استباحة صهيونية علنية للسيادة السورية: دلالات التوغل البري في قرى القنيطرة وفرض الحزام الأمني الميداني

21 سبتمبر / تقرير
في خطوة تكشف ملامح مرحلة جديدة من توظيف القوة البرية الإسرائيلية في الجبهة الشمالية، نفذت قوات العدو الصهيوني يوم الاثنين توغلين متزامنين في ريف محافظة القنيطرة. وجاء التحرك الأول في النطاق الغربي لبلدة “الرفيد” بالريف الجنوبي، حيث احتجزت قوة مشاة إسرائيلية أربعة أطفال سوريين واعتدت عليهم بالضرب وصادرت هواتفهم المحمولة، في حين شمل التحرك الثاني اقتحام دورية مدرعة لقرية “العجرف” بالريف الأوسط، وإقامة نقطة تفتيش مؤقتة للتدقيق في هويات المارة وفحص وثائقهم الشخصية.
تتجاوز هذه التطورات الميدانية سياق “الحوادث الحدودية المعزولة” لتضع المحللين أمام استراتيجية صهيونية ممنهجة لفرض سياسة “الأمر الواقع”، وتصفير مفاعيل اتفاقية فض الاشتباك الموقعة بجنيف في 31 مايو 1974. ويكشف الانتقال من بنك أهداف “القصف الجوي النقطي” للمنشآت العسكرية إلى التوغل البري المباشر واستهداف الكتلة البشرية المدنية، عن رغبة تل أبيب في تحويل العمق السوري المحاذي للشريط الحدودي إلى منطقة مكشوفة أمنياً وعسكرياً، وسحب أي هوامش سيادية للدولة السورية في هذه المنطقة.
هندسة الخرق البري: تفكيك السلوك الميداني لجيش العدو
يعكس سلوك قوات العدو في بلدتي الرفيد والعجرف نمطاً عملياتياً يعتمد على “الاستطلاع القسري” وكسر الحواجز النفسية مع السكان. إن إقدام القوة المتوغلة في الرفيد على مصادرة هواتف الأطفال الأربعة يمثل إجراءً أمنياً وقائياً يهدف إلى منع “التوثيق اللحظي” للتوغل، وحظر تسريب المقاطع المصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مما يسمح للعدو بالتحرك تحت غطاء من التعتيم الإعلامي، وتجنب الإدانة الحقوقية الدولية القائمة على الأدلة البصرية المباشرة.
أما التكتيك المتبع في قرية العجرف، والمتمثل في تسيير آليات عسكرية وإقامة حاجز تفتيش مؤقت في عمق بلدة مأهولة، فيحمل أبعاداً استخبارية وعملياتية مباشرة؛ حيث تسعى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من خلال التدقيق في الهويات الشخصية إلى تحديث بنك المعلومات الديموغرافي للمنطقة، ورصد طبيعة القاطنين في ريف القنيطرة الأوسط، وتحديد أي عناصر وافدة أو أنشطة ارتكازية قد تشكل تهديداً أمنياً للمستوطنات الإسرائيلية في الجولان المحتل، فضلاً عن إرسال رسالة ردع واضحة للسكان لتقويض أي حاضنة شعبية للمقاومة.
جذر العقيدة الأمنية: من “السياج التقني” إلى “الحزام المرن”
يرتبط التوغل الأخير بطبيعة العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي ترى في خط “ألفا” (الحد الغربي للمنطقة العازلة) خطاً وهمياً يمكن تجاوزه لتحقيق الردع الاستباقي. وتحاكي هذه التحركات استراتيجية “المنطقة الأمنية العازلة” التي طبقها جيش العدو في جنوب لبنان بين عامي 1978 و2000، حيث يتم قضم الأراضي السورية الواقعة شرق السياج التقني بعمق يتراوح بين 100 إلى 500 متر، وتحويلها إلى منطقة “ميتة عسكرياً” يُحظر على المدنيين والعسكريين السوريين التحرك فيها بحرية.
بيانات الخروقات الهندسية لجيش العدو (2022 – 2026):
طريق “سوفا 53”: شق طريق عسكري إسفلتي بعمق يصل إلى 200 متر داخل الأراضي السورية، مدعوماً بخنادق مائية وسواتر ترابية لمنع الآليات.
بوابة كودنة: إنشاء نقطة عبور ممر ميكانيكي مجهز ببوابات فولاذية مخصصة لمرور الدبابات من طراز “ميركافا” والجرافات العسكرية “D9”.
