من تسليم أسرار الجيش إلى الترويج السياسي: الدور الأمريكي في إعادة تدوير الخائن أحمد علي عفاش

21 سبتمبر / تقرير خاص
لم تكن علاقة الأمريكي باليمن طارئة أو عابرة؛ فمنذ مطلع الألفية، صارت البلاد حقل اختبار لتقنيات الحرب غير المعلنة تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”، وتحوّلت الدولة اليمنية إلى بنية هشّة تتقاطع داخلها حسابات الداخل مع هندسةٍ أمنيةٍ خارجية. في هذا المشهد ولِد دور الخائن أحمد علي عفاش: رجلٌ شقّ طريقه داخل المؤسسة العسكرية عبر الحرس الجمهوري، ولكن ليس كقائدٍ وطنيٍّ يبني جيشًا جمهوريًّا عصريًّا، بل كحلقة وصلٍ موثوقة لواشنطن؛ تستثمر فيه وتعيد تشكيل وحداته بما يلائم غاياتها. ومع الزمن، تَبيَّن أن “التعاون” لم يقف عند حدود الدعم الفنّي، بل تمدّد إلى ترتيبٍ عملياتيٍّ واستخباريٍّ عميق، ثم حمايةٍ سياسيةٍ حين تتطلّب الأمر، وأخيرًا إعادة تدويرٍ إعلاميٍّ وسياسيٍّ بعدما ظنّ كثيرون أن صفحته طُويت. هذه هي خلاصة الملف الذي نعرضه هنا، مدعَّمًا بما أمكن من شواهد ووثائق.
في خضم المشهد اليمني المعقد منذ مطلع الألفية، لم يكن الجيش مجرد مؤسسة وطنية، بل صار ملعبًا لتجارب أجنبية تستثمر هشاشة الدولة. في هذا السياق، برز أحمد علي عفاش كحلقة وصل مباشرة للأجندة الأمريكية، حيث لم يقتصر دوره على القيادة، بل تعداها لتسهيل وصول معلومات حساسة وإشراف الأجانب على الجيش، بما يكشف عمق الخيانة ويعد تمهيدًا لما يقدمه الدليل المرئي لاحقًا.
خيانة مرئية: أحمد عفاش يسلم أسرار الجيش
يقدّم الفيديو الموثّق أحد أقوى الأدلة البصرية على عمق خيانة الخائن أحمد علي عفاش وعلاقته المباشرة بالأجندة الأمريكية في اليمن. في المشهد، يظهر وهو يستقبل وفدًا عسكريًا أميركيًا داخل واحد من أهم معسكرات الجيش اليمني، في زيارة سرية تمامًا وبعيدًا عن أي حضور رسمي أو إعلامي. هذا ليس مجرد استقبال رسمي؛ المشهد يوثّق أن الخائن أحمد علي عفاش لم يكتفِ بفتح أبواب المعسكر للوفد، بل قام بتسهيل حصول الأمريكيين على أخطر المعلومات العسكرية عن الجيش اليمني، بما في ذلك حجم التسليح، أنواع الأسلحة، أساليب التدريبات، بل وسماحهم بالإشراف على تدريب وحدات الجيش اليمني، كما نقلت المشاهد الفاضحة التي بثتها الوسائل الإعلامية اليمنية.
الأخطر من ذلك، أن الفيديو يُظهر الخائن أحمد علي عفاش وهو يشرح شخصيًا خصائص هذه الأسلحة وتفاصيل استخدامها للوفد الأميركي، ما يعني أنه قدّم معلومات عملياتية وتسليحية يُفترض أن تكون محمية بسرية الدولة. هذه الوثيقة البصرية تعكس عمق العلاقة غير المتكافئة بينه وبين الجانب الأميركي، وتضعه في موقع “المُرشد العسكري” للجيش الأميركي داخل معسكر يمني، وهو ما يرقى إلى مستوى الخيانة العظمى وتسليم مقدرات الوطن للعدو.
