اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

 السيد قائد الثورة ينهي مناورات واشنطن والرياض: تفكيك الحصار واقتلاع الاحتلال استحقاق حتمي تصوغه خيارات الردع العسكري العابر للحدود

21 سبتمبر / تقرير خاص

يأتي الخطاب الأخير لقائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، لينهي حقبة الرهانات الدبلوماسية العقيمة ويضع خطوطاً حمراء قاطعة أمام قوى الاستكبار العالمي بقيادة واشنطن والرياض. لم يكن الخطاب مجرد استعراض سياسي للمشهد، بل حمل أبعاداً عسكرية واستراتيجية حاسمة نقلت الموقف اليمني من صيغة الثبات الدفاعي إلى هجومية فرض المعادلات ونزع الحقوق السيادية. إن هذا التحول يعكس القراءة الواعية لصنعاء التي تدرك أن المماطلة الأمريكية-السعودية في تنفيذ استحقاقات السلام والملف الإنساني، ليست إلا مناورة لإعادة ترتيب الأوراق، وهو ما لم تعد تقبل به القيادة الثورية في ظل تنامي قدرات الردع الميدانية.

تُفكك البنية التحليلية للخطاب محاولات واشنطن والرياض للفصل بين استحقاقات الداخل اليمني وملفات المنطقة؛ حيث أعاد السيد القائد صياغة معادلة “السيادة الكاملة” بربطها المباشر بإنهاء الحصار الشامل ورحيل القوات الأجنبية من كافة المحافظات والجزر المحتلة. إن التأكيد على تحرك الشعب اليمني للخلاص بكل الوسائل المشروعة، أسقط كل محاولات فرض حالة “لا حرب ولا سلم” التي يسعى تحالف العدوان لتكريسها لإنهاك الاقتصاد اليمني. هذا الموقف يضع تحالف العدوان وأدواته من الخونة والمرتزقة في “حكومة الفنادق” أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإذعان لحقوق الشعب اليمني، أو مواجهة جولات تصعيد عسكرية ستتجاوز جغرافيتها الحدود التقليدية لتطال عمق مصالحهم الحيوية والاستراتيجية.

لاءات صنعاء: حتمية خيار المواجهة لكسر الحصار والاحتلال

يضع السيد عبدالملك الحوثي حداً قاطعاً لمناورات النظام السعودي المسنود أمريكياً، معلناً بوضوح: “نؤكد أننا كشعب يمني لن نقبل باستمرار العدوان والاحتلال والحصار الأمريكي، السعودي على بلدنا وسنتحرك في إطار موقفنا الحق وقضيتنا العادلة ومظلوميتنا الواضحة للخلاص من ذلك بكل الوسائل المشروعة حتى ينعم شعبنا العزيز بالحرية الكاملة والاستقلال التام والعيش بكرامة ويستعيد ثرواته الوطنية وكامل حقوقه المشروعة”. هذا التحذير المباشر ينطلق من واقع ميداني يرفض القبول بحالة الركود السياسي التي تحاول الرياض فرضها عبر المماطلة في تسوية الملف الإنساني، وصرف المرتبات من عائدات النفط والغاز اليمني، ورفع الحظر الشامل عن مطار صنعاء الدولي وموانئ الحديدة.

ميدانياً، تترجم القوات المسلحة اليمنية هذا الموقف الصارم عبر معادلة ردع اقتصادية وعسكرية أثبتت نجاعتها؛ حيث فرضت صنعاء حظراً عسكرياً شاملاً على تصدير النفط اليمني الخام المسروق منذ عمليات تحذير مينائي “الضبة” في حضرموت و”قنا” في شبوة بأكتوبر ونوفمبر 2022، واضعةً فيتو عسكرياً يمنع المرتزقة والتحالف من نهب ثروات الشعب السيادية بينما يعاني المواطن من انقطاع المرتبات. إن الموقف الحالي يؤسس لمرحلة تفوق هذه القواعد، بالتلويح المباشر باستهداف المنشآت الحيوية والاقتصادية في عمق دول العدوان إذا استمر الحصار الاقتصادي والمؤامرات الأمريكية على البنوك والمصارف في صنعاء.

يتكامل هذا المنطلق مع رفض أي صيغة عسكرية لبقاء القوات الأجنبية في الجزر والمحافظات المحتلة، حيث تشترط صنعاء رحيل القوات الأمريكية والبريطانية والسعودية والإماراتية بشكل كامل كبند غير قابل للنقاش في أي تسوية. إن المخططات التي ترصدها الأجهزة الاستخباراتية لصنعاء بشأن بناء قواعد عسكرية أجنبية في جزر “سقطرى” و”ميون” أو التواجد العسكري في منابع النفط بحضرموت، تقابل اليوم بقرار قيادي حاسم يعتبر هذه القوات أهدافاً مشروعة ومباشرة لعمليات عسكرية قادمة تستهدف انتزاع الاستقلال التام بقوة السلاح.

