السيد القائد في ذكرى شهيد الإسلام والإنسانية.. خطاب يُعيد رسم خارطة المواجهة ويُثبت إرث الجهاد والمقاومة

21 سبتمبر / تقرير خاص
في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد السيد حسن نصر الله ورفيق دربه السيد هاشم صفي الدين، وجه قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي خطابًا ذا أهمية بالغة، لم يقتصر على كونه تأبينًا لشخصية وطنية استثنائية، بل تضمن أبعادًا استراتيجية وتاريخية عميقة تتصل بمسيرة الأمة الراهنة ومستقبلها المشرق. فقد جاءت كلمات السيد القائد كخارطة طريق ترسم ملامح المرحلة القادمة، وتعكس واقع المواجهة مع المشروع الصهيوأمريكي الذي يهدد وجود الأمة واستقلالها.
في هذا الخطاب، أعاد السيد القائد التأكيد على ثبات الخيار الجهادي، باعتباره المنهجية الوحيدة القادرة على تحرير الأرض والدفاع عن الكرامة، وأبرز الإرث الجهادي العظيم الذي تركه القادة الشهداء، مشددًا على أن هذا الإرث هو نبراس يضيء طريق المقاومة، وقاعدة صلبة تستند إليها الأمة في صمودها وتصديها لمشاريع الهيمنة والاحتلال.
شهيد لا يغيب.. الحضور الممتد في الوعي والواقع
لم يكن السيد حسن نصر الله مجرد زعيم لحزب أو فصيل مقاوم، بل كان – كما وصفه السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي – “شهيد الإسلام والإنسانية”، شخصية ذات حضور مستمر في وجدان الشعوب الحرة، واسمًا ارتبط بمبادئ جهادية ثابتة ومواقف حاسمة في زمن الانبطاح والخنوع. فقد جسد بوعيه السياسي ورؤيته الثاقبة نموذج القائد الذي لا يهادن في مواجهة الظلم، بل يقف صلبًا في وجه المحتل والعدوان، مما جعله رمزًا للثبات والمبدأ.
استشهاد السيد نصر الله لم يكن نهاية لمسيرته، بل كان تأكيدًا على استمرارية حضوره وتأثيره في الواقع السياسي والشعبي. فثماره واضحة في تحولات الوعي الشعبي الذي رفع شعار المقاومة، وفي تجذر مفاهيم العزة والكرامة في أوساط الأمة، ما يجعل منه – وفقًا للسيد القائد – “أحد القادة التاريخيين النادرين” الذين تركوا بصمة لا تمحى في ذاكرة الأمة ومستقبلها.
2006.. لحظة سقوط مشروع الشرق الأوسط الجديد
تعتبر حرب تموز 2006 واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ المقاومة وأحداث المنطقة، إذ كانت معركة لا تقف عند حدود الانتصار العسكري فقط، بل تمثل نقطة تحوّل حاسمة في الصراع مع المشروع الصهيوأمريكي. فقد تصدى حزب الله بقيادة الشهيد السيد حسن نصر الله لهذا المشروع الذي كان يستهدف إعادة رسم خريطة المنطقة وتقسيمها على أسس طائفية ومذهبية تخدم الهيمنة الغربية.
كانت هذه الحرب اختبارًا حقيقيًا لقوة الإرادة الوطنية وصمود الأمة، حيث استطاعت المقاومة أن تسقط المشروع الذي حاول قوى الاستكبار فرضه، ما شكل ضربة قاسية لنفوذ الاحتلال الإسرائيلي وأدواته الإقليمية. النصر الذي تحقق كان بمثابة رسالة واضحة أن الأمة لا يمكن أن تُجبر على الخضوع، وأن طريق المقاومة هو السبيل لاستعادة الكرامة والسيادة.
رغم هذا الانتصار، يشير السيد القائد إلى أن خيانة بعض الأنظمة العربية وتواطؤها مع قوى الهيمنة أضاع فرصة ذهبية لوحدة الأمة وتوحيد جهودها ضد العدوان، ما يجعل درس الوحدة واليقظة ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المتجددة. إن الوعي الذي زرعه الشهيد نصر الله في قلوب الناس، والصمود الذي جسّده حزب الله في تلك المعركة، ما يزالان يشكلان نموذجًا عالميًا في بناء مقاومة متماسكة وقوية.
الشهيد القائد الذي أرعب العدو.. وغيّر معادلات الصراع
لم يكن الشهيد السيد حسن نصر الله مجرد قائد ميداني أو خطيب مؤثر فحسب، بل كان كابوسًا دائمًا للعدو الصهيوني لأكثر من أربعة عقود. فقد نجح بخطابه الحكيم وتحركاته الاستراتيجية في زرع مفاهيم جديدة في الوعي الإسرائيلي، كان أبرزها مقولته الشهيرة “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، التي عبّرت عن هشاشة الكيان الصهيوني وضعفه أمام مقاومة مستمرة ومتجددة.