عند ربط هذا المشهد مع برقيات ويكيليكس والتقارير الأميركية حول تدريب وتسليح الحرس الجمهوري، يتضح أن الخائن أحمد علي عفاش لم يكن مجرد قائد عسكري وطني، بل أداة تنفيذية مباشرة للمشروع الأميركي في اليمن. كما يشكل هذا الدليل نقطة ارتكاز أساسية لتقييم دوره ومساره السياسي والعسكري لاحقًا، خصوصًا مع محاولات واشنطن اليوم لإعادة تدويره في المشهد السياسي اليمني عبر حملات إعلامية ورفع العقوبات الدولية عنه.
أداة أمريكية: تحكم واستغلال الجيش
مع مطلع عام 2009، بدأت الولايات المتحدة إعادة رسم خرائط القوة العسكرية في اليمن، وكان أحمد علي عفاش في قلب هذه العملية، حيث تمكن من توجيه المؤسسة العسكرية ووحدات الجيش بما يخدم مصالح واشنطن. لم يكن هذا النفوذ نتاج إرادة وطنية، بل جزءًا من مشروع أمريكي محكم لإنشاء أداة محلية موثوقة يمكن الاعتماد عليها لتنفيذ سياسات خارجية وضبط ميزان القوى داخل الجيش لصالح الولايات المتحدة.
برقيات دبلوماسية مسرّبة توثق أن كبار المسؤولين الأمريكيين ناقشوا مع القيادة اليمنية ترتيبات لتسليح وتدريب وحدات عسكرية تحت إشراف أحمد علي، ما جعل قراراته وخططه العسكرية خاضعة جزئيًا لتوجيهات أمريكية. هذه التدخلات سمحت له بتحويل الجيش إلى أداة تنفيذية للأجندات الأمريكية، مع الحفاظ على مظاهر السيادة اليمنية الرسمية عبر “الإنكار”.
امتدت تبعيته إلى المستوى العملياتي والاستراتيجي، حيث كان ينسق مع الجهات الأمريكية حول الخطط الكبرى للجيش، بينما تُنسب القرارات رسميًا إلى المؤسسة الوطنية. هذا الوضع عزز نفوذه الشخصي على حساب الدولة، وجعل الجيش يتصرف كأداة لتنفيذ أهداف خارجية، مؤكداً تبعيته للسياسات الأمريكية على مستوى التخطيط والعمليات.
الدراسات التحليلية والحقوقية، بما فيها تقارير هيومن رايتس ووتش ومعاهد كارنيغي وSmall Wars Journal، تؤكد أن تسليمه للجيش لم يكن مقتصرًا على الجانب العسكري، بل استُخدم أيضًا لقمع الاحتجاجات الداخلية وحماية شبكة الولاء التي بناها حوله، مستفيدًا من الدعم الأمريكي لضمان حماية سياسية ودولية رغم الانتهاكات.
من هذا المنظور، يصبح واضحًا أن أحمد علي عفاش لم يكن قائدًا وطنيًا مستقلاً، بل عنصرًا أساسيًا في مشروع أمريكي في اليمن، قادر على توجيه الجيش لتحقيق أهداف خارجية، وضمان استمرار هيمنة نفوذ أمريكي على المؤسسة العسكرية، مع الحفاظ على حماية دولية من خلال استمرار الدعم الأمريكي.
إبعاد وعقوبات: ورقة خاسرة مؤقتًا
في العام 2011، وبعد الثورة الشعبية التي أطاحت بوالده، باشرت امريكا إعادة هيكلة الجيش اليمني تحت إشراف سفارتها، ورأت في الخائن أحمد علي عفاش ورقة خاسرة يجب إبعادها عن مركز القوة. اعتقدت واشنطن حينها أن إخراجه من المشهد العسكري كافٍ لتفكيك أي نفوذ قد يشكل تهديدًا لأجندتها، متجاهلة أن التاريخ الطويل لعفاش في تسليم الجيش اليمني ومقدراته للأجندة الامريكية سيظل يلاحق حساباتها. بالتوازي مع ذلك، فرضت امريكا عقوبات مالية ودبلوماسية على أحمد علي عفاش ووالده علي عبدالله صالح، تضمنت تجميد الأصول ومنع السفر إلى الولايات المتحدة، كإجراء لتقييد قدرته على التحرك السياسي والعسكري، ولإرسال رسالة واضحة بأنه لم يعد موضع ثقة بالنسبة للسياسات الأمريكية.
