الاستباحة الصهيونية وأزمة السيادة العربية في ظل العدوان على غزة: قراءة في خطاب السيد القائد

21 سبتمبر / تقرير خاص
في سياق متصاعد من الأحداث الإقليمية والدولية، وتحت وطأة العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، جاءت كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي لتشكل خطابًا سياسيًا واستراتيجيًا حافلًا بالمواقف والرؤى، يتجاوز حدود التضامن التقليدي ليؤسس لمعادلة جديدة في الموقف العربي والإسلامي من القضية الفلسطينية ومن العدوان الصهيوني المتوسع. هذه الكلمة، التي جاءت في لحظة فارقة، لم تكن مجرّد ردّ فعل آني على استهداف إسرائيلي أو تصعيد ميداني، بل مثّلت إعادة ترسيم واضحة لموقع اليمن ومقاومته في خارطة المواجهة الكبرى مع المشروع الصهيوني الأمريكي، وكشفت عن رؤى أوسع لمآلات الصراع وأبعاد التحدي الذي يواجهه أبناء الأمة الإسلامية برمتها.
إن خطاب السيد القائد لم يكن خطابًا تحريضيًا عابرًا أو انتقاميًا ضيق الأفق، بل عكس رؤية متكاملة ذات عمق إيماني، وبعد إنساني، وتحديد دقيق لطبيعة المعركة وحجم التحديات. ومن خلال ذلك، تتبدى القراءة التحليلية لهذا الخطاب في أربعة محاور رئيسية: المحور الأول يتناول توصيف العدوان الإسرائيلي وأبعاده الإجرامية والإنسانية، والمحور الثاني يسلط الضوء على موقف اليمن الرسمي والشعبي ومسؤوليته في إطار معركة الأمة، بينما يستعرض المحور الثالث خلفية المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة ومخاطره الاستراتيجية، ويأتي المحور الرابع ليقدم قراءة في أفق المواجهة ومسؤولية الأمة، واختتامًا بخاتمة تلخص أهم ما جاء في هذا الخطاب الجامع والمعبّر عن نبض الشارع المقاوم وهموم الأمة المظلومة.
توصيف الجرائم الصهيونية وأبعادها الإجرامية
في مستهل كلمته، وصف السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي العدوان الإسرائيلي على غزة بأنه جريمة مركّبة تتجاوز كونها حربًا عسكرية إلى كونها إبادة جماعية ممنهجة، تمارس على مرأى العالم ضد شعب أعزل متمسك بحقه في المقاومة والكرامة. وأبرز القائد حجم الكارثة بالأرقام: آلاف الشهداء والجرحى من الأطفال والنساء، مئات العائلات أُبيدت، وتجويع وحصار وتدمير للبنية التحتية بما يشمل المساجد والمدارس والمستشفيات. إن ما يحدث، بحسب تعبيره، ليس مجرد عدوان، بل هو “جريمة القرن” بامتياز.
لم يكتفِ الخطاب بتوثيق الجرائم، بل قدم مقاربة تأصيلية تكشف أن الاحتلال لا يسعى فقط لإسكات المقاومة، بل لفرض معادلة استباحة دائمة بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما يتجلى في استخدام الأسلحة الأمريكية المتطورة، واستهداف كل مقومات الحياة. كما أشار السيد القائد إلى تواطؤ المجتمع الدولي، وخصوصًا الأمم المتحدة، التي عجزت حتى عن اتخاذ موقف رمزي، ما يعكس انحيازًا مفضوحًا يشرعن الإبادة ويغطيها.
هذا التوصيف لا يُراد به فقط رصد المظلومية، بل هو تأسيس لموقف مسؤول وواعٍ، يرى في هذه الجرائم حافزًا لمزيد من الثبات، ويكشف زيف كل المواقف الرمادية. فالمعركة لم تعد محصورة بجغرافيا غزة، بل هي مواجهة بين مشروع إبادة ومشروع مقاومة يحمل صوت الأمة وكرامتها.
الاستباحة الصهيونية: أزمة السيادة العربية
ركز السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كلمته على مفهوم الاستباحة الصهيونية الذي لم يعد يقتصر على الاحتلال العسكري المباشر أو الحصار، بل تجاوز ذلك ليشمل استباحة السيادة الوطنية والكرامة السياسية للدول العربية. في تحليله، يرى السيد القائد أن الكيان الصهيوني يتعامل مع الدول العربية كأراضٍ مفتوحة للعدوان والتدخل المباشر، مدعوماً بحالة الانهيار الداخلي والتشرذم السياسي الذي تعيشه هذه الدول، وخاصة في منطقة الخليج. هذه الحالة من الضعف جعلت من الاستباحة الصهيونية مشروعة في نظر بعض الأطراف، وهو ما يضع الأمة في مواجهة تهديد وجودي تتجاوز فيه القضية الفلسطينية لتطال كل محور الأمة وهويتها الوطنية والسياسية.
