“العصف المأكول” تواصل استنزاف الاحتلال.. المقاومة توسّع ضرباتها النوعية والعدوان الصهيوني يفاقم المأساة الإنسانية في لبنان
"العصف المأكول" تواصل استنزاف الاحتلال.. المقاومة توسّع ضرباتها النوعية والعدوان الصهيوني يفاقم المأساة الإنسانية في لبنان

21 سبتمبر| تقرير خاص
تتواصل المواجهة على الجبهة اللبنانية بوتيرة متصاعدة، مع إمعان العدو الصهيوني في خرق تفاهمات وقف إطلاق النار وتوسيع دائرة اعتداءاته ضد المدنيين والقرى والأعيان المدنية، في مقابل استمرار المقاومة الإسلامية في لبنان في تنفيذ عمليات نوعية ومركزة ضد مواقع الاحتلال وتجمعاته وآلياته العسكرية، ضمن معركة “العصف المأكول” التي باتت تشكل عنواناً بارزاً لمرحلة الاستنزاف المتواصلة التي يخوضها الاحتلال على الأراضي اللبنانية.
وفي وقت تتحدث فيه المؤسسات الدولية والحقوقية عن تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع رقعة النزوح وسقوط المزيد من الضحايا، تؤكد العمليات الميدانية للمقاومة أن محاولات الاحتلال فرض معادلات جديدة بالقوة العسكرية ما تزال تواجه بردود متصاعدة تستهدف مواقعه وقواته في مختلف محاور الجنوب اللبناني.
ضربات متلاحقة تستهدف مواقع الاحتلال وتجمعاته
خلال الساعات الماضية، أعلنت المقاومة الإسلامية تنفيذ سلسلة واسعة من العمليات النوعية ضد مواقع وتجمعات جيش العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان، مؤكدة أن هذه العمليات تأتي دفاعاً عن لبنان وشعبه ورداً على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة التي تستهدف المدنيين والقرى الجنوبية.
ففي بلدة البياضة، استهدفت المقاومة تجمعاً لآليات وجنود الاحتلال بصلية صاروخية مركزة، فيما تعرضت تجمعات أخرى للعدو في الأطراف الجنوبية الشرقية لبلدة يحمر الشقيف لسلسلة استهدافات متعاقبة بالصواريخ النوعية وقذائف المدفعية على دفعات متتالية.
ولم تقتصر العمليات على استهداف التجمعات العسكرية، بل شملت أيضاً البنى القيادية والمراكز المستحدثة للاحتلال، حيث أعلنت المقاومة استهداف المقر المستحدث لقيادة لواء المدرعات 401 التابع لجيش العدو في بلدة دبل جنوب لبنان بسرب من المسيّرات الانقضاضية، في ضربة تعكس تطور القدرات الهجومية للمقاومة وقدرتها على الوصول إلى أهداف ذات طبيعة قيادية وعسكرية حساسة.
المسيّرات الانقضاضية تلاحق آليات الاحتلال
وشهدت جبهة القنطرة وزوطر الشرقية تصعيداً لافتاً في استخدام المسيّرات الانقضاضية، إذ تمكنت المقاومة من استهداف آلية نقل عسكرية تابعة للعدو الإسرائيلي كانت محملة بممتلكات مسروقة من منازل المدنيين اللبنانيين في تلة الصلعة ببلدة القنطرة، حيث شوهدت الآلية تحترق لفترة طويلة بعد إصابتها بشكل مباشر.
كما استهدفت المقاومة آلية اتصالات تابعة للاحتلال في الموقع نفسه بواسطة محلقة “أبابيل” الانقضاضية، محققة إصابة مؤكدة، في حين تعرضت خيمة يتموضع فيها جنود الاحتلال عند مجرى النهر في أطراف بلدة زوطر الشرقية لهجوم مماثل أدى إلى إصابتها بشكل مباشر.
وفي إطار العمليات المستمرة، استهدفت المقاومة أيضاً مقراً قيادياً تابعاً لجيش الاحتلال في بلدة البياضة بصلية صاروخية، إضافة إلى استهداف تجمعات للجنود والآليات في القنطرة ومحيط يحمر الشقيف بسلسلة من الضربات الصاروخية والمدفعية.
وتعكس هذه العمليات تنوع الوسائط القتالية المستخدمة، من الصواريخ النوعية إلى المدفعية الدقيقة والمسيّرات الانقضاضية، بما يؤكد استمرار تطور الأداء العملياتي للمقاومة وقدرتها على استهداف الأهداف الثابتة والمتحركة في آن واحد.
إقرار إسرائيلي بصعوبة المواجهة
بالتوازي مع تصاعد عمليات المقاومة، بدأت وسائل الإعلام التابعة للعدو الإسرائيلي تتحدث بصورة متزايدة عن التحديات التي تواجهها قوات الاحتلال في الميدان.
وفي هذا السياق، أقرت صحيفة “معاريف” العبرية بأن إخضاع حزب الله أو كسر إرادته القتالية ليس أمراً سهلاً، مشيرة إلى أن المقاومة تمتلك قدرة عالية على الصمود والاستمرار في القتال، ومحذرة من أن استمرار المواجهة قد يقود الكيان إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.
