انكشاف الكيان الصهيوني وتآكل الحماية الأمريكية.. مشهد السقوط يتسارع
انكشاف الكيان الصهيوني وتآكل الحماية الأمريكية.. مشهد السقوط يتسارع

21 سبتمبر/ تحليل خاص
منذ لحظة ولادته المشؤومة، لم يكن العدو الصهيوني كياناً طبيعياً أو ذاتياً، بل أداة وظيفية لصالح المشروع الاستعماري الغربي، أُوكلت إليه مهام محددة: ضرب حركات التحرر الوطني، تمزيق وحدة الأمة، تأمين منابع الطاقة والممرات الاستراتيجية، وإبقاء المنطقة تحت الهيمنة الغربية. ولأداء هذه المهام، مُنح العدو الصهيوني دعماً غربياً مطلقاً، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وعلى رأس هذا الدعم: الحماية الأمريكية.
لكن بعد أكثر من سبعة عقود من الدعم والحروب، ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وبروز قوى المقاومة من بيروت إلى صنعاء، بدأت تلك الوظيفة تتآكل، وظهرت تصدعات في جدران “الهيبة الصهيونية”، لتبدأ مرحلة تاريخية جديدة من الانكشاف والانحدار.
من نكسة إلى طوفان.. انتقال مركز القوة
في حرب حزيران 1967م، اجتاح العدو الصهيوني ثلاث دول عربية في ستة أيام، واحتل الضفة وسيناء والجولان، في مشهدٍ تجلّت فيه الحماية الغربية بأوضح صورها.
أما اليوم، فبعد نحو 58 عاماً على تلك النكسة، يعجز العدو الصهيوني عن كسر فصائل محاصرة في قطاع غزة، رغم المجازر اليومية، والأسلحة الفتاكة، والدعم الأمريكي المفتوح.
عملية “طوفان الأقصى” التي دشّنها أبطال المقاومة في 7 أكتوبر 2023، لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة فاصلة في تاريخ الصراع.. هذه العملية كسرت أسطورة الردع الصهيوني، وأسقطت قناع “الجيش الذي لا يُقهر”، وأدخلت الكيان في أطول وأعمق حرب استنزاف شاملة في تاريخه.
الحماية الأمريكية… من الضامن إلى العاجز
على مدار عقود، كان التدخل الأمريكي الضامن الأول لبقاء العدو الصهيوني، من العدوان الثلاثي عام 1956، إلى الدعم المباشر في تموز 2006، إلى غرف العمليات المشتركة خلال الحروب على غزة.
غير أن التطورات الأخيرة كشفت تراجع الدور الأمريكي، وتحول واشنطن من طرف حاسم إلى حليف مربك يتردد في التدخل المباشر، ويخشى تداعيات الدخول في صراعات مفتوحة.
لقد تجلى هذا التحول مع الرد الإيراني على العدوان الصهيوني الأمريكي الأخير، حين قصفت طهران قاعدة العديد الجوية في قطر، أهم قاعدة أمريكية في المنطقة، كرد مباشر على العدوان المشترك الذي استهدف منشآتها النووية.. حينها لم تجرؤ واشنطن على خوض مواجهة شاملة، رغم استهداف قواعدها، واكتفت بردود إعلامية كاذبة، تعكس حسابات الانكفاء والتراجع.
وفي اليمن، ورغم الضربات الأمريكية على صنعاء، إلا أن القوات المسلحة اليمنية تمكّنت من مواصلة استهداف عمق العدو الصهيوني، كما في ضربة مطار بن غوريون في مايو 2025، التي فضحت فشل مظلة الحماية الأمريكية، وبيّنت أن الردع بات بيد محور المقاومة.
الدور الإيراني وعمليات “الوعد الصادق”: ردع استراتيجي يتصاعد
في خضم هذه التحولات، يبرز الدور الإيراني كقلب نابض للمقاومة ومصدر قوة استراتيجية غير مسبوق، تجلّى بشكل واضح في سلسلة عمليات “الوعد الصادق” التي وجهت ضربات قاصمة للعدو الصهيوني والوجود الأمريكي في المنطقة.
وقد شكّلت عملية الوعد الصادق 3 التي نفذها الحرس الثوري الإيراني نقلة نوعية في ميدان المواجهة، لا سيما مع تنفيذ عملية “بشائر الفتح” التي استهدفت بشكل مباشر قواعد العدو في الخليج العربي، وعلى رأسها قاعدة “العديد” الجوية في قطر، والتي تُعد أكبر مركز قيادة أمريكي في المنطقة. هذه الضربة لم تكن فقط استهدافاً عسكرياً دقيقاً، بل صدمة استراتيجية قيدت الكثير من العمليات الأمريكية في الإقليم، وأربكت الخطط الصهيونية وأظهرت هشاشة منظومة الحماية الغربية.
تلك العمليات ليست ردود فعل عسكرية فحسب، بل رسائل حاسمة إلى المحور الغربي الصهيوني مفادها أن زمن التحرك بحرية مطلقة في المنطقة قد انتهى. فعمليات “الوعد الصادق” المتكررة تعكس تحوّلاً جذرياً في طبيعة المقاومة، التي لم تعد تكتفي بالدفاع بل انتقلت إلى الهجوم الاستراتيجي، مستهدفة العمق الحيوي للعدو، ومُفكّكة منظومات الحماية الأمريكية والصهيونية.