الحصن الداخلي: ركائز التعبئة العامة والتلاحم الشعبي ضد الاختراق

تمثل دعوة قائد الثورة لأبناء الشعب اليمني إلى “رص الصفوف والحفاظ على الجبهة الداخلية وتماسكها وروحية النفير العام والتعاون على البر والتقوى والاستمرار بنشاط واهتمام في المبادرات الاجتماعية والعناية القصوى بالدورات العسكرية والتعبئة العامة” صمام الأمان والركيزة الأساسية التي أفشلت مراهنات الأعداء العسكرية والأمنية. يدرك تحالف العدوان، بعد إخفاقه العسكري الذريع في جبهات المواجهة، أن ورقة إثارة الفتن الداخلية وتأليب الرأي العام عبر “الحرب الناعمة” والتآمر الاقتصادي والنفسي هي ملاذه الأخير، وجاءت هذه الموجهات لتحصين المجتمع اليمني ورفع مستوى الوعي الشعبي لمواجهة هذه المؤامرات وإسناد القرار العسكري.

يتجلى الرد العملي على هذه الموجهات في الزخم الشعبي غير المسبوق الذي تشهده ساحات التعبئة العامة والدورات العسكرية المفتوحة لقوات التعبئة (طوفان الأقصى)، والتي انخرط فيها مئات الآلاف من المواطنين والقبائل اليمنية في مختلف المحافظات الحرة. هذا النفير العام والالتحاق الواسع بالمعسكرات التدريبية لا يعكس فقط الالتفاف الشعبي المطلق حول القيادة، بل يرفد القوات المسلحة بحشود بشرية مدربة ومؤهلة عسكرياً ومعنوياً، قادرة على الانتشار في مختلف جبهات الدفاع عن الوطن والتعامل مع أي تصعيد عسكري قد يقدم عليه العدوان وأدواته من المرتزقة.

كما يسهم هذا التلاحم الشعبي والوقوف القبلي الواسع في شل حركة الطابور الخامس وأدوات الخيانة التي تبث الشائعات وتحاول زعزعة الأمن الداخلي لصالح قوى العدوان المتربصة. إن التنسيق الوثيق بين الأجهزة الأمنية والوعي القبلي والمجتمعي شكّل شبكة أمان معقدة أحبطت عشرات الخلايا التخريبية المقاتلة والناعمة التي أدارتها الاستخبارات السعودية والأمريكية، مما جعل الجبهة الداخلية قاعدة صلبة ومستقرة ينطلق منها القرار السياسي والعسكري بثقة واقتدار.

جيوسياسية الردع وتكامل محور المقاومة

ينتقل الخطاب بالدور اليمني من النطاق المحلي إلى الإقليمي بـتأكيده على “التنسيق المستمر مع إخوتنا في محور الجهاد والمقاومة تجاه أي جولة جديدة ولن نتردد في أداء واجبنا الإسلامي في الجهاد في سبيل الله والتصدي لأعداء الأمة في أي تصعيد عدواني جديد يقومون به في أي ساحة من ساحات المواجهة وفي مقدمتها غزة”. هذه المعادلة الاستراتيجية التي أرساها اليمن بالدم والعمليات العسكرية المشهودة، أثبتت أن صنعاء لم تعد ساحة معزولة، بل غدت ركناً أساسياً فاعلاً في توجيه مسار الصراع الإقليمي ضد الهيمنة الأمريكية والصهيونية.

الوقائع الميدانية تؤكد أن جبهة الإسناد اليمنية تجاوزت حدود التضامن السياسي إلى فرض حصار بحري مطبق على الكيان الصهيوني، تمثل في منع السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى الموانئ الفلسطينية المحتلة من العبور عبر البحر الأحمر وباب المندب، وتوسيع العمليات إلى البحر العربي، والمحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط. إن استهداف عمق كيان العدو الصهيوني بالطائرات المسيرة ذات المدى الاستراتيجي مثل مسيرة “يافا”، والملتحمة بالصواريخ البالستية وفرط الصوتية، يبرهن عملياً على القفزة النوعية لخيارات الردع اليمنية التي أسقطت فاعلية المنظومات الدفاعية الأمريكية والغربية.

