اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

الشهيد الصمّاد واستراتيجية الصمود.. دمج القيم والأخلاق مع السياسة العملية

21 سبتمبر / تقرير خاص

 

دخلت اليمن مرحلة حاسمة من تاريخها الحديث حين بدأت دول تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي حملة واسعة لاستهداف سيادتها واستقلال قرارها الوطني. في هذا السياق، برز الرئيس الشهيد صالح علي الصمّاد كقائد وطني استطاع في وقت قصير أن يؤسس لإدارة الدولة في ظل ظروف استثنائية، مؤكدًا أن القيادة الحقيقية لا تقتصر على اتخاذ القرارات الإدارية، بل تشمل القدرة على التخطيط الاستراتيجي وتحفيز الجبهة الداخلية وصون مؤسسات الدولة.

لم تكن قيادة الصمّاد مجرد إدارة روتينية، بل كانت رؤية عميقة لمستقبل اليمن، حيث امتزجت الواقعية بالإرادة الوطنية والتخطيط الاستراتيجي، مع حرصه على دمج الشعب في مسار الدفاع عن الوطن. في ظل التحديات الهائلة للعدوان والحصار، استطاع أن يحوّل الأزمة إلى فرصة لتعزيز الصمود الوطني، ورفع مستوى التماسك الداخلي، وإثبات قدرة الدولة على الصمود في مواجهة اختبارات عسيرة من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية.

الجذور القرآنية ومشروع الدولة

نشأ الشهيد الصمّاد في بيئة دينية محافظة، حيث ارتبط بالمدارس العلمية وحفظ القرآن الكريم، ما شكل قاعدة معرفية وأخلاقية صلبة. هذه الخلفية العلمية والدينية لم تمنحه فقط حكمة التعامل مع الآخرين، بل زرعت فيه روح المسؤولية تجاه المجتمع والوطن منذ الصغر، وجعلت منه قائدًا يتحرك وفق قيم العدالة والأمانة والصبر.

تعمق تأثير هذه الثقافة القرآنية مع علاقته بالشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، الذي ساعده على صقل مهارات القيادة وتحمل المسؤولية، وتزويده بأدوات الصمود والتعامل مع التحديات المعقدة على المستوى الوطني. هذا التكوين منح الصمّاد قدرة فريدة على الدمج بين الأخلاق والقيادة، واستشراف المستقبل، والتخطيط لمشاريع بناء الدولة.

عند توليه رئاسة المجلس السياسي الأعلى، أطلق الصمّاد مشروعه الوطني «يد تحمي.. ويد تبني»، الذي جمع بين الصمود العسكري وحماية مؤسسات الدولة، وبين بناء القدرات الوطنية وتعزيز استقلال القرار الوطني. وقد ركز المشروع على ثلاثة عناصر أساسية: استقلال الدولة، المصالحة الوطنية وتعزيز الشراكة، والاعتماد على الذات في تقوية مؤسسات الدولة بمختلف قطاعاتها.

من هذا المنطلق، لم يكن مشروعه مجرد شعار، بل أداة عملية لتثبيت سيادة الدولة وتعزيز صمود الشعب، بما يعكس رؤية استراتيجية واضحة تتجاوز إدارة الأزمة اليومية إلى رسم مسار طويل المدى لبناء دولة يمنية قوية، قائمة على قيمها وهويتها، ومستقلة في قراراتها.

الإجماع الوطني وإدارة السياسة تحت القصف

تميزت قيادة الصمّاد بقدرته على الحفاظ على وحدة الصف الداخلي وإدارة السياسة الوطنية في ظل ظروف استثنائية، حيث جاء انتخابه رئيسًا للمجلس السياسي الأعلى بإجماع القوى الوطنية. هذا الإجماع لم يكن مجرد تأييد رمزي، بل شهادة على قدرته في توجيه مختلف المكونات السياسية وتعزيز التلاحم الوطني رغم التحديات الكبيرة.

في إدارة الدولة، استطاع الصمّاد أن يوازن بين معالجة الملفات الداخلية مثل صيانة مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين، وبين الرد على العدوان والتهديدات الخارجية. وبدلاً من الاكتفاء بالخطاب الرسمي، اعتمد على أسلوب التحفيز النفسي والعملي للجبهة الداخلية، مؤكدًا أن «الجبهة الداخلية أقوى من أي وقت مضى، وأي رهان على تفككها رهان خاسر»، ما عزز الثقة الوطنية وشجع الشعب على الصمود المستمر.

كما تميزت قيادته بالقدرة على إدارة العمليات العسكرية والسياسية في آن واحد، فكان يزور الجبهات العسكرية بنفسه، يطمئن على معنويات المقاتلين، ويوجه التوجيهات الضرورية لرفع القدرة الدفاعية، في الوقت الذي كان فيه يوجه الشعب نحو الصبر والتكاتف، مؤكداً أن السلام المشرف والعدل هما الهدف المنشود، وأن أي تجاوز للحقوق الوطنية سيواجه بالدفاع المشروع.

