شبكة الخيانة العفاشية.. مشروع التطبيع الصامت من علي عبدالله صالح إلى ورثته وأتباعه

21 سبتمبر/ تقرير خاص
شكل التطبيع الصامت مع العدو الإسرائيلي واحدة من أخطر السياسات التي انتهجها علي عبدالله صالح خلال حكمه، مسار لم يعكس إرادة اليمنيين ولا مصالح الدولة، بل كان مشروعًا شخصيًا لزعيم الخيانة، يسعى من خلاله لتوسيع نفوذه واستغلال مؤسسات الدولة لخدمة أجندات خارجية. لم يقتصر هذا المشروع على الأبعاد السياسية فقط، بل امتد إلى المجالات العسكرية والأمنية والثقافية، معززًا شبكة علاقات استخباراتية مع الكيان الصهيوني تجاوزت أي إطار رسمي.
بعد هلاك الخائن عفاش، استمرت ذرية العائلة وأتباعه في السير على هذا الطريق، مستفيدين من البنية التحتية التي أسسها، ومحاولين تعزيز مصالح العدو على الأرض اليمنية، فيما يظل الشعب اليمني خارج هذا المسار، لا يعبر عنه ولا يوافق عليه. يهدف هذا التقرير إلى تحليل جذور هذا المشروع، وكشف أبعاده الاستخباراتية والسياسية والاقتصادية، من بداياته حتى استمرار نفوذه في المرحلة الراهنة.
جذور وأبعاد التطبيع العفاشي
شكل التطبيع الصامت مع العدو الإسرائيلي مشروعًا شخصيًا للهالك علي عبدالله صالح، يهدف لتعزيز نفوذه واستغلال مؤسسات الدولة لأجندات خارجية. بعد هلاكه، واصل ذرية العائلة وأتباعه هذا المسار، مستفيدين من البنية الاستخباراتية والسياسية التي أسسها، بينما يظل الشعب اليمني بعيدًا عن هذه السياسات ومتمسكًا بخيار المقاومة والاستقلال الوطني.
لم يكن هذا المسار وليد الصدفة، بل نتاج ارتباط مبكر مع أجهزة الاستخبارات الصهيونية، تجلى منذ لقائه في أسمرة عام 1972 بضباط الموساد، ما مهد لبناء شبكة نفوذ سرية وظف من خلالها السياسة والاقتصاد والقانون لصالح العدو. هذه الشبكة انتقلت بسلاسة إلى أيدي الورثة والأتباع، الذين طوروها لتصبح أكثر سرية وفاعلية.
عفاش: مهندس التطبيع الخفي
شكل الهالك علي عبدالله صالح، منذ بدايات صعوده السياسي، الشخصية المحورية في تأسيس ما يمكن تسميته بمسار التطبيع الصهيوني في اليمن. لم يكن هذا المسار يعكس إرادة اليمنيين أو المصلحة الوطنية، بل كان مشروعًا شخصيًا استراتيجيًا يسعى من خلاله صالح لتوسيع نفوذه واستغلال مؤسسات الدولة لتحقيق مصالحه وأجندات خارجية.
منذ عام 1973، لجأ صالح إلى الموساد في أسمرة لضمان نفوذه السياسي، وهي خطوة أظهرت اعتماده المبكر على قوى خارجية لتعزيز موقعه في معسكر خالد بالمخا، حيث تم تعيين ضباط موساد لحمايته أثناء قيادته للمعسكر، وهو ما يعكس طبيعة المشروع الخفي والممنهج الذي أراد صالح ترسيخه.
امتد هذا المسار ليشمل شبكة من التحركات الاستراتيجية التي تجاوزت الأبعاد السياسية إلى العسكرية والاستخباراتية. فقد ارتبط الهالك صالح منذ نهاية الثمانينات بصفقات إسرائيلية، أبرزها ملف “أستير”، المتعلق بإعادة توطين الصهاينة وحصر ممتلكاتهم، في خطوة تؤكد استغلاله القانون والسياسة لمصلحة أجندات خارجية. كما عدّل قانون الهجرة عام 1991 للسماح بسفر اليهود والصهاينة ومنع السفر إلى فلسطين، بينما كان الشعب اليمني منغمسًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يظهر التناقض الصارخ بين المشروع الشخصي للهالك صالح ومصالح اليمنيين.