كما اعترفت وسائل إعلام عبرية أخرى بارتفاع أعداد الجرحى في صفوف جيش الاحتلال منذ بدء المعركة في جنوب لبنان إلى أكثر من 1300 جريح، بينهم عشرات الإصابات الخطيرة والمتوسطة، في مؤشر على حجم الكلفة البشرية التي يتكبدها الاحتلال نتيجة العمليات المتواصلة.
وفي السياق ذاته، أثارت تصريحات محللين إسرائيليين تساؤلات حول جدوى العمليات العسكرية المستمرة ضد لبنان وإمكانية تحقيق أهدافها المعلنة، في ظل استمرار المقاومة في تنفيذ عملياتها وقدرتها على المحافظة على جاهزيتها الميدانية.
تصعيد صهيوني دموي يستهدف المدنيين
في المقابل، واصل العدو الصهيوني اعتداءاته الواسعة على المناطق اللبنانية، منفذاً سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي استهدفت بلدات وقرى عدة في الجنوب والبقاع الغربي.
ففي بلدتي صديقين وطيردبا جنوب لبنان، أسفرت الغارات الإسرائيلية عن استشهاد ثلاثة مواطنين وسقوط عدد من الجرحى، فيما شهدت مناطق أخرى غارات على كفردونين وبنعفول وقصفاً مدفعياً طال سحمر ويحمر في البقاع الغربي.
وفي تطور أكثر دموية، ارتفعت حصيلة الشهداء جراء غارات العدو الإسرائيلي على بلدات قضاء صور ومدينة صيدا إلى خمسة عشر شهيداً وخمسة عشر جريحاً خلال يوم واحد فقط.
وشملت الاعتداءات بلدة طيردبا التي تعرضت لسلسلة غارات مكثفة أسفرت عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، إضافة إلى بلدة دير قانون النهر والمساكن الشعبية في صور، فيما استهدفت غارة أخرى سيارة مدنية في مدينة صيدا وأدت إلى استشهاد شخصين كانا على متنها.
وتأتي هذه الجرائم في سياق سياسة العدو الصهيوني المتواصلة التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية والمناطق السكنية، رغم دخول تفاهمات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل أشهر.
أرقام تكشف حجم الكارثة
وتؤكد الإحصائيات الرسمية اللبنانية أن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ الثاني من مارس الماضي خلّف خسائر بشرية وإنسانية هائلة.
فبحسب وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت الحصيلة التراكمية للضحايا إلى 3696 شهيداً و11 ألفاً و413 جريحاً، فيما سُجل خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها 30 شهيداً و92 جريحاً.
كما كشفت الوزارة عن استشهاد 132 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 391 آخرين نتيجة عشرات الاعتداءات التي استهدفت فرق الإسعاف والطواقم الطبية، في انتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية.
وتشير هذه الأرقام إلى حجم الاستهداف المنهجي الذي يطال مختلف القطاعات المدنية والإنسانية في لبنان، وسط استمرار الصمت الدولي والعجز عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
أزمة إنسانية تتفاقم وتحذيرات دولية متصاعدة
وعلى الصعيد الإنساني، حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من استمرار تداعيات الحرب بعد مرور مئة يوم على اندلاعها، مؤكدة أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة وإنذارات الإخلاء المتكررة أدت إلى موجات نزوح واسعة وأوضاع معيشية بالغة الصعوبة.
وأشارت المفوضية إلى أن آلاف اللبنانيين يعيشون في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الشعور بالأمن والاستقرار، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
وفي السياق ذاته، دعت الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين إلى إطلاق قافلة إنقاذ أممية عاجلة نحو مخيمات وتجمعات منطقة صور، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية لعشرات الآلاف من اللاجئين والنازحين الفلسطينيين الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية في ظل نقص الغذاء والدواء وتراجع الخدمات الأساسية.
وأكدت الهيئة أن ما يقارب خمسين ألف لاجئ ونازح ما يزالون في المنطقة، يعيشون تحت وطأة الخوف والاستهداف وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية بالتحرك العاجل لتقديم المساعدات وتوفير الحماية للمدنيين.
معادلة الاستنزاف تتعمق
في ظل هذا المشهد المركب، تبدو الجبهة اللبنانية أمام مرحلة تتعمق فيها معادلة الاستنزاف المتبادل، حيث يواصل الاحتلال عدوانه على المدنيين والقرى اللبنانية، بينما تؤكد المقاومة من خلال عملياتها اليومية أن محاولات فرض الوقائع بالقوة لن تمر دون ثمن.
وتكشف الضربات النوعية التي تنفذها المقاومة ضد المقرات العسكرية وتجمعات الجنود والآليات، إلى جانب اعترافات العدو الإسرائيلي المتزايدة بصعوبة المواجهة وارتفاع الخسائر، أن الاحتلال يواجه تحديات متصاعدة في تحقيق أهدافه المعلنة، في وقت تتسع فيه الكلفة الإنسانية للعدوان على لبنان وتزداد المطالب الدولية بوقف الاعتداءات وحماية المدنيين.
وبين صمود الميدان وتفاقم المأساة الإنسانية، تستمر المواجهة مفتوحة على احتمالات متعددة، فيما يثبت لبنان مجدداً أن إرادة المقاومة والثبات الشعبي ما تزالان تشكلان العامل الحاسم في مواجهة العدوان والدفاع عن السيادة الوطنية.






