غزة تحت حصار الوعود.. إبادة متواصلة وخروقات فاضحة تقوّض وقف النار وتعمّق الكارثة الإنسانية
غزة تحت حصار الوعود.. إبادة متواصلة وخروقات فاضحة تقوّض وقف النار وتعمّق الكارثة الإنسانية

21 سبتمبر| تقرير خاص
في وقتٍ يُفترض فيه أن تمهّد اتفاقات التهدئة لالتقاط أنفاس المدنيين في قطاع غزة، تتكشف الوقائع الميدانية يومًا بعد آخر عن مسارٍ معاكس تمامًا، عنوانه استمرار القتل، واتساع رقعة الخروقات، وتعميق المأساة الإنسانية. أرقام الضحايا ترتفع، والمنازل تُستهدف، والنازحون يواجهون الشتاء بلا مأوى، فيما يزداد القلق الدولي من كارثة إنسانية باتت تهدد حاضر غزة ومستقبلها.
حصيلة ثقيلة للإبادة المستمرة
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة ارتفاع عدد الشهداء منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71,455 شهيدًا، إضافة إلى 171,347 مصابًا، في حصيلة تعكس حجم العدوان المتواصل على القطاع. وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية وحدها، استقبلت المستشفيات 14 شهيدًا و18 إصابة، في وقت أكدت فيه الوزارة أن عددًا كبيرًا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، نتيجة تعذّر وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إلى العديد من المناطق.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، سُجّل استشهاد 463 فلسطينيًا وإصابة 1,269 آخرين بنيران جيش الاحتلال، في مؤشر واضح على أن التهدئة لم تُترجم إلى حماية حقيقية للمدنيين.
استهداف متواصل للمدنيين شمالًا وجنوبًا
ميدانيًا، تواصلت الاعتداءات في مختلف مناطق القطاع، حيث استشهد طفل في بيت لاهيا شمال غزة، وأُصيب صياد في بحر خان يونس، إلى جانب إصابة حرجة لمواطن في منطقة قيزان النجار جنوبي القطاع. وفي خانيونس أيضًا، استشهدت مواطنة فلسطينية وأصيب آخرون جراء إطلاق النار على مناطق يقيم فيها نازحون، في مشهد يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل المدنيين في أماكن لجوئهم المؤقت.
ليلة دامية وتصعيد في مستهل المرحلة الثانية
مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف العدوان، شهد القطاع واحدة من أكثر الليالي توترًا، حيث تركزت الغارات والقصف على مناطق متعددة من غزة، بينها الشجاعية والزيتون والتفاح ودير البلح ومخيم النصيرات. وأسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط شهداء وجرحى، إضافة إلى تدمير منازل ومنشآت مدنية، في خرق وُصف بأنه فاضح لبنود الاتفاق والبروتوكول الإنساني.
مصادر ميدانية أكدت أن معظم هذه الضربات وقعت خارج ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، ما يعزز الاتهامات بتعمد توسيع نطاق السيطرة الميدانية على حساب أرواح المدنيين وأمنهم.
حماس: خروقات متكررة وتقويض متعمّد للاتفاق
في السياق ذاته، حمّلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استمرار المجازر بحق المدنيين، معتبرة أن التصعيد الأخير يمثل انتهاكًا متكررًا لاتفاق وقف إطلاق النار، ويقوّض الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة. ودعت الحركة الوسطاء والدول الضامنة إلى ممارسة ضغط حقيقي لوقف هذه الخروقات، وعدم الاكتفاء بالبيانات السياسية.
تحذيرات أممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة
على الصعيد الإنساني، أطلق مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في السكن اللائق تحذيرًا شديد اللهجة من تفاقم أزمة الإيواء في غزة، واصفًا الوضع بأنه “كارثة كاملة”. وأكد أن أكثر من مليون نازح محرومون من مأوى مناسب، في وقت تمنع فيه سلطات الاحتلال إدخال آلاف الخيام المتكدسة على الحدود، ما أسفر عن وفاة أطفال بسبب البرد القارس.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن السماح بدخول أقل من 15 ألف خيمة لا يلبّي الحد الأدنى من احتياجات نحو 1.3 مليون إنسان، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع يمثل فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا للمجتمع الدولي.
الدمار يتجاوز الحاضر.. ويهدد مستقبل غزة
في موازاة ذلك، حذّر مسؤول في الأمم المتحدة من أن إزالة أنقاض الدمار الهائل في غزة قد تستغرق أكثر من سبع سنوات، في ظل تراكم ما يزيد على 60 مليون طن من الركام. وأكد أن إعادة الإعمار تحتاج إلى ما لا يقل عن 53 مليار دولار، فيما يواجه جيل كامل من الأطفال خطر الضياع بعد حرمانهم من التعليم لسنوات متتالية.
الخط الأصفر يتراجع.. والسيطرة تتمدد
وكشفت تقارير إعلامية دولية، بينها شبكة “بي بي سي”، أن قوات الاحتلال نقلت الكتل الخرسانية التي تحدد ما يسمى “الخط الأصفر” إلى عمق قطاع غزة في عدة مواقع، في خرق صريح لاتفاق وقف إطلاق النار. وأظهرت صور الأقمار الصناعية تحركات ميدانية تثبت تجاوز هذا الخط لمئات الأمتار، ما أسفر عن سقوط ضحايا وفرض واقع عسكري جديد داخل أراضٍ يُفترض أنها مشمولة بالانسحاب.
استمرار القتل واتساع رقعة الخروقات
بين أرقام الشهداء المتصاعدة، والتصعيد العسكري المتواصل، والتحذيرات الأممية المتكررة، يتضح أن غزة لا تزال تعيش قلب العاصفة.. فوقف إطلاق النار، بدل أن يكون مدخلًا للتهدئة والإنقاذ الإنساني، بات ساحة جديدة للصراع، تُستخدم فيها الاتفاقات كغطاء سياسي، بينما تستمر معاناة المدنيين بلا أفق واضح للحل أو العدالة.