لم يقتصر التطبيع على السياسة والقوانين، بل تجاوز ذلك إلى القمع السياسي والمناورة الإعلامية. فقد استهدف صالح حركة حماس وقمع المظاهرات الشعبية المؤيدة لفلسطين في الأعوام 2002 و2009 و2010، وأوقف منابر الجمعة التي كانت تتناول فضائح الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة واضحة لتطويع الرأي العام ومنع أي صوت وطني من فضح الخيانة. وفي المجال الثقافي، أطلق الهالك مشاريع تحت عنوان الفن والتراث اليهودي منتصف التسعينات، مستخدمًا الثقافة والفعاليات التراثية كغطاء لتبييض العلاقات مع العدو.
على الصعيد الدولي، شهدت هذه الفترة لقاءات مباشرة مع قيادات صهيونية بارزة، بما في ذلك شمعون بيريز، وتسهيل دخول ضباط إسرائيليين إلى اليمن تحت غطاء لجنة أردنية لمراقبة التهدية في عام 1994. كذلك حصل الهالك على صفقة سلاح إسرائيلية، بينما سمحت الاتفاقيات اليمنية الأمريكية بتمكين الاحتلال الإسرائيلي من أرخبيل حنيش عام 1996، مما أتاح للعدو النفوذ العسكري المباشر على أراضٍ استراتيجية يمنية.
تظهر هذه التحركات أن الهالك صالح لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل مهندسًا خفيًا لمسار التطبيع، أسس شبكة استخباراتية وأدوات استراتيجية مكّنت من استمرار هذا المسار بعد وفاته عبر ذرية العائلة وأتباعه، الذين واصلوا تطوير قنوات الاتصال الاستخباراتية مع جهات صهيونية تحت غطاء مشاريع تجارية وثقافية، مؤكدين أن المشروع لم يكن عابرًا، بل خطة طويلة المدى لتأمين مصالح العدو على الأرض اليمنية.

إعادة تشغيل شبكة التطبيع
بعد سقوط الهالك علي عبدالله صالح، لم تتوقف عجلة التطبيع التي وضع أسسها، بل استمرت عبر أبنائه وأتباعه من بقايا النظام المعروفين بـ”العفافيش”. الإرث السياسي والاستخباراتي والثقافي الذي تركه وفّر قاعدة متينة لورثته، الذين عملوا على إعادة تفعيله لخدمة أجندات الكيان الصهيوني في اليمن، مستخدمين ذات القنوات والعلاقات التي نسجها صالح على مدى عقود. وبينما ظل الشعب اليمني على موقفه الثابت الرافض للتطبيع والمتمسك بخيار المقاومة، تحوّلت وراثة الخيانة إلى مشروع طويل الأمد يتطور في السر، بأدوات جديدة ووجوه مألوفة.
ضمن هذا المسار، برزت تحركات إماراتية ـ إسرائيلية لإعادة نجل الهالك، أحمد علي عبدالله صالح، إلى المشهد السياسي بصفته “القائد المنقذ”، في محاولة لتسويقه كواجهة بديلة تقود مشروع التطبيع بعد فشل مخططات سابقة. يتم ذلك عبر تلميع صورته في الإعلام الموالي، وحشد ما تبقى من القيادات العفاشية لتوحيد صفوفهم خلفه، ضمن مخطط أمريكي ـ إسرائيلي يستهدف بالدرجة الأولى تفكيك الجبهة الداخلية في صنعاء، خاصة في ظل موقفها الداعم والمساند لغزة.
التحرك يهدف إلى خلق بؤر ارتباك وانقسام داخل الصف الوطني، بما يخدم أجندة واشنطن وتل أبيب في إضعاف مركز القرار اليمني وتشتيته عن معركة مواجهة الاحتلال. إلا أن هذه المحاولة وُوجهت برفض وفضح مبكر من صنعاء، التي أصدرت أحكامًا قضائية بإعدام أحمد علي بعد إدانته بالخيانة العظمى والتعاون مع العدو ضد أبناء شعبه، لتغلق بذلك الباب أمام عودته الرسمية، وتكشف عن طبيعة المخطط الخارجي الذي يقف خلفه.
