كيف حوّل عفاش اليمن إلى اقتصاد هش ومجتمع مثقل بالأزمات؟
كيف حوّل عفاش اليمن إلى اقتصاد هش ومجتمع مثقل بالأزمات؟

21 سبتمبر| تقرير خاص
على مدى ثلاثة عقود من حكم الهالك علي عبد الله صالح، تحوّل اليمن من دولة تمتلك إمكانات كبيرة إلى اقتصاد هش ومجتمع مثقل بالأزمات.. لم يكن الفقر والبطالة سوى نتيجة طبيعية لسجل طويل من الفساد ونهب الموارد، والاعتماد المفرط على النفط، وفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
حكم عفاش لم يكن مجرد إدارة خاطئة، بل كان مشهدًا متكاملًا من التخريب المنهجي، والارتباطات السرية مع قوى إقليمية ودولية، ونهب الثروات العامة، وتوظيف الدولة لخدمة مصالح شخصية وحزبية ضيقة.
استجداء المساعدات والمنح الدولية
في مؤتمر لندن للمانحين عام 2006، حصلت اليمن على تعهدات مالية تجاوزت أربعة مليارات دولار، إلا أن سوء الإدارة والفساد المستشري في حكم الهالك عفاش وعائلته حال دون الاستفادة الفعلية من هذه الأموال.
هذا الواقع يُظهر بوضوح أنه بدل بناء اقتصاد قوي ومستدام، ظلّت حكومة عفاش تراهن على المساعدات الخارجية لسد عجز الموازنة، ما عزز تبعية البلاد للمنظمات الدولية والدول المانحة. ومع ذلك، لم تُحل مشاكل البطالة والفقر، بل زاد اعتماد الدولة على القروض والمنح، وهو ما رسّخ نموذجًا هشًا واقتصادًا ضعيفًا وعرضة للأزمات.
اعتماد كامل على النفط فقط
شهدت اليمن، خلال حكم عفاش، اعتمادًا شبه كامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، ما جعل الاقتصاد هشًا ومفتوحًا على الصدمات الخارجية.. هذا التركيز على النفط لم يُصاحبه بناء قاعدة إنتاجية أو ضريبية بديلة، بل استُخدمت العائدات بشكل أساسي لتغطية النفقات الخاصة بالعائلة وتعزيز الولاءات السياسية، تاركة البلاد عرضة لأي تقلب في الأسواق.. وهنا نجد أن:
- عائدات النفط شكلت نحو 90% من الصادرات وحوالي ثلاثة أرباع إيرادات الدولة، دون بناء قاعدة إنتاجية أو ضريبية بديلة.
- هذا الاعتماد المفرط جعل اليمن عرضة لأي تقلب في أسعار النفط أو انخفاض الإنتاج، حيث كان أي هبوط سريع ينعكس مباشرة على الرواتب والدعم والخدمات الأساسية.
- لم يُستثمر جزء كبير من هذه العائدات في مشاريع تنموية أو بنية تحتية، بل استُخدمت كأداة للحفاظ على الولاءات السياسية وتعزيز النفوذ الشخصي.
فقر وبطالة
الأوضاع المعيشية في اليمن خلال حكم الهالك عفاش كانت شاهدة على هشاشة حقيقية في إدارة الاقتصاد والاجتماع، حيث انعكس الفشل الحكومي مباشرة على حياة المواطنين، وزاد من معاناتهم اليومية، خاصة في ظل غياب برامج حماية اجتماعية فعّالة.. ويمكن تلخيص أبرز مظاهر هذه الأزمة فيما يلي:
- تشير تقارير البنك الدولي إلى أن نسبة الفقراء بلغت قرابة 35% عام 2005/2006، رغم العائدات النفطية الضخمة.
- ظلّت البطالة في المدن تتصاعد بشكل ملحوظ، خاصة بين الشباب.
- مع أزمات الغذاء والوقود بين 2007 و2009، ظهرت هشاشة شبكات الحماية الاجتماعية الحكومية، التي لم تستطع تخفيف الصدمات المعيشية عن السكان.
فساد ممنهج يلتهم الموارد
على مدى عقود، لم يكن الفساد مجرد حالة فردية أو تجاوزات متفرقة، بل أصبح وحشاً يلتهم الموارد الوطنية ويقوض أي فرصة للتنمية المستدامة.. فبدلاً من أن تُستثمر عائدات البلاد في مشاريع حيوية تعود بالنفع على الشعب، تحولت هذه الموارد إلى أداة لتوطيد الولاءات السياسية وتمويل النفقات غير المنتجة، بما يعكس حجم الانهيار المؤسسي والاقتصادي الذي شهدته اليمن.
- سيطر الفساد على كل مستويات الحكم، وتوسعت شبكات المحسوبية وهروب رؤوس الأموال، عوضًا عن توجيه العائدات النفطية للاستثمار في مشاريع منتجة.
- جزء كبير من الأموال ذهب إلى نفقات جارية ورواتب سياسية لتعزيز الولاءات على حساب التنمية.