هذا الارتباط العضوي بين معركة التحرر الوطني لليمن والدفاع عن قضايا الأمة يسقط كافة العروض والصفقات الثنائية التنازلية التي حاولت واشنطن تقديمها لصنعاء عبر قنوات دولية لعزل الجبهة اليمنية عن قطاع غزة. وتوضح مجريات الأحداث أن الضربات الجوية الأمريكية-البريطانية على المحافظات اليمنية لم تثنِ القيادة عن موقفها، بل حولت البحار المحيطة باليمن إلى مناطق استهداف مباشر لقطع الحرب البحرية المعادية، بما فيها حاملات الطائرات الأمريكية مثل “أيزنهاور” التي أُجبرت على الانسحاب تحت وطأة الهجمات اليمنية المركزة.

إحباط التمدد الصهيوني في القرن الأفريقي وباب المندب

يبرز البُعد التحليلي الذكي والدقيق للخطاب في قراءة التحركات غير المنظورة للأعداء وتحديداً في القرن الأفريقي؛ حيث أعلن السيد القائد: “إننا نرصد بكل اهتمام مجريات الوضع في أرض الصومال، وما يسعى له العدو الإسرائيلي من أن يحولها إلى موطئ قدم له بهدف السيطرة على خليج عدن وباب المندب والتحكم بالبحر الأحمر… ونؤكد أننا لن نقف مكتوف الأيدي تجاه تمركز إسرائيلي في أرض الصومال ولن ننتظر المتخاذلين والمفرطين من الأنظمة حتى يتحركوا بل سنبادر في أي وقت يقوم العدو الإسرائيلي فيه بأي تمركز هناك واستهدافه بكل الوسائل المتاحة”. يكشف هذا التحذير عن جاهزية استخباراتية وعسكرية لقطع يد الكيان الصهيوني قبل استكمال أي مخطط يسعى لالتفاف جيوسياسي على الحظر البحري المفروض عليه.

تستند هذه التحذيرات الحازمة إلى وقائع ميدانية ترصد مساعي تل أبيب، بتنسيق مع قوى محلية وإقليمية ودعم لوجستي أمريكي، لإنشاء مراكز مراقبة استخباراتية ومحطات رادار وقواعد عسكرية متقدمة في الساحل الغربي لخليج عدن والمناطق المطلة على الممرات المائية الحيوية. إن إعلان الجاهزية للمبادرة العسكرية باستهداف أي تمركز هناك، يمثل توسيعاً استراتيجياً لنطاق العمليات المسلحة اليمنية، ورسالة واضحة بأن المدى الجغرافي للصواريخ وسلاح الجو المسير اليمني يغطي كافة التحركات المعادية في عمق القرن الأفريقي وبحر العرب.

تتجاوز الرسالة الجانب الدفاعي لتقدم رؤية مسؤولة لحماية الأمن القومي العربي والإسلامي عبر دعوة الدول المطلة على البحر الأحمر لإصلاح وضع الصومال ومساندته ضد الانتهاكات الإسرائيلية لسيادته. تعكس هذه الدعوة حرص صنعاء على سد الثغرات الجيوسياسية التي تستغلها واشنطن وتل أبيب لتمرير مشاريع التدويل والاستعمار الجديد، مؤكدة أن اليمن يمتلك الإرادة السياسية والجرأة العسكرية للتحرك الفردي والمباشر لحماية أمنه وممراته المائية الحيوية دون ارتهان لمواقف الأنظمة المطبعة أو المتخاذلة.

السيادة قرار يُنتزع ولا يُوهب

تثبت مضامين الخطاب التاريخي لقائد الثورة أن اليمن صاغ استراتيجيته التحررية بناءً على اعتبارات القوة والاعتماد على الذات، مسقطاً لغة الاستجداء السياسي التي تقتات عليها “حكومة الفنادق” التابعة للرياض وواشنطن. إن التأكيد على انتزاع الحقوق ومواصلة معركة الجهاد المقدس يستند إلى واقع ميداني صلب غيرت فيه القوات المسلحة اليمنية موازين القوى في المنطقة، وتحول فيه الحصار من أداة لتركيع الشعب اليمني إلى دافع لتطوير صناعات عسكرية مرعبة لخصومه.

إن الخلاصة التحليلية للموقف اليمني تؤكد أن زمن الإملاءات الخارجية قد ولى إلى غير رجعة، وأن المبادرة أصبحت بالكامل في يد صنعاء التي تدير المعركة بنفَس استراتيجي طويل. ومع ثبات الجبهة الداخلية وتصاعد وتيرة النفير العام وتكامل المواقف مع محور المقاومة، يصبح لزاماً على تحالف العدوان الاستجابة الفورية لشروط السلام العادل، وفي مقدمتها رفع الحصار الكامل، ودفع المرتبات من الثروات الوطنية، ورحيل القوات المحتلة، مالم فإن الخيارات الميدانية القادمة كفيلة بانتزاع هذه الحقوق بقوة السلاح وفرض السيادة الكاملة على بر اليمن وبحره.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى