اخبار دولية وعربيةاخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

نيران الردع ومعادلة الدم والنفط: كيف أوقعت مغامرة ترمب ونتنياهو عواصم الخليج في فخ حرب الطاقة مع إيران؟

 21 سبتمبر / تقرير خاص

يمثل الهجوم الصهيوأمريكي الأخير على منشآت الطاقة الإيرانية تحولاً استراتيجياً خطيراً في مسار الصراع الإقليمي، وهو تصعيد لم يكن ليبلغ هذه المرحلة لولا الهندسة المباشرة من قبل إدارة ترامب وحكومة نتنياهو. المعطيات الميدانية تؤكد أن هذا العدوان يتجاوز القدرات اللوجستية المنفردة للكيان الصهيوني؛ فقد اعتمدت العملية بشكل كلي على البنية التحتية العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، حيث شكلت الأجواء الخليجية الرواق الحيوي والملاذ الآمن للطائرات المهاجمة. هذا الانخراط، سواء عبر الصمت المطبق أو التسهيل اللوجستي، أسقط ورقة “الحياد” التي لطالما تلطت خلفها العواصم الخليجية، ليضعها في موقع الشريك الفعلي في هذا التصعيد الذي يهدد بنسف أمن الطاقة العالمي برمته.

إن المعادلة التي تحاول واشنطن إرساءها تقوم على فصل ساحات الاستهداف عن مصادر الانطلاق، وهو ما يتصادم جذرياً مع قواعد الاشتباك التي أرستها طهران ومحور المقاومة. الوقائع العسكرية تفرض واقعاً جديداً؛ فالدول التي تحتضن قواعد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) وغرف عمليات الرادار والتوجيه، باتت فعلياً جزءاً من مسرح العمليات. ومع انتقال واشنطن وتل أبيب إلى استهداف البنى التحتية الاقتصادية الإيرانية، فإن الاستراتيجية الإيرانية للرد المشروع تضع منشآت الطاقة الخليجية في صدارة بنك الأهداف، ليس انطلاقاً من مبدأ الانتقام الأعمى، بل كضرورة عسكرية ملحة لتجفيف منابع التمويل وضرب البنية اللوجستية التي تدير آلة الحرب الصهيوأمريكية في المنطقة.

منطقة الخليج: بين التوظيف الأمريكي والرد الإيراني

تكشف البيانات اللوجستية المرتبطة بمسارات الطيران العسكري أن المقاتلات الصهيونية والأمريكية لا تمتلك المدى العملياتي لتنفيذ غارات مكثفة في العمق الإيراني والعودة دون الاعتماد على منظومة التزود بالوقود جواً والتغطية الرادارية المتقدمة (AWACS) التي توفرها القواعد الأمريكية في المنطقة. نتحدث هنا عن قواعد ضخمة مثل “العديد” و”علي السالم” و”الظفرة”، والتي وفرت غطاءً استخباراتياً وتشويشاً إلكترونياً سهّل تنفيذ الهجوم. هذا التوظيف الكامل للجغرافيا الخليجية يجعل من هذه الأراضي، وفقاً للقانون الدولي والأعراف العسكرية، منصات انطلاق لعدوان مسلح، مما يمنح الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحق السيادي والقانوني الكامل في الرد المباشر على هذه القواعد ومصادر النيران والمنشآت التي تخدمها.

وفي قراءة دقيقة للعقيدة العسكرية الإيرانية، يتبين أن طهران لا تفصل بين “الأصيل” و”الوكيل” أو “المُسهّل” عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي. لقد حذرت القيادة الإيرانية مراراً، وعبر قنوات دبلوماسية علنية وسرية، من أن أي استخدام للمجال الجوي أو القواعد البرية والبحرية لدول الجوار سيُقابل برد صاروخي تدميري يستهدف البنية التحتية الحيوية لتلك الدول. هذا يعني أن بنك الأهداف الإيراني قد تم تحديثه ليشمل العصب الاقتصادي ومحطات التحلية ومصافي التكرير الممتدة على الشريط الساحلي الغربي للخليج، والتي لا تبعد سوى دقائق معدودة عن مرابض الصواريخ الباليستية الدقيقة وسرب الطائرات المسيرة الانتحارية التي أثبتت فاعليتها وقدرتها على تخطي أحدث منظومات الدفاع الجوي.

أمام هذه الوقائع الميدانية الصارمة، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما للنجاة من جحيم الحرب الإقليمية: إما اتخاذ قرار سيادي فوري بإغلاق أجوائها بالكامل أمام الطيران العسكري الأمريكي والصهيوني والبدء في تفكيك وطرد القواعد الأمريكية من أراضيها، أو البقاء كرهائن في خط المواجهة الأول. إن التمسك بالمظلة الأمنية الأمريكية أثبت فشله الذريع، فصواريخ “باتريوت” ومنظومات “ثاد” لم تحمِ المنشآت النفطية في السابق، ولن تحميها اليوم أمام كثافة نيرانية غير مسبوقة. إذا لم تبادر هذه الدول بفك ارتباطها بآلة الحرب التي وسعها ترامب عن عمد، فإن نيران هذا الصراع ستلتهم ما تبقى من استقرارها الهش وتدمر بنيتها الاقتصادية بالكامل.

اقتصاد الحرب: النفط الخليجي بين التمويل والاستهداف

لا يمكن فهم الاستهداف الإيراني المحتمل لمنشآت الطاقة الخليجية بمعزل عن البنية التمويلية للعدوان الصهيوأمريكي. البيانات الاقتصادية تشير بوضوح إلى أن واشنطن ليست مجرد مستهلك أو ضامن لأمن هذه المنشآت، بل هي شريك متجذر في ملكيتها وإدارتها الاستراتيجية. الشركات الأمريكية العملاقة العاملة في قطاع الاستكشاف والاستخراج والتكرير في دول الخليج تستحوذ على نسب مهولة من العوائد عبر عقود الامتياز والخدمات طويلة الأمد. وبالتالي، فإن ضرب هذه المنشآت هو في جوهره توجيه ضربة مباشرة لـ “وول ستريت” والمصالح الاقتصادية الأمريكية العميقة التي توفر الغطاء المالي للحرب المفتوحة على محور المقاومة.

على المقلب الآخر، تفضح الأرقام حقيقة مؤلمة تتمثل في انفصال شعوب الجزيرة العربية والخليج عن ثرواتها الوطنية. عائدات النفط والغاز، التي تُقدر بآلاف المليارات من الدولارات، لا تنعكس في شكل تنمية مستدامة أو استقلال اقتصادي، بل تسلك مسارين محددين: الأول يتجه نحو الخزانة الأمريكية عبر صفقات تسليح فلكية وشراء لسندات الخزانة، في تطبيق حرفي لسياسة “الحلب” التي يمارسها ترامب بوقاحة لابتزاز الحكام العرب واستنزاف تريليوناتهم بحجة “الحماية”. أما المسار الثاني، فيصب في جيوب الأمراء وحاشياتهم، ويُهدر على مشاريع “الترفيه” والتغريب الممنهج لإلهاء المجتمعات وتخديرها، في حين تعاني شرائح واسعة من تلك الشعوب من الضرائب المتصاعدة والأزمات المعيشية المخفية.

الأخطر من ذلك، هو توظيف ما تبقى من هذه الثروات المنهوبة لتمويل حروب بالوكالة تخدم الأجندة الصهيوأمريكية في تمزيق الجسد العربي والإسلامي. فالأموال التي تُضخ من آبار النفط الخليجية هي ذاتها التي موّلت العدوان الغاشم على اليمن لسنوات، وهي التي غذّت الصراعات الدموية في ليبيا، وساهمت في إشعال حرب الجنرالات التي تدمر السودان اليوم. بناءً على هذا المعطى، فإن استهداف منابع هذا التمويل يُعد، من منظور استراتيجي، خطوة استباقية لتعطيل محركات الموت التي تعصف بالمنطقة، ووقفاً لتدفق “المال الأسود” الذي يتحول إلى قنابل أمريكية ذكية تسقط على رؤوس المدنيين في غزة ولبنان وإيران.