هذا الدور الإيراني المتقدم يعكس قدرة محور المقاومة على خلق معادلات ردع جديدة، تعادل بين القوة العسكرية والسياسية، وتزيد من تعقيد المشهد الأمني للعدو الصهيوني، ما يضعف قواه ويُعمّق أزمته في ساحة المعركة.
الدور اليمني الميداني… قوة ردع استراتيجية لا يُستهان بها في عمق المعركة
يمثل الدور اليمني اليوم ركيزةً أساسية ومتكاملة في مسار محور المقاومة، فهو العمق الحيوي الذي يُواجه العدوان الصهيوني والأمريكي على امتداد ساحات المواجهة، ويثبت يومياً أن المعركة ليست محصورة بمناطق جغرافية ضيقة، بل امتدت لتشمل جبهات متعددة تشكل معادلات قوة جديدة تُربك أعداء الأمة.
لقد أثبتت العمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية، وخصوصاً استهداف العمق الاستراتيجي للعدو، كعملية مطار بن غوريون التي شكلت نقطة تحول نوعية في الصراع، مدى القدرة العالية على تجاوز الخطوط الحمراء وفرض واقع جديد على موازين القوى.
ولم تقتصر هذه العمليات على الأراضي المحتلة فحسب، بل شملت استهداف السفن والبوارج الحربية الأمريكية في البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، ما كشف هشاشة الحصانات الأمنية الأمريكية والصهيونية، وأكد أن اليمن أصبح قوة ردع إقليمية قادرة على التأثير في مراكز القرار والاستراتيجية للعدو.
هذه العمليات ليست مجرد ردود فعل تكتيكية، بل تمثل استراتيجية متقدمة تعيد تشكيل خارطة الصراع، وتفرض معادلات قوة جديدة تقلب موازين القوى، وتُربك الخطط الأمريكية والصهيونية التي كانت تعتمد على التفوق العسكري والسيطرة المطلقة.
إن استمرار هذه العمليات رغم الحصار الخانق والعدوان المتواصل يظهر إرادة فولاذية وتصميماً لا يُقهَر، يعكس قدرة اليمن على استنزاف العدو وتكبيده خسائر فادحة في بنيته الأمنية والعسكرية، ما يرفع من شأن اليمن كشريك لا غنى عنه في محور المقاومة، وقوة ردع متقدمة تُسهم بشكل مباشر في حماية القضية الفلسطينية ومواجهة المشروع الاستعماري في المنطقة.
انكسار وظيفة الكيان.. وصعود المحور
اليوم، لم يعد العدو الصهيوني قادراً على أداء دوره الوظيفي الأصلي، فبدلاً من أن يكون أداةً للهيمنة، أصبح عبئاً أمنياً على الغرب، يتطلب حماية دائمة وتدخلاً متكرراً، دون نتائج حاسمة، كما لم يعد قادراً على حسم المعارك أو خوض حروب برية، ولا حتى إدارة صورة نصر إعلامي في غزة أو جنوب لبنان، أو مواجهة فاعل صاعد كاليمن.
في المقابل، نرى تصاعد قدرات محور المقاومة، كمحور متكامل، متعدد الجبهات والقدرات، يمتد من طهران إلى غزة، ومن الضاحية إلى صنعاء. يملك هذا المحور من الإمكانات الصاروخية، والتقنية، والميدانية، ما جعل العدو مكشوفاً، وأمريكا عاجزة عن تغطيته.
النظام العالمي يتغيّر.. وأمريكا في طور الانكفاء
لم يعد الانكشاف الصهيوني مجرد فشل عسكري، بل هو مؤشر على تراجع شامل في هيمنة المنظومة الغربية، لقد انتهى عهد الأحادية القطبية، وبدأت مرحلة انتقالية في النظام الدولي، تقودها قوى حرة تتبنى خيار الاستقلال والمقاومة، وتبني تحالفاتها على أساس الندية والمصالح لا الخضوع.
وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن الدخول في حروب كبرى كما في أفغانستان والعراق، فإن خياراتها في دعم العدو الصهيوني تتقلص يوماً بعد آخر.. فالحرب على غزة استنزفت العدو، والرد الإيراني أربك الأمريكي، والضربات اليمنية قلبت المعادلات.
خلاصة المشهد: كيانٌ مأزوم وحماية متآكلة
إن ما نراه اليوم هو مشهد انحدار تدريجي للمشروع الصهيوني، لم يعد يجد حوله حلفاء فاعلين، بل حلفاء يترددون في دفع الكلفة، ومع كل حرب، تتسع الهوة بين الحاجة إلى الحماية الأمريكية، وبين قدرة أمريكا على توفيرها.
وإذا استمر هذا المسار، فإن العدو الصهيوني سيجد نفسه مكشوفاً تماماً في مواجهة قوى مقاومة متطورة، قادرة على نقل الحرب إلى عمقه، وشل اقتصاده، وتعطيل مفاعيله الاستراتيجية. وما كان يُروّج كحصنٍ آمنٍ للغرب، يتحوّل اليوم إلى ثغرة أمنية داخل معسكره.