منظومات الرصد “طال المروحة”: تثبيت أبراج اتصالات ومراقبة بصرية وحرارية مزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي على طول التلال الحاكمة لرصد الحركة في قرى القنيطرة حتى عمق 15 كيلومتراً.
شواهد تاريخية: سجل قضم الجغرافيا واختطاف السيادة
لا يمكن فصل اعتداءات الرفيد والعجرف عن سلسلة الانتهاكات التاريخية والمستمرة التي وثقتها محاضر اللجنة الدولية للصليب الأحمر وقوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF). فمنذ عام 2011، استغلت إسرائيل الأزمة الداخلية السورية لتكثيف عمليات التجريف الممنهج للمزارع وبساتين الفاكهة في قرى “الحرية” و”جباتا الخشب”، وتحويل تلك الحيازات الزراعية الخاصة برعاة الأغنام والمزارعين السوريين إلى حقول أمنية مكشوفة تحت المراقبة المباشرة.
وتتطابق هذه الحادثة بنيوياً مع عمليات الاختطاف المتكررة التي نفذتها وحدات “الكوماندوز” الإسرائيلية خلال الأعوام الماضية؛ ومنها اختطاف مواطنين سوريين من داخل بلدة “الحميدية” ومزارع “شبعا” وتحويلهم إلى مراكز التحقيق في معسكرات الجولان المحتل بتهمة جمع معلومات أو اقترابهم من السياج الأمن، قبل أن يتم إعادتهم عبر معبر القنيطرة برعاية أممية. هذا التاريخ التراكمي يثبت أن العدو لا يعترف بالحدود السياسية، بل يتحرك وفق نظرية “الحدود الأمنية المتحركة” التي تحددها موازين القوة على الأرض.
المؤشر العملياتي والتحول في النمط الميداني للعدو
يكشف رصد السلوك العسكري الصهيوني عن انتقال جذري من النمط التقليدي السابق إلى نمط مستحدث وحالي؛ فمن حيث طبيعة السلاح المستعمل، تجاوز العدو الاعتماد على الضربات الجوية والصواريخ الدقيقة لينتقل إلى التوغل المدرع ودفع قوات المشاة الراجلة إلى عمق البلدات السورية. هذا التحول التكتيكي رافقه تغيير مباشر في هوية المستهدفين، حيث تحول التركيز من قصف مستودعات السلاح والمقار العسكرية إلى ملاحقة واستهداف المدنيين من أطفال ورعاة أغنام وماري بالقرى.
وعلى الصعيد القانوني، ترتب على هذا التغيير تحول في الأثر القانوني للانتهاكات؛ فبعد أن كانت الاعتداءات تقتصر على خرق الأجواء والسيادة الوطنية، أصبحت تتمثل في فرض واقع ميداني عبر إقامة نقاط الضبط وحواجز التفتيش المباشرة داخل الأراضي السورية. ويخدم هذا التطور التكتيكي الهدف المباشر للعدو، والذي لم يعد محصوراً في تدمير القدرات العسكرية واللوجستية، بل امتد ليتجسد في فرض السيطرة الأمنية المباشرة وجمع المعلومات الديموغرافية عن سكان المناطق الحدودية.
مآلات الاختراق وبروز معادلة الردع الميداني
تضع هذه التوغلات المستمرة في ريف القنيطرة منظومة العمل الدولي المشترك وقوات “الأندوف” أمام معضلة حقيقية؛ إذ إن عجز هذه القوات عن توفير الحماية للمدنيين السوريين في قرى الرفيد والعجرف يعري الحدود الإجرائية للقرارات الأممية، ويحول وثيقة فض الاشتباك لعام 1974 إلى التزام من طرف واحد، مما يمنح قيادة العدو العسكرية حافزاً لتوسيع رقعة التوغل الميداني، والوصول إلى التلال الإستراتيجية الحاكمة في عمق المحافظة.
إن قراءة مآلات هذا التصعيد تشير إلى أن استمرار استباحة الأراضي السورية وملاحقة الأطفال والمزارعين سيؤدي بالضرورة إلى تسريع ولادة معادلة مقاومة شعبية عسكرية في الداخل السوري؛ حيث بات سكان تلك المناطق على قناعة تامة بأن كبح المخططات الصهيونية الرامية إلى قضم ريف القنيطرة لا يمكن أن يتم عبر القنوات الدبلوماسية المعطلة، بل من خلال تفعيل نقاط المراقبة الشعبية وتطوير أدوات المواجهة الميدانية القادرة على رفع الكلفة السياسية والأمنية لتوغلات جيش الاحتلال الإسرائيلي.