وقد أكد السيد القائد أن الشهيد نصر الله أعاد الأمل للأمة التي عانت من الهزائم والخيانات، وكان صوتًا صادقًا في وجه التخاذل، ومثالًا حيًا للإسلام العملي المقاوم في أبهى صوره. حزب الله بقيادته شكل نموذجًا فريدًا، جمع بين الإيمان العميق والتخطيط الاستراتيجي، مقدّمًا درسًا في كيفية مواجهة الاحتلال بما يفوق قدرات الجيوش التقليدية.
رفض الاستسلام وتثبيت معادلة الردع
من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب هي الرفض القاطع للاستسلام، والتمسك بخيار الجهاد والمقاومة كخيار حتمي أمام مشروع استعماري لا يميز بين مهادن وعدو. فقد أوضح السيد القائد أن العدو الصهيوني يستهدف الأمة بأكملها، بغض النظر عن تحالفاتها أو مواقفها، وأن سلاح المقاومة هو الضمان الحقيقي لردع الاحتلال ومنع هيمنته.
وشدد على أهمية امتلاك الأمة لكل عناصر القوة، وعلى رأسها السلاح الذي يعتبر خط الدفاع الأول عن الأرض والكرامة. فقد كان سلاح حزب الله وفصائل المقاومة في فلسطين وأرض لبنان رمزًا للردع والتمسك بحق الأمة في التحرير، في مواجهة محاولات الإدارة الأمريكية وإسرائيل لنزع سلاح المقاومة، التي تهدف إلى تسهيل السيطرة والاحتلال الكامل للأراضي المقدسة.
الأمم المتحدة.. عجز دولي وشهادة لا تغني عن تحرك
لم يغفل الخطاب انتقاد أداء المؤسسات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، التي أثبتت في محطات عديدة فشلها في حماية شعوب الأمة ومواجهة العدوان الصهيوني. فقد أشار السيد القائد إلى أن بيانات الشجب والاستنكار التي تصدرها هذه المنظمات لا تعدو أن تكون “شكاوى دون أمل”، لا تحمي لبنان أو سوريا أو فلسطين من ويلات الحصار والقتل الجماعي.
واعتبر السماح للمجرم نتنياهو بإلقاء كلمة في قاعة الأمم المتحدة سقوطًا أخلاقيًا وقانونيًا مدويًا، خاصة وأنه مطلوب دوليًا لارتكابه جرائم حرب. هذا الحدث يكشف عن مدى تواطؤ النظام الدولي مع الاحتلال، ويؤكد على ضرورة اعتماد الأمة على ذاتها بدلاً من انتظار تحركات دولية لن تأتي.
الدعوة إلى تحرك شامل ومسؤولية تاريخية
في ختام خطابه، دعا السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي إلى تحرك شامل ومسؤول، يعكس وعي الأمة بمسؤولياتها التاريخية في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي. فالمسألة ليست مسؤولية فصيل أو جهة معينة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا وتضافرًا على كافة الأصعدة.
ودعا إلى دعم المقاومة سياسيًا وإعلاميًا وماديًا، وتعزيز التضامن مع فصائل المقاومة في غزة ولبنان، مشددًا على ضرورة مقاطعة العدو الصهيوني على المستويات الاقتصادية والدبلوماسية، لتوجيه ضربة شاملة لاحتلال لا يستند إلا إلى القوة والهيمنة.
وأشار إلى أن حزب الله ليس وحيدًا في الميدان، بل هو جزء من محور مقاوم متكامل يمثل إرادة أمة صامدة تواجه العدوان بكل عزيمة، مؤكّدًا أن هذا الموقف مستمر ومتزايد حتى يتحقق وعد الله بنصر الحق وانتصار المظلومين على قوى الطغيان.
إرث الشهداء حيّ في وعي الأمة ومسارها الجهادي
لم يكن خطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي مجرد رثاء لقائد غاب، بل كان شهادة حية على مسيرة نضالية مستمرة، وتجديدًا للعهد مع خيار المقاومة والجهاد. فقد أعاد الخطاب تثبيت الثوابت الوطنية، ووضّح أبعاد المرحلة التي تواجه الأمة، محذرًا من مخاطر التآمر الذي يحاك ضد المقاومة.
في زمن يتكالب فيه أعداء الأمة، ويُحاصر فيه صوت الحق، يظهر هذا الخطاب كنداء للحفاظ على الكرامة والعزة، ويؤكد أن دماء الشهداء لا تضيع عبثًا، بل تبني جبهات وتقوي إرادة الأمة في مواجهة أعتى التحديات. إنها رسالة أمل وصمود، وتأكيد على أن الكلمة الحرة والمقاومة المستمرة هي الطريق نحو الحرية والاستقلال.




