تفكيك معادلة الاستباحة الصهيونية: بيان صنعاء يعيد رسم خطوط الردع الإقليمي بعد عدوان بيروت

21 سبتمبر / تنقرير خاص
التحليل السياسي لبيان وزارة الخارجية والمغتربين في صنعاء يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي الأخير على العاصمة اللبنانية بيروت. هذا الموقف اليمني المبدئي يأتي ليفكك أبعاد التصعيد الصهيوني، معتبراً أن الكيان الغاصب لا يمثل مجرد تهديد عابر، بل هو خطر حقيقي ومباشر يستهدف الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي عبر تعمد إشاعة الفوضى الدائمة في المنطقة وإجهاض أي مساعٍ دبلوماسية للاستقرار.
ينطلق التقييم اليمني من قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة الصراع؛ حيث يربط البيان بين توقيت الجريمة والادعاءات الغربية حول التهدئة ومذكرات التفاهم، ليكشف زيف هذه المناورات المكشوفة. إن صنعاء، بتبنيها هذا الموقف، تؤكد تلاحم الجبهات ضمن محور الجهاد والمقاومة، معلنةً بصريح العبارة أن فرض “معادلة الاستباحة” التي انتهجها العدو في قطاع غزة لن تمر في لبنان، وأن الإسناد اليمني مستمر بكل الوسائل المتاحة لحماية ثوابت الأمة وقضاياها العادلة.
خداع التفاوض الصهيوني يسقط ميدانياً
تتجلى المنهجية الصهيونية القائمة على الغدر السياسي من خلال التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي والممارسات الميدانية؛ ففي الوقت الذي يروج فيه كيان العدو لتوقيع مذكرات تفاهم تشمل كافة الجبهات بما فيها الساحة اللبنانية، أقدمت طائراته على استهداف عمق العاصمة بيروت. هذا السلوك يبرهن على أن المفاوضات بالنسبة للاحتلال ليست سوى أداة تكتيكية لشراء الوقت وتمرير الضربات الغادرة.
تسعى حكومة العدو من خلال هذا التصعيد الفج إلى فرض معادلة “الاستباحة المطلقة”، وهي ذات السياسة التي اتبعها المجرمون في قطاع غزة عقب تفاهمات وقف إطلاق النار؛ حيث يعمد الكيان إلى تحويل الاتفاقيات السياسية إلى مظلة لتنفيذ اغتيالات واعتداءات مستمرة دون رادع. هذا التكتيك المكشوف يهدف إلى كسر إرادة الشعوب وجعل انتهاك السيادة الوطنية العربية أمراً مألوفاً ومعادلة قائمة بذاتها.
تعكس هذه الخطوات العدوانية مأزقاً استراتيجياً يعيشه الاحتلال جراء عجزه عن تحقيق حسم عسكري حقيقي في المواجهات البرية المباشرة مع رجال المقاومة الإسلامية؛ مما يدفعه للهروب نحو استهداف المراكز المدنية والعواصم لتعويض هذا الإخفاق الفاضح، وهو ما جعل القراءة اليمنية تصنف هذا السلوك كجزء من عملية تبادل أدوار خبيثة ومكشوفة تهدف لخلط الأوراق وإدامة الفوضى.
الضوء الأخضر الأمريكي يحرك العدوان
يضع البيان اليمني الصادر عن وزارة الخارجية إصبعه على المحرك الفعلي للآلة العسكرية الصهيونية، مؤكداً أن مجرم الحرب “بنيامين نتنياهو” لا يمكنه الإقدام على ارتكاب أي حماقة عسكرية نوعية دون الحصول على ضوء أخضر أمريكي صريح ومسبق. هذا الترابط العضوي يوضح أن الجريمة الصهيونية تُدار وتُنفذ برعاية كاملة من واشنطن التي تمثل الشريك الأساسي في حرب الإبادة.
لا يقتصر الدعم الأمريكي للكيان على إمداده بأحدث الأسلحة الفتاكة والذخائر الذكية التي تقصف بها الأحياء السكنية في بيروت وغزة، بل يمتد ليشمل توفير شبكة أمان سياسية ودبلوماسية في المحافل الدولية؛ حيث تستخدم واشنطن حق النقض “الفيتو” بانتظام لإجهاض أي قرار أممي يدين الاحتلال، مما يمنح القتلة حصانة مطلقة من العقاب والملاحقة القانونية.
بناءً على هذا المنظور التحليلي، فإن السياسة التحريرية لصنعاء تعامل الهيمنة الأمريكية والعدوان الصهيوني كجسم استعماري واحد يستهدف إخضاع المنطقة برمتها وتدمير مقدراتها. إن استهداف بيروت يثبت أن الرهان على الوساطات الأمريكية هو رهان على سراب، وأن مواجهة المشروع الصهيوني تقتضي بالضرورة مواجهة النفوذ الأمريكي ومخططاته الرامية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط لضمان التفوق الإسرائيلي.