الفخ الأمريكي واستراتيجية توريط “العربان”

تكشف الكواليس الدبلوماسية للأزمة الأخيرة عن عزلة أمريكية غير مسبوقة في إدارة هذا التصعيد. عندما حاول ترامب حشد ائتلاف دولي لضرب البنية التحتية الإيرانية، اصطدم برفض قاطع من حلفائه الاستراتيجيين. دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأوروبية، إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية، أدركت حجم الكارثة الاقتصادية التي ستحل بها، حيث تعتمد هذه الاقتصادات بشكل حيوي على إمدادات الطاقة القادمة من مضيق هرمز. لقد أدركت هذه العواصم أن أي مساس بمنشآت إيران سيعني ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط قد يتجاوز حاجز الـ 200 دولار للبرميل، مصحوباً بانهيار في سلاسل التوريد العالمية، فآثرت الانسحاب ورفض الانخراط في هذه المغامرة.

أمام هذا الرفض الدولي، لم يجد ترامب سوى التوجه نحو “الحديقة الخلفية” في الخليج، مستغلاً التبعية السياسية لحكامها. إن اختيار ترامب استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لم يكن مجرد قرار تكتيكي، بل هو فخ استراتيجي مع سبق الإصرار. فالإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية الصهيونية تدركان تماماً العقيدة الإيرانية التي أُعلنت سلفاً: “أي ضربة لمنشآتنا ستُقابل بضرب منشآت الدول التي تُموّل وتُسهّل الحرب”. من هنا، يتضح أن ترامب دفع بوعي كامل نحو هذا التصعيد، بهدف استفزاز الرد الإيراني وجره نحو تدمير البنية التحتية النفطية والاقتصادية الخليجية.

إن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية المكيافيلية هو تدمير مقدرات العرب بأيدي خصومهم الإقليميين، وإعادتهم إلى نقطة الصفر، ليعود ترامب لاحقاً، وبصفة “المنقذ”، لفرض عقود إعادة إعمار احتكارية بمليارات الدولارات، وإجبارهم على إبرام صفقات جديدة لشراء منظومات أسلحة أمريكية أثبتت مسبقاً فشلها في حمايتهم. إنها دورة متكاملة من التدمير والابتزاز، حيث يُساق “العربان” – بتعبير الإدارة الأمريكية نفسها – كأدوات مجانية في حرب لا تخدم سوى إطالة أمد بقاء نتنياهو السياسي وإنعاش المجمع الصناعي العسكري الأمريكي على حساب دماء وثروات شعوب المنطقة.

الخروج من العباءة.. أو الاحتراق بها

في ضوء هذه المعطيات، لم تعد المنطقة تقف على حافة الهاوية، بل دخلت فعلياً في أتون التحولات الجيوستراتيجية الكبرى. إن العدوان الصهيوأمريكي على منشآت الطاقة الإيرانية، بمشاركة وتسهيل خليجي، أسقط كل خطوط التماس التقليدية، وحوّل خريطة انتشار القواعد الأمريكية وأنابيب النفط المرتبطة بها إلى مسرح عمليات مشروع ومفتوح. لم يعد النفط الخليجي مجرد سلعة اقتصادية، بل تحول بقرار أمريكي وتواطؤ محلي إلى سلاح مباشر موجه ضد شعوب المنطقة، مما يجعل من تحييد هذا السلاح وتدمير قواعد الحماية المرافقة له ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات الردع والدفاع عن النفس في محور المقاومة.

إن الأنظمة الخليجية اليوم تقف أمام استحقاق تاريخي قاهر، فالاستمرار في لعب دور “البقرة الحلوب” لترامب و”الدرع البشري” للقواعد الأمريكية سيكلفها وجودياً ما لا طاقة لها به. إغلاق الأجواء وطرد القوات الأمريكية لم يعد مطلباً سياسياً، بل هو طوق النجاة الأوحد قبل أن تتحول المنطقة إلى ركام في خدمة مشروع صهيوني يتآكل من الداخل. الأيام القادمة حبلى بالمتغيرات الميدانية التي ستثبت أن سياسة الاعتماد على الحماية الأمريكية هي مجرد رهان خاسر، وأن نيران الحروب التي أشعلتها واشنطن لن تتوقف حتى تلتهم أدواتها قبل خصومها، ما لم تكن هناك صحوة استراتيجية تقطع دابر الارتباط بهذا المشروع الاستعماري.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى