اخبار دولية وعربيةاخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

مباركة حزب الله لاتفاق طهران وواشنطن: قراءة في حدود ‘الضوء الأخضر’ ومستقبل قواعد الاشتباك

21سبتمبر / تقرير

باركت قيادة حزب الله اللبناني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، قيادة وشعباً، التوصل إلى مذكرة تفاهم استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، أفضت إلى وقف شامل لإطلاق النار على كافة الجبهات المشتعلة بما فيها الجبهة اللبنانية. وجاء هذا الإعلان عقب جولات معقدة من المفاوضات غير المباشرة، ليعكس تحولاً جذرياً في مسار المواجهة الإقليمية وتوازنات الردع العسكري في المنطقة.

واعتبر الحزب في بيان رسمي أن هذا الاتفاق يمثل ثمرة لـ “الصمود الأسطوري” والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الإيراني وقيادته، متمسكين بالخيارات الوطنية ومواجهة الضغوط الدولية. ويأتي هذا التطور الميداني والسياسي بعد أشهر من التصعيد العسكري العنيف المتواصل، ليضع حداً لعمليات القصف المتبادل والتوغلات البرية، ويدشن مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.

طهران تصنع المظلة الإقليمية الكبرى

أثبتت التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة أن طهران نجحت في فرض شروطها ضمن معادلة التفاوض الدولي عبر استثمار أوراق القوة الإقليمية. وجاءت إشادة حزب الله بقيادة الإمام السيد مجتبى الخامنئي لتؤكد التناغم الكامل والمركزية الإيرانية في إدارة الصراع مع المحور الأمريكي-الإسرائيلي، حيث نجحت الدبلوماسية المدعومة بزخم الميدان في تفكيك طوق الحصار والعقود المفروضة، وتحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية استراتيجية.

وعلى الصعيد اللبناني، شكّل الإصرار الإيراني على إدراج جبهة لبنان كبند رئيسي غير قابل للتفاوض في أي تفاهم دولي صمام أمان للمقاومة؛ حيث تحملت طهران طوال أشهر القتال أعباءً اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى لضمان عدم الاستفراد بالساحة اللبنانية. هذا التلازم بين الجبهات أسقط الرهانات الإسرائيلية التي حاولت عزل حزب الله وفصله عن عمقه الاستراتيجي، وثبّت حقيقة أن الأمن في المنطقة يُصاغ ككتلة واحدة لا تقبل التجزئة.

وتوجّه الحزب بالتقدير للدول التي ساهمت في تذليل العقبات لإتمام هذا الاتفاق التاريخي، داعياً الدولة اللبنانية إلى حسن الاستفادة من هذه “المظلة الإقليمية والدولية” لتثبيت السيادة وتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة. وترى الأوساط التحليلية أن هذا التفاهم يعيد رسم الأدوار السياسية في المنطقة، ويفرض واقعاً تضطر فيه القوى الدولية والاعتراف بالدور المحوري لمحور المقاومة في صياغة الاستقرار الإقليمي.

معادلة الثاني من مارس الحاكمة

ميدانياً، رسّخ وقف إطلاق النار قواعد اشتباك جديدة فرضتها المقاومة بـ “دماء مجاهديها وبأسهم”، حيث أعلن الحزب بوضوح وبلهجة حاسمة أن “لا عودة إلى ما قبل الثاني من مارس”. هذا التاريخ يمثل حداً فاصلاً سقطت بعده أوهام جيش الاحتلال الإسرائيلي في فرض حزام أمني أو تغيير الواقع الجغرافي على الحدود، وتحولت فيه البلدات والقرى الأمامية اللبنانية إلى خطوط دفاع منيعة كبّدت الآليات والجنود الإسرائيليين خسائر فادحة وعطلت قدراته الهجومية.

ووجه الحزب تحية خاصة إلى بيئة المقاومة النازحة والصامدة التي وصفها بـ “أشرف الناس” امتداداً لإرث الأمين العام الشهيد السيد حسن نصر الله، رابطاً تضحيات الأهالي بالانجاز العسكري المتحقق في الميدان. ورغم إعلان التهدئة الشاملة، سارعت قيادة المقاومة إلى دعوة المواطنين للتريث وعدم الاندفاع العشوائي نحو قراهم في الحافة الأمامية، بانتظار التوجيهات الأمنية الدقيقة لضمان السلامة وتفادي الخروقات والكمائن الإسرائيلية المحتملة.

ترتيب البيت الداخلي والمراجعة الحتمية

تتجه الأنظار الآن نحو الداخل اللبناني حيث تفرض التطورات الجديدة استحقاقات سياسية معقدة تتطلب “وحدة الموقف الوطني” لحماية المكتسبات الميدانية. ودعا الحزب السلطة وكافة القوى السياسية اللبنانية إلى ضرورة مراجعة الحسابات والمسارات السابقة، والاقلاع التام عن الرهانات الخاسرة والأوهام التي سادت خلال فترة العدوان، مؤكداً أن الاعتماد على الأصدقاء الحقيقيين والالتفاف حول عناصر القوة هو السبيل الوحيد لمنع الأطماع الإسرائيلية المستمرة.

وترى القراءة السياسية للبيان أن المرحلة المقبلة هي مرحلة “تثبيت السيادة وإعادة الإعمار”، حيث يتوجب على مؤسسات الدولة الانخراط السريع في ورشة عمل وطنية شاملة لإعادة بناء ما دمره العدوان الهمجي في الجنوب والضاحية والبقاع. وتعتبر المقاومة أن تماسك الجبهة الداخلية والوحدة السياسية يمثلان الحصن الدبلوماسي الرديف لسلاحها، والضمانة الأساسية لإجبار الاحتلال على الانسحاب الكامل من النقاط المتحفظ عليها وعودة الأسرى والنازحين إلى ديارهم.

أفق تفاهمات التهدئة واستحقاقات السيادة

يضع هذا الاتفاق الإقليمي حداً لآلة القتل الدموية الإسرائيلية، لكنه يفتح في الوقت ذاته فصلاً جديداً من الصراع الدبلوماسي والأمني لتثبيت القواعد الإقليمية الناشئة. إن نجاح التفاهم الأمريكي-الإيراني في فرض وقف إطلاق النار يعكس إقراراً دولياً بالعجز عن كسر إرادة المقاومة في الميدان، ويحظر على الاحتلال استباحة الأجواء والسيادة اللبنانية مجدداً، تحت طائلة تفجير الصراع الشامل مرة أخرى.

إن العبرة الحقيقية في المرحلة المقبلة تكمن في مدى التزام الأطراف الدولية بالضمانات المعطاة، وفي قدرة الدولة اللبنانية على الارتقاء إلى مستوى تضحيات شعبها ومقاومتها. ستبقى المقاومة، كما أكد بيانها، العين الساهرة والدرع الحصين لحماية الوطن، متمسكة بحقها المشروع في الدفاع والردع حتى تصفية كافة ذيول العدوان وتحقيق التحرير الكامل والناجز.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى