محرقة المناطق المحتلة.. الرياض وأبوظبي تقطعان “وريد الحياة” وتديران حرب “إبادة حرارية” وتجويع بأدواتهما في حكومة النفاق

21 سبتمبر / تقرير خاص
تشهد المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة تدهورًا اقتصاديًا ومعيشيًا غير مسبوق، يتجاوز حدود الأزمات الطبيعية ليصبح نتاجًا مباشرًا لسياسات التدمير الممنهج التي تديرها قوى الغزو والاحتلال (السعودي-الإماراتي) عبر أدواتها المحلية فيما يُعرف بـ”حكومة الفنادق”. هذا الانهيار الشامل في منظومة الخدمات الأساسية والاقتصاد لا يعكس عجزًا إداريًا فحسب، بل يمثل استراتيجية واضحة لتركيع الحاضنة الشعبية وتمرير مشاريع السيطرة على الثروات السيادية اليمنية وإغراق المواطن في دوامة البحث اليومي عن مقومات البقاء.
وتتجلى أبعاد هذه الكارثة الإنسانية في حرمان أبناء عدن وحضرموت وبقية المناطق الساحلية من أبسط الحقوق الإنسانية كالكهرباء والمياه والرواتب، في مقابل استمرار نهب عائدات النفط والغاز وتحويلها إلى حسابات خاصة في الخارج. إن قراءة المشهد بالأرقام والوقائع تؤكد أن هذه المعاناة ليست وليدة الصدفة، بل هي انعكاس حتمي لإدارة الموارد بعقلية الغنيمة، وتجريد المحافظات المحتلة من استقلالها المالي والإداري لصالح أجندات إقليمية ودولية تستهدف تفتيت النسيج الاجتماعي والسياسي لليمن، وهو ما يجعل موقف حكومة صنعاء ثابتًا في ربط أي مسار سياسي بالحل الشامل للملف الإنساني وصرف المرتبات من عائدات الثروة السيادية لكل أبناء الشعب اليمني.
الإعدام الحراري الصيفي بقطاع الطاقة
تتحول الشوارع في عدن والمناطق الساحلية بحضرموت خلال فصل الصيف إلى أفران بشرية مفتوحة جراء وصول ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى أكثر من 18 ساعة يوميًا، متزامنة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مشارف 45 درجة مئوية. هذا الانقطاع الكلي أدى إلى شلل تام في المستشفيات والمراكز الصحية، وسجلت الطواقم الطبية مئات حالات الإغماء والوفيات بين كبار السن ومرضى الجهاز التنفسي والقلب، مما جعل الصيف موسمًا سنويًا للموت والمعاناة الشديدة التي لا تجد أي معالجات حقيقية من سلطات الاحتلال.
وتعود جذور الأزمة إلى الفساد الهيكلي في صفقات وقود المحطات، حيث كشفت التقارير الرسمية الصادرة عن برلمان حكومة الفنادق نفسه عن إنفاق قرابة 95 مليون دولار شهريًا على وقود الكهرباء والطاقة المستأجرة دون أي تحسن يذكر. وتدار الشحنات بعقلية السمسرة عبر إدخال وقود مغشوش وغير مطابق للمواصفات الفنية، ما تسبب في خروج متكرر لمنظومة التوليد المتهالكة أساساً وإتلاف المولدات في محطة الحسوة والمنصورة.
وترفض “حكومة الفنادق” بتوجيه مباشر من دول التحالف تشغيل أو صيانة محطات التوليد الاستراتيجية كـ “محطة الرئيس” (بترومسيلة) في عدن بطاقتها الكاملة البالغة 264 ميجاوات، والإبقاء على تشغيل جزئي لا يتعدى 90 ميجاوات بحجة عدم توفر وقود النفط الخام. يعكس هذا المنع الممنهج الرغبة في استمرار استنزاف المال العام لصالح شركات الطاقة المستأجرة التابعة للنافذين، وضمان إبقاء الشارع في حالة إنهاك خدمي مستمر لمنعه من الالتفات إلى المطالب السياسية والسيادية.
تجويع ممنهج بقطع الرواتب والغلاء
يمثل الانهيار التاريخي للعملة المحلية في المناطق المحتلة، والتي تجاوزت حاجز 2000 ريال للدولار الواحد، الأداة الأبرز في سحق القوة الشرائية للمواطنين، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تفوق 400%. هذا الغلاء الفاحش يتزامن مع انقطاع مرتبات موظفي القطاع العام لعدة أشهر، وتخفيضها أو تأخير صرفها بشكل دوري، مما دفع بآلاف الأسر إلى حافة المجاعة الحقيقية والاعتماد على المساعدات الشحيحة أو تقليص الوجبات اليومية إلى حدها الأدنى.
إن المسؤولية المباشرة عن هذا التدمير المعيشي تقع على عاتق قرار نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن عام 2016، والطباعة العشوائية غير القانونية لأكثر من تريليوني ريال من العملة الورقية دون غطاء نقد أجنبي، وهو المخطط الذي رعته اللجنة الرباعية الدولية. يضاف إلى ذلك استيلاء قوى الاحتلال وأدواتها على الإيرادات النفطية والغازية الموردة إلى البنك الأهلي السعودي، وحرمان الخزينة العامة من الموارد السيادية الكفيلة باستقرار العملة وصرف مرتبات جميع موظفي الجمهورية دون استثناء.
