الصرخة في وجه المستكبرين.. من هتاف مُطارد إلى معادلة ردع تربك واشنطن وتخنق “تل أبيب”

21 سبتمبر / تقرير خاص
لم تكن “الصرخة في وجه المستكبرين” مجرد رد فعل عاطفي على أحداث سبتمبر 2001، بل مثلت “مانيفستو” قرآني استباقي لشل مشروع “التدجين” الشامل الذي قادته واشنطن تحت عناوين مكافحة الإرهاب. إنها مشروع سيادي متكامل، كسر حالة الشلل السياسي الذي أصاب الأمة، وحولها من “مفعول به” في خارطة “الشرق الأوسط الكبير” إلى “فاعل استراتيجي” يمتلك زمام المبادرة. المشروع في جوهره هو قرار بفك الارتباط عن التبعية العمياء، وتأسيس هوية إيمانية عملية ترفض معادلة الاستكانة التي أراد الاستكبار العالمي فرضها كقدر محتوم.
في الواقع المعاصر، لم تعد الصرخة مجرد شعار، بل أصبحت “عقيدة اشتباك” ميدانية تتحكم في ممرات الملاحة الدولية وتفرض معادلات الردع العسكري. وكما أكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في خطابه: “الصرخة كانت بداية انطلاقة عملية في إطار المشروع القرآني، ونقلة حكيمة وميسّرة تنتقل بالناس من حالة الجمود والارتهان إلى مستوى الموقف الحق”. هذا التوصيف يضع الصرخة في سياقها الصحيح كأداة “أمن قومي” بمعناها الحضاري والسياسي، أعادت تعريف الصراع مع العدو الصهيوني والأمريكي كصراع وجودي لا يقبل القسمة على أنصاف الحلول.
منطلقات الانعتاق وكسر حالة الجمود
تاريخياً، وُلدت الصرخة في 17 يناير 2002 من جبال مران، في لحظة كان فيها السفير الأمريكي بصنعاء يمارس صلاحيات “الحاكم العسكري”. لقد شخّص الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي في محاضرة (الصرخة في وجه المستكبرين) أن الأمة تواجه “جاهلية ثانية” تمتلك وسائل تكنولوجية وإعلامية تهدف لاستلاب إرادة الشعوب. كان الشعار هو “الطلقة الأولى” في معركة الوعي، والوسيلة الممكنة لكل فرد للمشاركة في الموقف دون انتظار الإذن من أنظمة مرتهنة. البيانات التاريخية تؤكد أن الصرخة نجحت في تحويل السخط الشعبي الكامن إلى “طاقة فعل” منظمة واجهت المخططات الاستعمارية في مهدها.
لقد استشرف الشهيد القائد أن أمريكا ستحاول احتلال اليمن “ناعماً” قبل التدخل العسكري، من خلال السيطرة على المناهج والقرار الأمني. لذا، كانت الصرخة هي “حائط الصد” الثقافي الذي فضح العناوين الأمريكية الزائفة. ويؤكد السيد القائد عبدالملك الحوثي هذا السياق بقوله: “عناوين تغيير الشرق الأوسط وذريعة مكافحة الإرهاب كانت مخادعة وزائفة، تهدف لاستعباد الأمة وإذلالها وطمس معالم دينها”. الربط هنا بين التاريخ والواقع يثبت أن الصرخة هي التي منعت سقوط اليمن في فخ “التطبيع” الذي سقطت فيه أنظمة عربية لاحقاً، حيث أسست الصرخة لوعي شعبي يرى في العداء للصهيونية جزءاً لا يتجزأ من هويته الإيمانية.
المعطيات الميدانية في تلك الحقبة تشير إلى أن الاستنفار الأمريكي تجاه الشعار لم يكن بسبب “الكلمات”، بل بسبب “المنهج” الذي يعيد الأمة إلى القرآن كقوة محركة. فالصرخة كسرت جدار الصمت الذي أرادت واشنطن فرضه لتمرير مشاريعها بسلام. وكما أشار الشهيد القائد في أدبياته: “الصرخة هي سلاح وموقف، وهي تثير السخط في نفوس الأعداء”. هذا السخط الأمريكي تحول إلى ضغط مباشر على السلطة حينها، مما أثبت أن الكلمة الصادقة كانت تمتلك تأثيراً يوازي القوة الصلبة، وهو ما دفع واشنطن لإعطاء الضوء الأخضر لوأد المشروع قبل استفحاله.