وفيما يتعلق بالعدوان على قطر، استخدم السيد القائد هذه الواقعة كمثال واضح على هشاشة الموقف العربي الرسمي وتضارب مصالحه، مؤكداً أن ما تعرضت له قطر من حصار ومحاصرة سياسية كان تمهيداً وغطاءً للاستباحة الصهيونية، التي استغلت حالة الانقسام العربي لتوسيع نفوذها وتأمين مصالحها. هذه الحادثة تكشف في نظره عن واقع عربي مخزي، لا يُحرك فيه الغيورون ساكناً أمام الاعتداءات المباشرة، بل يرضخون لابتزازات خارجية وإقليمية، مما يعكس تفككاً خطيراً في بنيان الأمة العربية وانعدام وحدة القرار السياسي، وهو ما يفسح المجال أمام الكيان الصهيوني لتعزيز سطوته على المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد السيد القائد أن الموقف العربي الرسمي تجاه هذه الاستباحة يمثل إخفاقاً استراتيجياً أخطر من العدوان العسكري ذاته، فهو يفضح غياب الإرادة الحقيقية لمواجهة المشروع الصهيوني، ويعكس انكشافاً مريباً لا يختلف عن المشاركة في التآمر. هذه السياسة التي تتسم بالصمت والتواطؤ تكرس حالة الاستباحة وتجعل من القضية الفلسطينية وحالة الأمة برمتها رهينة مآلات السياسة العربية الداخلية. لذلك، يرى السيد القائد أن مواجهة هذا الواقع تتطلب استعادة الوعي القومي، وتقوية وحدتها، وتجاوز الأجندات الضيقة، لضمان بناء قوة حقيقية قادرة على كسر حلقات الاستباحة، ووقف تمدد العدوان الصهيوني على الأمة.
الموقف اليمني: ثبات مبدئي وقيادة مستقلة
في كلمته اليوم، شدد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي على أن موقف اليمن من الأحداث الجارية في غزة ليس نابعًا من تأثير اللحظة أو ضغوط إعلامية أو سياسية، بل من موقف مبدئي ثابت، ينطلق من الإيمان الواعي والمسؤولية الدينية والإنسانية تجاه قضايا الأمة، وعلى رأسها قضية فلسطين. وأكد أن اليمن يرى في هذا الصراع مع الكيان الصهيوني صراعًا وجوديًا يتجاوز حدود فلسطين إلى عمق الهوية الإسلامية والسيادة العربية. هذا التأطير، كما ورد في كلمته، يعكس رؤية يمنية مستقلة عن أي ارتهان خارجي، ويعزز من حضور اليمن كموقف لا يُدار من الخارج، بل يصنع قراره من عمق معاناته وإرادته الحرة.
وفي هذا السياق، لفت السيد القائد إلى أن اليمن، على الرغم من الحصار الجائر والمعاناة المستمرة التي يعيشها، لم يكتفِ بالتعاطف اللفظي أو البيانات السياسية، بل اتخذ خطوات عملية في دعم الشعب الفلسطيني، مشددًا على أن الحصار لم يُضعف الإرادة بل زادها صلابة، وأن اليمن، بموقفه هذا، “لا يُتاجر بالقضية، ولا يزايد بها، بل يتحرك من موقع الوعي والإيمان”. هذا التصريح يعكس عمق البعد الأخلاقي والسياسي في الموقف اليمني، الذي يرى في نصرة فلسطين واجبًا غير قابل للمساومة، ولا يخضع لحسابات الأنظمة الخانعة أو التحالفات المشبوهة.
وأكد السيد القائد في خطابه أيضًا أن الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري في غزة ليس مجرد تخاذل، بل هو تواطؤ مكشوف يشرعن جرائم الكيان الغاصب، ويسهم في إطالة أمد المعاناة. وقال بوضوح إن اليمن “لن يكون يومًا من أولئك الذين يبررون جريمة بالصمت أو بالحياد”، مشيرًا إلى أن الموقف الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالاستعداد لتحمّل كلفة الانحياز للمظلوم. وهنا، يتمايز الموقف اليمني كقيمة سياسية وأخلاقية، تمثل وعيًا نقديًا للواقع العربي المتواطئ، وترفض أن تُختزل فلسطين في ملفات تفاوض أو بيانات شجب.
وفي تعليقه على التخاذل العام، شدد السيد القائد على أن بعض الأطراف يحاولون تجريد الأمة من إرادتها عبر إشاعة ثقافة الحياد والتبرير والتطبيع، وهو ما اعتبره أخطر من العدوان العسكري نفسه. وقال إن السكوت عن المجازر في غزة هو مشاركة فعلية في الجريمة، وأن من لا يرى أن معركة فلسطين هي معركته، فهو قد سقط في مستنقع العمالة أو الوهم السياسي. من هنا، يظهر بوضوح أن الخطاب لم يكن فقط تضامنًا، بل دعوة صريحة لإعادة تموضع الأمة، والتخلي عن المواقف الرمادية التي تسهم في تمكين العدو من مواصلة جرائمه دون محاسبة.
وفي جانب آخر، استعرض السيد القائد بجرأة الصعوبات التي تواجهها اليمن بسبب الحصار والعدوان، مؤكدًا أن هذه التحديات لم تكن عائقًا أمام استمرار الدعم والتضامن، بل على العكس، فإنها تزيد من إصرار اليمن على المضي قدمًا في خيار المقاومة والمساندة، باعتبار ذلك واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا وإنسانيًا. هذا الصمود يحمل في طياته رسالة أمل بأن إرادة الشعب اليمني، مهما عصف به الألم، تبقى شعلة لا تنطفئ في وجه العدوان، وترسخ مبدأ أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن كرامة الأمة جمعاء.

في الختام، تعكس كلمة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي رؤية واضحة وعميقة لمسار الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتضع الموقف اليمني المقاوم في قلب المعركة الوطنية والقومية الكبرى. فالمقاومة ليست خيارًا تكتيكيًا، بل هي ضرورة وجودية تستند إلى حق إيماني وإنساني، وترفض الاستسلام لأي مشروع استباحة أو تواطؤ. خطاب السيد القائد يمثل دعوة صريحة للأمة كلها لاستعادة وحدتها ووعيها، وتحويل ألم المأساة إلى قوة مقاومة وإرادة حقيقية تحمي الحقوق والكرامة. وفي ظل تحديات العدوان والحصار، يظل الشعب اليمني نموذجًا للصمود والثبات، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع جغرافي، بل محور كرامة الأمة وهويتها، وبوصلة لا بد من التمسك بها حتى تحقيق النصر والعدل.