إبعاد عفاش لم يكن تصفية حساب وطنية، بل خطوة استراتيجية امريكية لضبط التوازن داخل المؤسسة العسكرية وإعادة توجيه الوحدات بما يخدم مصالحها. رافق ذلك إعادة تهيئة البنية العسكرية بشكل يسمح للجانب الامريكي بالتحكم في القرار العملياتي والاستراتيجي، مع الحفاظ على واجهة السيادة الرسمية للدولة اليمنية. أي قرار كان يتخذ على الأرض أصبح خاضعًا لتنسيق مباشر مع السفارة الامريكية، فيما ظل الخائن عفاش مراقبًا من بعيد، جاهزًا لإعادة تدويره حين ترى امريكا مصالحها تتطلب ذلك، رغم العقوبات المفروضة عليه والتي كانت تهدف إلى الحد من نفوذه المباشر على المشهد العسكري والسياسي في اليمن.
إعادة تدوير عفاش: وهم السيطرة
اليوم، تحاول امريكا إعادة إحياء ورقتها الخاسرة أحمد علي عفاش، وتسعى لإعادة تدويره سياسيًا وعسكريًا بعد أن بدا أنه خرج من المشهد نهائيًا. تُروّج له الحملات الإعلامية على أنه القائد القادر على قيادة اليمن واستعادة الاستقرار، متجاهلة سجلّه الطويل في تسليم الجيش ومقدراته لمصالح امريكا. هذه المحاولات تكشف ازدواجية استراتيجية امريكا: التخلص من ورقة خاسرة علنًا، مع الاحتفاظ بالقدرة على إعادة استخدامها في الوقت الذي يخدم مصالحها، مستغلة تذبذب الواقع السياسي المحلي وثغرات المؤسسات الرسمية.
في الوقت نفسه، يتم رفع العقوبات الدولية عنه تدريجيًا، ضمن خطة مدروسة لإعادة ظهوره في الساحة، لتقديمه كحلٍ جاهز للأزمات بينما تُخفى خلف هذه الصورة الفضفاضة خيانة ماضية وفضائح موثقة. الاعلام العربي والامريكي يتعاون في تشكيل هذه الصورة المضللة، ليخلق وهمًا لدى الرأي العام بأن عفاش شخصية وطنية مستقلة، بينما الواقع يكشف أنه أداة نفوذ امريكية لم تغادر ميدانها أبدًا.
وعي الشعب: حجر عثرة استراتيجي
محاولات إعادة تدوير عفاش تصطدم مباشرة بوعي الشعب اليمني وتجربته الطويلة في مقاومة التدخلات الأجنبية. أي ترويج لقدرته على القيادة والسيطرة على الجيش أو المؤسسات الوطنية يقابله رفض شعبي متجذر وفهم عميق لتاريخه في تسليم القرار العسكري والسياسي لمصالح خارجية. هذا الوعي الشعبي يجعل أي استراتيجية امريكية لإعادة إنتاج نفوذها عبره مهددة بالفشل، مهما كانت الوسائل الإعلامية والدبلوماسية ضخمة.
الأمر الأكثر وضوحًا هو أن هذه الورقة التي تراها امريكا قابلة للاستخدام لا تملك القوة الحقيقية على الأرض، فالجيش والمؤسسات اليمنية التي حاولت امريكا توجيهها عبره أصبحت أكثر وعيًا واستقلالية بعد تجارب الخيانة السابقة. كل محاولة لإعادة الخائن أحمد علي عفاش إلى مركز النفوذ تصطدم بعقلية شعبية راسخة، تُعيِر الواقع السياسي وتفضح الحسابات الامريكية المغرورة.
في النهاية، يثبت التاريخ السياسي والعسكري لليمن أن أي أداة خارجية مهما بدا أنها حيوية ستظل عاجزة أمام إرادة الشعب اليمني وفهمه لمصالحه الوطنية. إعادة تدوير الخونة لن تنجح، وستظل ورقة احمد علي عفاش خاسرة مهما حاولت امريكا تلميعها أو تسويقها في المشهد السياسي، مؤكدة أن السيادة اليمنية فوق أي حسابات أجنبية.