فضح التبعية وبناء القوة السيادية
كشف مشروع الصرخة عورة نظام الهالك عفاش، الذي تحول إلى أداة وظيفية بيد المخابرات الأمريكية (CIA) والسفارة الأمريكية بصنعاء. الوثائق التي كُشفت لاحقاً، بما فيها “ويكيليكس” ووثائق “الأمن القومي”، أكدت أن عفاش كان يقدم تقارير دورية للسفير الأمريكي حول تحركات الشهيد القائد، وأن الحروب الست كانت قراراً أمريكياً بامتياز لضمان بقاء اليمن تحت الوصاية. لقد كان النظام يرى في الصرخة تهديداً لـ”شرعيته الدولية” المرتهنة لرضا البيت الأبيض، فباشر القمع الممنهج، والاعتقالات الجماعية، وفصل الموظفين، وصولاً إلى شن الحرب العسكرية الشاملة في 2004.
ردود الأفعال الأمريكية تجاه الصرخة لم تكن دبلوماسية، بل كانت أمنية وعسكرية؛ حيث أشرف القادة العسكريون الأمريكيون (مثل إدموند هول وجنرالات القيادة المركزية) على هيكلة الجيش اليمني بما يخدم مصالح واشنطن، بينما كانت الصرخة تبني “جيشاً عقائدياً” يرفض التبعية. يوضح السيد القائد عبدالملك هذا التباين بقوله: “رفضنا أي مساومة على موقفنا حتى في مراحل التمكين.. والمشروع القرآني لم يتراجع تجاه المخاوف ولا في مقابل الإغراءات”. هذا الثبات هو الذي حول الصرخة من “هتاف” في المساجد إلى “قوة ضاربة” تمتلك اليوم تقنيات الصواريخ والمسيرات السيادية.
في الجانب التنموي والسيادي، اقترن مشروع الصرخة بـ”المقاطعة الاقتصادية”، وهي حرب وعي تهدف لتحقيق الاكتفاء الذاتي. الحقائق الميدانية اليوم تثبت أن اليمن هو الدولة الوحيدة في المنطقة التي استطاعت بناء ترسانة ردع استراتيجية بعيداً عن صفقات السلاح المشروطة. يؤكد السيد القائد: “الصرخة ترافق معها الدعوة لمقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وهي عامل مهم في السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي”. إن الانتقال من مرحلة “الشعار” إلى مرحلة “التصنيع العسكري” هو الدليل الأكبر على صوابية المسار الذي رسمه الشهيد القائد، محققاً استقلالاً فعلياً عجزت عنه الأنظمة الغنية بالنفط والارتهان.
علاوة على ذلك، أثبتت الصرخة نجاعتها في “تطهير الجبهة الداخلية” من أدوات الوصاية. فبينما كانت السلطة السابقة تفتح أبواب اليمن لشركات التنقيب والاتصالات الصهيونية تحت غطاء شركات دولية، كانت الصرخة تبني “رأياً عاماً مقاوماً” يفهم ألاعيب الحرب الناعمة. الواقع اليوم يؤكد أن الصرخة أصبحت هي “المسطرة” التي يقيس بها الشعب اليمني وطنية وسيادة أي طرف، فمن يمالئ أمريكا وإسرائيل لا يمكن أن يكون أميناً على سيادة اليمن، وهذا التحول في الوعي الشعبي هو الضمانة الحقيقية التي منعت عودة اليمن إلى مربع الارتهان والتبعية لـ”الحديقة الخلفية”.
عالمية المشروع واشتباك “الفتح الموعود”
تتجلى اليوم إسقاطات الصرخة في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس” إسناداً لغزة، حيث تحول الشعار إلى “قرار عسكري” يغلق مضيق باب المندب أمام الملاحة الصهيونية. الحقيقة الجيوسياسية هي أن اليمن اليوم يطبق حرفياً مبدأ “البراءة من أعداء الله” في الميدان، متحدياً أعتى الأساطيل الأمريكية والبريطانية. يشدد السيد القائد عبدالملك على هذا الترابط العضوي: “نحن في مواجهة العدو الإسرائيلي وشريكه الأمريكي، واتجاهنا هو للتصعيد إذا قام العدو بالتصعيد”. لقد أصبحت الصرخة هي “المحرك الاستراتيجي” لمحور المقاومة، محطمةً جغرافيا التجزئة التي فرضها المستعمر.
لقد حطمت الصرخة أسطورة “الوكالة” التي يحاول الإعلام الصهيوني تسويقها لتجريد اليمن من سيادته؛ فالتحرك اليمني ينبع من “الواجب الديني والوطني” الذي أسسته الصرخة كضرورة أخلاقية. يفكك السيد القائد هذا التضليل ببراعة: “اليهود أول من أطلق مصطلح بالوكالة عن إيران لصرف العرب عن مسؤوليتهم.. والعدو الإسرائيلي هو عدو للعرب قبل أن يكون عدواً لإيران”. المعطيات المعاصرة، من اعتراف أمريكا بالفشل البحري إلى الشلل المطبق في ميناء إيلات، هي “شواهد حية” على أن الموقف القرآني هو المسار الأجدى والأقل كلفة في استعادة السيادة وحماية المقدسات.
