحيب حركة “حماس” بمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية كإقرار بتبدل قواعد الصراع الوجودي مع الاحتلال، بل كاستثمار ذكي في تناقضات السياسة الدولية لتثبيت المكتسبات الميدانية. إن الرسالة الأعمق والأكثر ذكاءً التي أرادت المقاومة إيصالها عبر منبر وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) والوسائل الإعلامية كافة، هي أن أي اتفاقات دولية أو إقليمية تتجاوز الحقوق الفلسطينية المشروعة، أو تتغاضى عن جرائم الإبادة والتهجير في غزة، ستبقى تفاهمات هشة فوق رمال متحركة؛ فمفتاح الاستقرار الحقيقي كان وسيبقى في فلسطين، وبأيدي من يمتلكون الأرض وقرار المواجهة.