جغرافيا العدوان الشامل توحد الساحات
تكشف المعطيات الميدانية المتلاحقة أن التصعيد العسكري الصهيوني الأخير لا يتحرك بشكل معزول، بل يمتد ليشمل جغرافيا واسعة تضم قطاع غزة، الضفة الغربية، لبنان، وسوريا في آن واحد. هذا الترابط الجغرافي للنار يعكس العقيدة العدوانية المتجذرة للكيان الغاصب، الذي يرى في استقرار أي دولة أو منطقة عربية مجاورة تهديداً مباشراً لأطماعه التوسعية والمشروع الاستيطاني.
يثبت هذا الترابط الميداني صوابية الرؤية الاستراتيجية التي تبناها محور الجهاد والمقاومة بشأن “وحدة الساحات” وتكامل جبهات الإسناد؛ فالعدو الصهيوني يستهدف الأمة ككل دون تمييز، والرد على هذا الجنون لا يمكن أن يكون مجزأً. إن عمليات الإسناد المنطلقة من اليمن تكتسب مشروعيتها من حتمية التصدي الجماعي لهذا الخطر الوجودي، وضمان عدم الاستفراد بأي جبهة لإفشال المخطط الصهيوني الشامل.
صمت المجتمع الدولي يغذي العربدة
يشكل عجز المجتمع الدولي وفشله الذريع في اتخاذ مواقف وإجراءات حازمة لردع الاحتلال الركيزة الأساسية التي يستند إليها الكيان لمواصلة جرائمه؛ فاكتفاء المنظمات الدولية ببيانات التنديد الجوفاء والاعتراضات اللفظية بات يمثل تشجيعاً ضمنياً وتأشيرة مرور للعدو الصهيوني للتمادي في غيه وعربدته المستمرة في عموم المنطقة، ولا سيما في لبنان وقطاع غزة الصامد.
إن تآكل مصداقية المنظومة الدولية يكشف بوضوح خضوعها التام للإرادة الأمريكية والغربية، حيث تغيب معايير العدالة الإنسانية عندما يتعلق الأمر بجرائم الكيان الإسرائيلي. هذا الخلل البنيوي في المؤسسات الأممية يبرهن لشعوب المنطقة وقواها الحرة على عقم المراهنة على القوانين الدولية أو المناشدات الدبلوماسية لحماية الأرواح والسيادة الوطنية، مما يجعل الاعتماد على القوة الذاتية الخيار الوحيد القائم.
انطلاقاً من هذا المعطى، يكتسب الموقف اليمني المجدد وقوفه المطلق مع المقاومة اللبنانية أهمية استراتيجية بالغة؛ حيث يعلن صراحة أن مواجهة هذا الكيان الغاشم ستكون بكافة الوسائل المتاحة. هذا الالتزام الثابت يعني كسر القيود الدبلوماسية التقليدية والانتقال الكامل إلى معادلة الإسناد العسكري المباشر والمستمر، تأكيداً على أن لغة الرادع الميداني هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الاحتلال وحلفاؤه.
معادلات الردع ترسم ملامح النصر
إن القراءة العميقة لبيان الخارجية اليمنية وتداعيات العدوان على بيروت تؤكد أن الصراع مع العدو الصهيوني قد جاوز محطات المساومات السياسية الهشة، ودخل طوراً جديداً تصاغ فيه المعادلات بقوة الميدان وبأس رجال المحور الحُر. الغطرسة الصهيونية المدعومة أمريكياً لم تعد قادرة على فرض إرادتها المطلقة، إذ تتآكل هيبتها العسكرية تدريجياً أمام ضربات المقاومة المتصاعدة وصمود الشعوب الأسطوري، مما يثبت أن مشاريع الاستكبار تحمل في أحشائها بذور هزيمتها الحتمية.
في نهاية المطاف، يبقى الموقف اليمني الصامد والملتحم مع قضايا الأمة صمام أمان حقيقي ومحركاً أساسياً في هذه المعركة المصيرية؛ فالإسناد غير المحدود لفلسطين ولبنان يكرس واقعاً جيوسياسياً جديداً لا مكان فيه للاستسلام. ومن وسط النيران والدمار الذي يخلّفه العدوان، يبرق فجر موازين قوى جديدة يقودها محور الجهاد والمقاومة، متجهة بخطى واثقة وثابتة نحو تفكيك الكيان الغاصب وتطهير المقدسات واستعادة العزة والسيادة الكاملة للأمة.