آل عفاش: ورثة مسار التطبيع
ذرية الهالك وأتباعه لم يكتفوا بالتمسك بالميراث السياسي، بل طوروا المسار ليصبح أكثر دقة وفاعلية. تحت هذا الميراث، لعب الخائن أحمد علي عبدالله صالح، نجل الهالك، دورًا محوريًا في إعادة تنشيط قنوات التطبيع، بتوجيه إماراتي مباشر، حيث تم تجنيده ليكون رجل المرحلة القادمة لحمل لواء المشروع الصهيوني في اليمن، وتحويل صورته الإعلامية إلى شخصية قيادية مزيفة تنقذ اليمن، بينما الهدف الحقيقي هو استمرار مسار التطبيع الذي بدأه والده. وإلى جانبه، تورط أتباع العائلة في إدارة مشاريع اقتصادية وثقافية ووسائل إعلام موالية، تعمل جميعها على تهيئة الأرضية لاستمرار النفوذ الصهيوني، في حين تُدار شبكة اتصالات سياسية واستخباراتية سرية تحت غطاء النشاطات التجارية والثقافية، ما يعكس استراتيجية وراثية منظمة للخيانة.
الخائن طارق عفاش، نجل شقيق الهالك، كان الأسرع في إظهار استعداده للتقارب مع الكيان الصهيوني. فقد أعلن صراحة استعداده للانخراط في معركة الدفاع عن الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر، في خطوة تعكس استعدادًا لخدمة المصالح الإسرائيلية في واحدة من أهم الممرات المائية في العالم. ويمثل ذلك امتدادًا مباشرًا لسياسة والده وأسرته في تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية التي تدعم النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
وبتمويل سخي من العدو الإماراتي، يعمل طارق صالح على إنشاء منطقة عازلة في باب المندب والمخا، لتأمين مرور السفن الإسرائيلية وحمايتها، فضلًا عن توفير بيئة آمنة لانتشار القواعد العسكرية والأمنية التي يخطط الكيان الصهيوني والإمارات لإقامتها في عدد من الجزر اليمنية الاستراتيجية مثل ميون وسقطرى، على امتداد البحرين العربي والأحمر. هذا المخطط لا يهدف فقط لتأمين الملاحة الإسرائيلية، بل لإحكام السيطرة على أهم النقاط الجيوسياسية التي تشكل العمود الفقري للتجارة العالمية وطرق الإمداد العسكري، ما يجعل من هذه المشاريع خطرًا وجوديًا على سيادة اليمن وأمنه القومي.
النشاط الاستخباراتي وأدوات التنفيذ
في إطار إعادة تشغيل شبكة التطبيع، برز دور العمار والأدوات الاستخباراتية العملية التي وضعت على الأرض، إذ أصبحت الأجهزة الأمنية والعسكرية التي أسسها الهالك منصة لتجنيد عملاء محليين، ورصد مواقع استراتيجية، وتسهيل مرور المعلومات والمصالح الصهيونية. تم إنشاء قواعد استخباراتية في المخا والجزر اليمنية، مثل ميون وسقطرى، لتسهيل المراقبة والتحكم في الممرات البحرية الحيوية. كما واصلت بعض القيادات استقبال شخصيات مرتبطة بمصالح إسرائيلية، تحت غطاء مشاريع استثمارية وسياحية، بينما تم توجيه التدريب والتطوير لبعض الضباط الذين كانوا على اتصال مباشر بالكيان الصهيوني سابقًا. كل هذه الأدوات العملية تجعل شبكة التطبيع أكثر فاعلية وعمقًا بعد هلاك الهالك، وتظهر أن الورثة والأتباع لم يكونوا مجرد امتداد شكلي، بل استراتيجية مكتملة لتعزيز مصالح العدو على الأرض اليمنية.
إن مسار التطبيع الصامت مع العدو الإسرائيلي الذي أرساه علي عبدالله صالح، وواصلته ذريته وأتباعه، يمثل خيانة عظمى لإرادة الشعب اليمني ومصالحه الوطنية. هذا المشروع لم يكن مجرد سياسات فردية، بل استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تمكين الاحتلال الصهيوني من الأراضي اليمنية، وتفكيك الهوية الوطنية.
إن الشعب اليمني، برغم محاولات التمويه والتغطية، ظل صامدًا في مقاومته لهذا المشروع الخياني، متمسكًا بثوابته الوطنية والقومية. ويجب على الأجيال القادمة أن تكون على وعي تام بهذه المؤامرات، وأن تعمل على تعزيز الوحدة الوطنية، والحفاظ على السيادة والاستقلال، وعدم السماح لأي جهة كانت بالمساس بمقدرات الوطن.