المشروع الوطني والحضور الميداني

اختار الصمّاد أن يكون قائدًا حاضرًا في الميدان، يراقب سير العمليات العسكرية، ويستمع إلى احتياجات المقاتلين. وقد ساعد هذا التواجد المباشر على اتخاذ قرارات عاجلة وفعالة، ورفع معنويات القوات، ما جعل مشروعه الوطني «يد تحمي.. ويد تبني» نموذجًا عمليًا يجمع بين الدفاع عن الدولة وبناء مؤسساتها في ظل العدوان.

أحد أهم عناصر هذا المشروع كان التحفيز المستمر للشعب والمقاتلين، حيث قال: «ليست دماؤنا أغلى من دمائكم ودماء زملائكم في الجبهات.. ولا جوارحنا أغلى من جوارحكم»، مؤكداً أن التضحية الفردية من أجل الوطن ليست عبئًا بل واجب وطني مقدس. وقد جسدت زيارته لمواقع التصنيع العسكري والجيش الشعبي، وتوجيهاته بدعم الصواريخ والطائرات المسيرة، اهتمامه بتمكين الدولة من أدوات القوة الذاتية دون الاعتماد على أي طرف خارجي.

كما دعا في خطابه الوطني جميع القوى اليمنية إلى الحوار والمصالحة، مؤكداً أنه «إذا أرادوا السلام فنحن مع السلام كما أسلفنا، ما لم إذا استمرت الغارات فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا بكل الوسائل». هذا المزيج بين الحزم في الدفاع وحرصه على السلام يعكس فهمه العميق لمتطلبات القيادة في زمن الحرب.

الزهد الشخصي واستشراف المستقبل

كان الرئيس الصمّاد نموذجًا للزهد الشخصي، لم يسع للمال أو المنصب، بل اكتفى بما يكفي لإعالة أسرته، محافظًا على نزاهته وأخلاقه، ومثلاً للوفاء والإخلاص في خدمة الوطن. وقد تجسد ذلك في علاقته بالمجتمع والقبائل، حيث شدد على أن «القبيلة اليمنية صمام الأمان للوطن»، مؤكدًا أن الحفاظ على وحدة المجتمع من أساسيات صمود الدولة.

استشهاده في مدينة الحديدة كان محاولة لاستهداف إرادته ومشروعه الوطني، إلا أن الحدث زاد من تلاحم الشعب والجيش واللجان الشعبية، وعزز إرادة الدفاع عن الوطن، وجعل من مشروعه «يد تحمي.. ويد تبني» إرثًا عمليًا مستمرًا، يعكس عمق تفكيره الاستراتيجي والتزامه بالحق الوطني.

الرؤية الوطنية ومسار البناء المستقبلي

أسس الشهيد الصمّاد قواعد الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة، التي تم تدشينها لاحقًا رسميًا من قبل المجلس السياسي الأعلى. اعتمدت هذه الرؤية على سبعة مبادئ أساسية: الالتزام بالقيم الإسلامية، الهوية الوطنية، النظام الجمهوري والدستور، العدالة الاجتماعية، المواطنة المتساوية، المحافظة على الأسرة، والتداول السلمي للسلطات عبر الانتخابات. كل هذه المبادئ تجسد المشروع الوطني الذي أراده الصمّاد، ويمثل خارطة طريق لمستقبل اليمن القوي والمستقل.

وقد أكد في خطاباته أن بناء الدولة يتطلب التكاتف والاعتماد على الذات، مع الحفاظ على وحدة الشعب ومؤسسات الدولة، مؤكدًا أن أي تدخل خارجي لن يمر دون ردع، وأن قدرة اليمنيين على حماية سيادتهم لا تقل عن أي قوة دولية.

إرث استراتيجي ومسار مستمر

ترك الرئيس الشهيد صالح الصمّاد إرثًا قياديًا استثنائيًا، قائمًا على الجمع بين الإدارة الميدانية، والسياسة الاستراتيجية، وبناء الدولة وحماية مؤسساتها. لقد أثبت أن القيادة الوطنية الحقيقية تتطلب المزج بين الرؤية، والقدرة التنفيذية، والالتزام الأخلاقي، وتحمل مسؤوليات الحرب دون الانصياع للضغوط الخارجية.

وستظل خطواته وسياساته مرجعية لكل من يسعى لفهم كيفية إدارة الدولة في أوقات الأزمات، وكيفية تحويل التضحيات الفردية إلى صمود جماعي وطني مستدام. إرث الصمّاد ليس مجرد ذكرى، بل مسار استراتيجي حي، يرسم الطريق أمام الأجيال القادمة لبناء دولة يمنية قوية، حرة، ومستقلة.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى