من دارفور إلى المخا.. كيف استثمرت الرياض وأبو ظبي المال في صناعة شبكة الارتزاق؟

21 سبتمبر / تقرير خاص
كيف تُستثمر أموال السعودية والإمارات، في تفكيك أمن المجتمعات؟ الجواب ليس في معاملة نقدية عابرة، بل في تحويل المال إلى بنية ارتزاقية مصمَّمة سياسياً: شبكات تجنيد، خطوط تمويل، ملاذات لوجستية، وغطاء دبلوماسي يسمح بتشغيل مجموعات مسلحة مأجورة ترتكب الانتهاكات باسم مصالح خارجية. الإمارات والسعودية، عبر آليات تمويلية وسياسية، لم تخلق قوة محلية فحسب، بل صاغتا «سوقاً» للعنف يمكن توجيهه حيث توافق المصالح الإقليمية. ما جرى في الفاشر ودارفور ليس شذوذاً؛ إنه تجربة عملية لكيفية تحويل القوة القبلية إلى سلعة تُباع وتُستغل لفرض نفوذ من دون حساب سياسي مباشر.
الفاشر إذن ليس حالة بمعزل؛ هو مختبر عملياتي لصقل نمط قمعي قابل للتصدير: قصف المخيمات، اقتحام المستشفيات، إعدامات ميدانية، نهب ممنهج، واستخدام العنف الجنسي كتكتيك ترهيب اجتماعي. خلال العقد الماضي صار هذا النموذج مادة قابلة للنقل؛ ولم تكن خطوة إرسال مقاتلين سودانيين إلى اليمن تطورًا عشوائيًا، بل امتدادًا واعيًا لسياسة اعتمدت على المرتزقة كبديل رخيص ومريح من الناحية السياسية. هذا التقرير يحلل كيف صيغت هذه الآلية، كيف نُفِّذت في السودان وكيف أعيد توظيفها في اليمن، ثم كيف واجهها اليمنيون بجيشهم وقبائلهم.
سوق المرتزقة — من دارفور إلى ساحل اليمن الغربي
ما ارتُكِب في الفاشر ودارفور من قبل قوات الدعم السريع لم يكن مجرد عنف عشوائي، بل نموذجًا مخططًا يُظهر كيف يمكن تحويل المال الخليجي إلى آلة قمع منظمة. السعودية والإمارات لم تكتفيا بدعم هذه التجربة، بل عملتا على استنساخها في اليمن، محاولة تحويل البلاد إلى نسخة مفتوحة من السودان، حيث تصبح الأرض والإنسان عرضة للسيطرة الكاملة عبر أدوات مأجورة. الهدف كان واضحًا: تفكيك النسيج الاجتماعي، إخضاع السكان، وخلق فراغ أمني يتيح فرض الهيمنة دون مواجهة تبعات سياسية مباشرة.
خلال العقد الماضي، حرص التحالف على إرسال مجاميع كبيرة من المرتزقة السودانيين إلى اليمن، خاصة في الساحل الغربي. هذه القوات لم تُوظف فقط للقتال التقليدي، بل لتنفيذ مهام احتلال وترهيب، مستفيدة من خبرتها المكتسبة في السودان في فرض النظام بالقوة. انتشارهم شمل المخا، الخوخة، وجبال أخرى، حيث صُممت أدوارهم لتشمل القمع النفسي، فرض السيطرة، وتدمير القدرة المجتمعية على المقاومة، كما لو كان اليمن نسخة قابلة للتجريب من الفاشر ودارفور.
الانتهاكات الميدانية التي ارتكبها المرتزقة السودانيون في اليمن كانت مروعة وموثقة: اغتصاب نساء أمام ذويهن، اعتداءات خلال عمليات التفتيش، سلب ممتلكات ومصاغ، تهديدات مباشرة بالقتل أو التهجير للأسر التي تحاول الشكوى، وقصف عشوائي للأحياء السكنية. هذه الأعمال لم تكن فردية، بل نمطًا معياريًا قائمًا على القمع، مما يجعل من التحالف السعودي الإماراتي مسؤولًا سياسيًا وميدانيًا عن كل هذه الجرائم.
وجود هؤلاء المرتزقة في الميدان لم يختفِ مع مرور الوقت، بل ظلوا في الجبهات، مؤكدين أن اعتماد السعودية والإمارات على الارتزاق ليس إجراءً مؤقتًا، بل سياسة مستمرة تهدف إلى تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لكل الانتهاكات. هذا الربط بين التجربة السودانية واليمنية يوضح أن ما يحدث في اليمن ليس مجرد ارتكابات عابرة، بل مشروع استراتيجي ممنهج للسيطرة بالقوة، وما زال قائماً إلى اليوم، ممهدًا للمحور التالي الذي سيركز على كيفية تصدي القوات المسلحة اليمنية والقبائل لهذه المخططات.

من الفاشر إلى المخا.. الطريق الواحد للارتزاق
ما ارتكبته وترتكبها مرتزقة الإمارات في السودان من قوات الدعم السريع بحق المدنيين في الفاشر ودارفور هو ذات المشروع التي سعى تحالف العدوان السعودي الإماراتي لتنفيذه في اليمن؛ التحويل هنا لم يكن صدفة أو خللاً لوجستيّاً، بل قرار استراتيجي محكوم: استجلاب فئة مسلحة مأجورة، مدرّبة على القمع القبلي والعنف الممنهج، لإخضاع مجتمعات تُقاوم بطبيعتها، وبأقل تكلفة سياسية ممكنة للدول الممولة.
الإمارات والسعودية لم تجلبا “قوات شقيقة” المصطلحات الدبلوماسية، بل فعّلتا شبكات تجنيد سودانية لتمويل وتجهيز ونشر عناصر تابعة لقوات الدعم السريع في ساحات قتال يمنية مختارة؛ هؤلاء المرتزقة نُشِروا في محاور مثل المخا والخوخة وسواحل وجبال أخرى حيث تجاوزت مهمتهم القتال إلى أن تكون قوة احتلال مخصّصة لزرع الخوف، تفكيك النسيج الاجتماعي، وخلق فراغ أمني يُسهّل فرض السيطرة السياسية والاقتصادية دون تحمل تبعات إرسال جيوش نظامية تقليدية.
حضورهم الميداني تجلّى بأساليب سبق اختبارها في دارفور: استخدام العنف الجنسي كسلاح، اغتصاب نساء أمام ذويهن، اعتداءات متكررة أثناء التفتيش، نهب المصاغ والممتلكات، تهديدات القتل والترحيل، وقصف عشوائي للأحياء السكنية؛ هذه الأعمال ليست ارتكابات فردية بل نمط مأجور ومعياري ينطلق من ثقافة قمع مَن تُدرّب عليها هذه الفصائل ويستثمرها الممول ليكسب ميدانًا دون تكلفة سياسية مباشرة.
الأمر الأخطر أن وجود هؤلاء المرتزقة لم يختفِ بعد بيانات انسحاب أو تغطيات إعلامية، بل ظلوا متواجدين على جبهات متفرقة، ما يؤكد أن اعتماد تحالف العدوان على خيار الارتزاق ليس تكتيكًا مرحليًا بل جزء من استراتيجية ضاغطة طويلة المدى تجمع بين العمل العسكري المباشر والضغوط النفسية والاجتماعية على المدنيين؛ اعتماد الإمارات والسعودية على مرتزقة السودان خير شاهد على قبح مشروعهما واستباحته للأرض والإنسان، وما نفعله الآن هو تثبيت هذه العلاقة وفضح مرتكبيها ومموّليها قبل أن ننتقل لبيان كيف صنعت القوات المسلحة اليمنية والقبائل جدارًا صلبًا أمام هذا المشروع في المحور الثالث.

استثمار سعودي إماراتي في أسواق الارتزاق..