جفاف قسري واحتكار المشتقات النفطية
تضرب أزمة المياه الخانقة مدن عدن والمكلا ومناطق الشحر، حيث جفت شبكات الأنابيب العمومية لأيام وأسابيع متواصلة، مما أجبر المواطنين على شراء صهاريج المياه (الوايتات) بأسعار خيالية تجاوزت 40 ألف ريال للصهريج الواحد، مما يستهلك نصف دخل الأسرة الشهري. وتتداخل هذه الأزمة مع انعدام الديزل والمازوت اللازمين لتشغيل مضخات الآبار الحكومية في حقول “بئر ناصر” و”المناصرة”، ما جعل الحصول على قطرة ماء نقي رحلة يومية شاقة ومكلفة يخوضها الصغار والكبار على حد حد سواء في شوارع تلك المدن المحتلة.
وتتعمق هذه المعاناة مع افتعال أزمات متلاحقة في المشتقات النفطية والغاز المنزلي من خلال حصر الاستيراد والتوزيع على شركات مملوكة لهوامير الفساد وقادة الفصائل الموالية للإمارات والسعودية. وفي مفارقة صارخة، تُباع مادة الديزل والبلد منتج لها في حضرموت بأسعار تفوق الأسعار العالمية، مما تسبب في شلل قطاع النقل، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والسمكي، وتعميق الركود الاقتصادي لخدمة مصالح كارتيلات النفط التابعة للعدوان.
سقوط ادعاءات الإعمار والرفاه الخليجي
تكشف الأرقام والواقع المعاش في المحافظات الجنوبية والشرقية الزيف المطلق للوعود والبرامج التي روج لها التحالف السعودي-الإماراتي تحت مسميات “إعادة الإعمار” والدعم الاقتصادي منذ بداية العدوان. فبعد سنوات من السيطرة العسكرية التامة، لم تشهد هذه المناطق إقامة مشروع تنموي استراتيجي واحد، بل تحولت القواعد العسكرية والموانئ المغلقة كـ “ميناء بلحاف” الاستراتيجي لتصدير الغاز المسال، و”مطار الريان” بالمكلا إلى ثكنات عسكرية ومراكز حيوية لخدمة المصالح الأجنبية وحرمان اليمنيين من عائداتها التي تتجاوز مليار دولار سنوياً كان كفيلاً بإنقاذ الاقتصاد المنهار.
وتكشف أرقام الودائع السعودية-الإماراتية المزعومة عن زيف الدعم؛ إذ لم يتسلم البنك المركزي في عدن سوى دفعات مجزأة ومشروطة بفرض جرعات سعرية جديدة على المشتقات النفطية والكهرباء، ورفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100% (من 250 إلى 500 ريال ثم إلى 750 ريال)، مما أدى مباشرة إلى اشتعال أسعار السلع المستوردة ومضاعفة كلفة العيش على المواطنين.
إن واقع البؤس الخدمي يثبت أن الاستراتيجية الفعلية لدول العدوان لا تهدف إلى بناء نموذج جاذب أو مستقر، بل إلى تحويل هذه المحافظات الحيوية إلى كانتونات ممزقة وغارقة في الصراعات البينية والانفلات الأمني والفقر. ويؤكد هذا المشهد صوابية الموقف المبدئي والتحذيرات المستمرة الصادرة من صنعاء، والتي تشدد على أن إنهاء معاناة اليمنيين شرقا وغربا وشمالا وجنوبا يبدأ برحيل الاحتلال، ووقف التدخلات الخارجية، وبسط السيادة الوطنية على كامل التراب اليمني.
فاتورة التبعية ومآلات الانفجار الشعبي
إن الكارثة الإنسانية الشاملة التي تكبل حياة المواطنين في المحافظات المحتلة تبرهن على أن التعويل على قوى الغزو والاحتلال وأدواتها من “حكومة الفنادق” ليس سوى مراهنة على سراب، حيث أثبتت الوقائع أن البؤس والانهيار هما الثمرة الوحيدة للارتهان للخارج. ولم تعد المعاناة تقتصر على جوانب معيشية يمكن التعايش معها، بل تحولت إلى حرب إبادة جماعية صامتة تستهدف الهوية والكرامة والوجود اليمني عبر سلاح الخدمات والاقتصاد، وهو ما تفضحه صنعاء وتواجهه في كل المحافل السياسية والميدانية.
وفي ظل هذا الانسداد الكامل للملف الإنساني وتورط سلطات العمالة في حماية مصالح الرياض وأبوظبي على حساب لقمة عيش المواطن، فإن المؤشرات الميدانية تتجه نحو انفجار شعبي عارم لا يمكن كبحه. إن الوعي المجتمعي المتصاعد في عدن وحضرموت وبقية المناطق المحتلة بدأ يتجاوز المطالب الجزئية ليوجه بوصلة الغضب نحو المسبب الحقيقي للأزمة، وهو وجود الاحتلال، مؤكدًا أن الخلاص لن يتم إلا بالالتفاف حول خيار المقاومة واستعادة السيادة الوطنية الكاملة على الأرض والثروة المنهوبة.