تحصين الوعي ومواجهة “الحرب الناعمة”
في مجال الوعي، تمثل الصرخة أداة “أمن وقائي” قصوى ضد الحرب الناعمة وحملات “التدجين” الثقافي. الأعداء اليوم يستخدمون عناوين “الحرية وحقوق الإنسان” كأغلفة براقة لإبادة الشعوب، وهو ما فضحه السيد القائد بتساؤله الاستنكاري: “أين حقوق الإنسان وحقوق المرأة في الوقت الذي تقتل فيه إسرائيل كل نصف ساعة امرأة فلسطينية بدعم وسلاح أمريكي؟”. الصرخة تكسر هذا التضليل، وتعمل كفلتر قيمي يمنع التباس المفاهيم، مما خلق جيلاً يمنياً محصناً ضد التغريب الثقافي الذي يسعى لتمجيد “الجلاد الأمريكي” وتبخيس إنجازات المقاومة.
عالمياً، انتقلت الصرخة من إطارها المحلي لتصبح “أيقونة” للمستضعفين في العالم، حيث باتت تُرفع في ساحات الحرية من واشنطن إلى لندن ومن طهران إلى بيروت. هذا الانتشار يؤكد “عالمية المشروع” وقدرته على مخاطبة الفطرة الإنسانية الرافضة للظلم. الواقع يؤكد أن اليمن اليوم، بفضل الصرخة، أصبح هو “المركز الأخلاقي” الذي يفضح الأنظمة المطبعة التي تكمم أفواه شعوبها؛ وكما أشار السيد القائد: “وصل الحال في بعض البلدان إلى معاقبة من يكتب تغريدة للتعاطف مع غزة.. والصرخة هي التي تكسر حالة التكميم للتعبير عن السخط”.
إن استشراف الشهيد القائد لواقع الأمة تحقق حرفياً؛ فقد رأى أن الصمت هو “موت سريري” للأمة، وأن التحرك هو “الحياة”. اليوم، اليمن هو البلد الوحيد الذي يمتلك حرية القرار العسكري والسياسي الكاملة، متحدياً كافة الضغوط والتهديدات. الحقائق والبيانات تؤكد أن صوابية مشروع الصرخة تكمن في قدرته على تحويل التحديات إلى فرص؛ فالحصار الأمريكي ولد صناعة وطنية، والعدوان العسكري ولد جيشاً لا يُقهر. الصرخة اليوم هي الضمانة الأكيدة لاستمرار السيادة الوطنية، وهي النهج الذي سيقود الأمة نحو فجر الانعتاق الشامل من سطوة الاستكبار العالمي.
الصرخة: صوابية المنهج
لم تعد صوابية مشروع “الصرخة” مجرد استنتاج نظري أو طرح أيديولوجي، بل تحولت إلى حقيقة رقمية وميدانية تجلت في صمود اليمن الاستثنائي أمام أعتى تحالف عسكري دولي. إن القدرة على تحويل مجتمع مُستهدف بالإبادة والارتهان إلى قوة إقليمية تفرض “الحصار البحري” على أساطيل الاستكبار وتضرب عمق الكيان الصهيوني، هي البرهان العملي القاطع على أن الصرخة كانت “الشيفرة” الوحيدة القادرة على فك قيود الأمة. لقد أثبتت الوقائع أن كل مسارات “المداهنة” والتسويات الدبلوماسية التي انتهجتها الأنظمة الأخرى لم تورثها إلا الذل والتبعية، بينما أورث المسار القرآني اليمن سيادةً كاملة وقراراً مستقلاً لا تملكه دول تمتلك أضعاف مقدراته المادية.
ختاماً، إن انتقال الصرخة من طور “الهتاف المقموع” في دهاليز سجون نظام عفاش إلى “قوة ضاربة” تعيد صياغة الأمن القومي للمنطقة، يؤكد أن الاستشراف الذي قدمه الشهيد القائد كان قراءة دقيقة لسنن النصر الإلهي والقوانين السياسية والكونية. وكما أكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي: “نحن واثقون بنجاح المشروع القرآني الذي أثبت فاعليته في كل المراحل”. إن المنجز اليمني اليوم هو الشهادة الحية على أن الصرخة لم تكن خياراً ترفياً، بل كانت ضرورة وجودية وموقفاً هو الأكثر صوابية وواقعية في مواجهة التحديات التي تعصف بالأمة، معيدةً الاعتبار لمنطق القرآن كمرجع وحيد لتحقيق العزة والمنعة.