الشيء الذي استثمرته السعودية والإمارات في شراكة محكمة مع شبكات ارتزاق لم يكن دعماً عابراً، بل صناعة منهجية للفوضى؛ إنفاقٌ استخدم كأداة لتمويل مشاريع تدميرية، لتمكين كتائب مأجورة من استباحة المجتمعات وشراء إمكانيات قهرٍ منظَّم. هذه الأموال لم تكن مساهمة إنسانية أو مساعدات؛ كانت رأس مال لاقتصاد العنف: قنوات مالية سرية، استثمارات رمادية لتبييض الأنشطة القتالية، شبكات لوجستية تربط المنافذ البحرية بمراكز تعبئة، وعقود سياسية تُعطى لعملاء محليين لتسهيل التحكم بالمناطق. وصف هذا الإنفاق يجب أن يكون صريحًا: هو إنفاق تبنّى اختراع سوق للدم، ووظف موارد الدولة لتحويل الانقسام والدمار إلى عوائد نفوذ واستحواذ.
تلك الصناعة التدميرية اصطدمت في اليمن بجدار مقاومة مركب لا تُثنيه النقود. الجيش اليمني والقبائل شكّلوا مناعة مجتمعية وسياسية جعلت من محاولات التفريغ الاجتماعي — التي بُنيت على حسابات مالية محكمة — مشروعا خاسرا. القدرات العسكرية اليمنية تطورت عبر عقد من الصمود إلى ما هو أبعد من مهارة نارية؛ صارت هيكلًا عمليًا لإدارة دفاع شامل: رصد، استجابة سريعة، إغلاق مسارات التمويل الميداني واللوجستي، وتحويل كل محاولة استغلال إلى فخ استنزاف للجهة الممولة. القبائل، بدورها، لم تترك مكانًا للمال كي يشتري الصمت؛ تحولت شبكاتها إلى قنوات مقاومة واستخبارات محلية تقطع الطريق على مشاريع الاستيطان القسري والتطويق الاجتماعي.
الدرس الاستراتيجي صار واضحًا: إنفاق يُسوّق كقوة نفوذ ينتهي سريعًا كتكلفة سياسية واقتصادية باهظة عندما يُلاقى بإرادة شعبية مؤسَّسة. السعودية والإمارات قد تملكان القدرة على تمويل الفعل التدميري، لكنهما باءتا بالفشل في ترسيخه كترتيب دائم؛ لأن الشرعية لا تُشترى، والهوية المجتمعية لا تُفرّغ بأموال تُدار عبر وسطاء ومنافذ مشبوهة. أي محاولات مستقبلية لإعادة تدوير هذه الصناعة الدموية ستُواجه حتمًا نفس المصير: استنزاف موارد الممولين، تفكك المشروع، وتعميق عزلة من رهنوا سياساتهم لمصالحٍ سريعة الزوال.

حين يعجز المال عن شراء الأرض والكرامة
عشر سنوات من العدوان أكدت أن مال آل سعودي وآل زايد القذرة، مهما كثُر، لا يستطيع أن يفرض أي من أشكال الهيمنة على شعب واعٍ وملتف حول قيادته الوطنية. فشل تحالف العدوان السعودي الإماراتي في استنساخ نموذج السودان عبر مرتزقة مأجورين يوضح أن القوة المالية وحدها لا تصنع السيطرة، وأن الإرادة الشعبية والتنظيم العسكري المحترف قادران على تحييد كل المشاريع التدميرية وتحويلها إلى عبء على الممولين. الصمود اليمني كشف زيف التوجهات الاستعمارية الحديثة وأثبت أن الأرض والإنسان لا يُستباحان بالمال أو الترهيب.
الدرس الاستراتيجي واضح: كل محاولة مستقبلية لشن عدوان أو استنساخ تجربة المرتزقة ستواجه نفس المصير، لأن الجيش اليمني والقبائل شكلوا جدار صدّ متين يحمي المجتمع ويقطع الطريق على المشاريع الخارجية. الصمود المتواصل، والالتفاف الشعبي حول القيادة الوطنية، يحوّلان كل تهديد إلى اختبار للعزيمة، ويجعل أي تدخل مأجور مكلفًا سياسيًا وعسكريًا قبل أن يبدأ، مؤكّدًا أن اليمن موحدة، وأن أي تحالف خارجي يسعى للهيمنة سيخسر قبل أن يحقق شيئًا.