- الوثائق والتحقيقات الدولية تكشف أن عائدات النفط كانت تُحوّل إلى بنوك خارجية بدلاً من البنك المركزي اليمني، مما أدى إلى تدهور العملة المحلية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
تفاصيل أبرز عمليات الفساد تحت حكم عفاش:
خلال فترة حكم عفاش، لم يكن الفساد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح نظامًا ممنهجًا ينهب ثروات اليمن ويعيق أي مسار للتنمية الحقيقية.. فقد تحوّل المال العام إلى أداة للثراء الشخصي لعفاش وعائلته وحاشيته، بينما ظل المواطن يدفع ثمن هذا العبث الاقتصادي والسياسي.. وهذه أبرز مظاهر هذا الفساد المنظم:
- نهب عائدات النفط: تقدّر بنحو 500 مليار دولار لم تُستثمر في مشاريع وطنية.
- خصخصة مؤسسات الدولة الحيوية: مثل الخطوط الجوية اليمنية ومؤسسة المياه في عدن، بحجة جذب الاستثمار، لكن الواقع كان تحويلها إلى ملكية خاصة للشبكات النافذة خارج الأطر القانونية.
- تحويل الأموال إلى حسابات خارجية: في دبي وسويسرا، وفق تحقيقات نيويورك تايمز ولجنة مكافحة الفساد اليمنية.
- عرقلة المشاريع التنموية: مثل مشاريع التمكين الشبابي في الحديدة، ورفض عروض استثمارية روسية مقابل طلب عمولات غير قانونية تصل إلى 30% من قيمة العقود.
- تلاعب بالمساعدات والمنح الدولية: المساعدات المالية الكبيرة، مثل تعهدات مؤتمر لندن للمانحين 2006 بمبلغ أكثر من أربعة مليارات دولار، لم تُستثمر بشكل فعال، بل استُخدمت لسد العجز المالي المؤقت.
العمالة والخيانة.. ارتباطات سرية مع العدو
- كشف تحقيق صحفي لمجلة Foreign Policy (2016) عن علاقات سرية بين الهالك عفاش وكيان العدو الإسرائيلي عبر وسطاء إماراتيين وأردنيين، تضمنت صفقات عسكرية وتقنية – كانت لا تخلوا من فساد وسرقة لأموا ل الشعب.
- في منتصف التسعينات، بدأ التطبيع الثقافي تحت غطاء “ملف الفن والتراث اليهودي”، وسُمح بإنشاء مراكز تنصت إسرائيلية في سقطرى وجزيرة ميون تحت أسماء مزيفة مثل “مراكز بيئية” أو “محطات طقس”، رافقها دعم مالي وعسكري للهالك.
- تم التواطؤ مع القوات الأمريكية والإسرائيلية في المياه الإقليمية اليمنية واعتقال وقتل صيادين يمنيين، كما أكد ضباط سابقون، وكل هذا كان بمقابل.
- وثائق ويكيليكس كشفت تدخل السفارة الأمريكية في صنعاء في شؤون الدولة، بما في ذلك تعيينات الوزراء، لضمان استمرار سياسات الارتهان والخيانة.
النتائج الكارثية: مجتمع مثقل وأزمة متفاقمة
خلال حكم عفاش، كان المجتمع اليمني يتحمّل عبء أزمة متصاعدة ومجتمع مثقل بالفقر والبطالة والارتهان للمساعدات:
- تراجع مفاجئ ومستمر في إيرادات النفط أدى إلى توقف الرواتب وتدهور الخدمات الأساسية.
- كانت الطبقات الأضعف الأكثر تضررًا من الفساد والهدر المنهجي للثروات الوطنية.
- اليمن أصبح رهينة شبه كاملة للمساعدات والقروض الخارجية، مع اعتماد مستمر على الدعم الدولي لتغطية العجز المالي الحكومي.
- الوعي الشعبي خُدع عبر شعارات كاذبة حول التنمية والاستقرار، بينما كانت البلاد تُدار بمخططات سرية لصالح الخارج ومصالح شخصية ضيقة.
إرث الهالك عفاش
إن سجل حكم عفاش هو نموذج كامل لإدارة فاشلة، فساد ممنهج، نهب للثروات، واعتماد كامل على النفط والمساعدات الخارجية.
هذا الإرث أدى إلى مجتمع هش، اقتصاد منهار، فقر متفشي، بطالة مرتفعة، واتباع أدوات خارجية داخليًا، وهو ما يُفسّر المعاناة المستمرة للشعب اليمني حتى اليوم، ويُبرز أهمية المواجهة الوطنية لاستعادة السيادة والقرار الاقتصادي والاجتماعي.
درس الوطن من إدارة فاشلة
إن التاريخ الاقتصادي لليمن تحت حكم عفاش يُظهر كيف يمكن للفساد والإدارة غير المسؤولة أن تدمر دولة بأكملها.
اليمنيون اليوم أمام تحدٍ كبير لاستعادة اقتصادهم الوطني، بناء مؤسسات قوية، وحماية موارد البلاد من العودة إلى نمط الهدر والارتهان، مع استلهام الدروس من الماضي لتجنب تكرار مأساة الفقر والبطالة والتبعية.






