اخبار محليةالعرض في السلايدرتقاريرتويتر

33 عامًا من الخيانة.. كيف سلّم عفاش اليمن للعدو ونهب ثرواته؟

33 عامًا من الخيانة.. كيف سلّم عفاش اليمن للعدو ونهب ثرواته؟

21 سبتمبر | تقرير خاص

لم يكن الخائن علي عبدالله صالح،”عفاش”، مجرّد حاكم صعد إلى كرسي الحكم في لحظة فراغ سياسي، بل كان نتاجًا لمشروع إقليمي دولي طويل الأمد، صُمّم بعناية لاختيار أداة طيّعة، قادرة على تدمير الداخل من موقع السلطة، وضمان بقاء اليمن ضعيفًا ومفتّتًا تحت هيمنة الخارج.

ومنذ أن بسط يده على مقاليد الحكم، نسج خيوط تبعيته مع الرياض وواشنطن، ثم مدّها سرًّا إلى تل أبيب، ليكون حلقة وصل قذرة بين أعداء الأمة وبلد الإيمان والحكمة.

على مدى ثلاثة عقود ونيف، حوّل مؤسسات الدولة إلى مزارع شخصية، ومقدّرات الشعب إلى غنائم لعائلته، فيما ترك الوطن غارقًا في الفقر والتبعية، حتى مهّد الطريق لعدوان مارس 2015، قبل أن ينتهي إلى مصير كل الخونة: السقوط المذلّ ونبذ الشعب.

العائلة أولًا.. الدولة آخرًا

منذ أن جلس على الكرسي عام 1978، لم يُدِر الخائن عفاش البلاد كدولة، بل كعصابة منظمة، تتقاسم النفوذ والمناصب والثروات.. كانت فلسفته في الحكم تقوم على قاعدة “الرقص على رؤوس الثعابين” مزيج من المكر السياسي والتلاعب بالولاءات القبلية والمذهبية والمناطقية لتأمين بقائه، حتى لو كان الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي وضرب وحدة الصف.

أحاط نفسه بدائرة ضيقة من الأقارب: نجله الهارب أحمد قاد الحرس الجمهوري، واخوته وأبناء إخوته تسلّلوا إلى أخطر مفاصل الدولة؛ من الأمن القومي والأمن المركزي، إلى قوات مكافحة الإرهاب وإدارة الموارد المالية، وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات عائلية، لا قانون يراقبها ولا برلمان يحاسبها، فيما صار البرلمان والقضاء مجرد ديكور سياسي يمنح شرعية ورقية لقرارات تُصاغ خلف الأبواب المغلقة في دار الرئاسة وغرف الصفقات المشبوهة.

نهب الثروات وتجويع الشعب

لم يكن الفساد في عهد عفاش حالة عرضية، بل استراتيجية ممنهجة لضمان بقاء الشعب في حالة عوز دائم، يسهل التحكم به.. وفي الفترة بين 2000 و2011 فقط، ضاعت أكثر من 50 مليار دولار من إيرادات النفط والغاز بحسب تقارير رسمية حُوّلت إلى حسابات خارجية أو صُرفت على مشاريع استثمارية وهمية في الخارج، لتغذية شبكات مصالحه الدولية.

ولم يكتفِ بذلك، بل دمّر كل فرص الإنتاج الوطني، عبر إغراق السوق بالبضائع المستوردة من خلال لوبيات تجارية مرتبطة بعائلته، وفرض ضرائب وقيود على الصناعات المحلية حتى تنهار، ليصبح اليمن سوقًا استهلاكية تابعة.

في عام 1991، وعقب قيام الوحدة اليمنية، أصدرت الهيئة العامة للأراضي بتوجيهات رئاسية مباشرة عقد “تمليك مجاني” لمساحة 4354 لبنة من أراضٍ ومبانٍ حكومية في منطقة الحصبة بصنعاء، لصالح المؤتمر الشعبي العام، هذه المساحة الضخمة، بما فيها من مبانٍ، استولى عليها قيادات الحزب، فباع بعضهم ما حصل عليه وتقاسموا الثمن، فيما بقي البعض الآخر يؤجرها ويقطف أرباحها حتى اليوم.

تحت هذا النهب الممنهج، انهارت البنية التحتية للصحة والتعليم والخدمات، وفقد مئات الآلاف وظائفهم، بينما كانت قصور العائلة تتسع وطائراتهم الخاصة تحطّ في الرياض ولندن وجنيف.

عفاش في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني

ارتبط عفاش بالولايات المتحدة بعلاقة تبعية كاملة، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث قدّم نفسه لواشنطن كـ”شريك لا غنى عنه” في ما سُمّي بالحرب على الإرهاب، الخائن عفاش فتح الأجواء اليمنية للطائرات الأمريكية بدون طيار، وسمح بإنشاء قواعد سرية لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وأمدّها بمعلومات استخباراتية عن خصومه، ليضمن بقاءه في السلطة بدعم أمريكي.

أما مع الكيان الصهيوني، فقد كانت العلاقة أكثر خفاءً، لكنها لا تقل خطورة، عبر وسطاء في القرن الإفريقي، سهّل مرور السفن الإسرائيلية في باب المندب، ووفّر لهم تسهيلات لوجستية، وسهّل تهريب السلاح لجماعات تابعة له، مقابل دعم استخباري وتقني في مجالات الرقابة والتجسس.

وثائق مسربة كشفت لاحقًا عن لقاءات غير معلنة بين ضباط من الموساد ومسؤولين في نظامه، ما أكد أن عفاش لم يكن يخون اليمن فقط، بل كان يطعن الأمة بأكملها.

تمهيد الأرضية للعدوان

عندما اشتعلت ثورة 21 سبتمبر، تعامل معها عفاش باعتبارها خطرًا مباشرًا على شبكة مصالحه العائلية، حاول أولًا الالتفاف عليها، ثم لجأ إلى التحالف مع بعض دول الخليج، على أمل أن تُمكّنه من توريث الحكم لنجله الفار أحمد.

ومع بدء العدوان الأمريكي السعودي في مارس 2015، سارع لعرض خدماته كـ”رجل المرحلة” الذي يمتلك مفاتيح الداخل، فزوّد العدوان ببنك أهداف، وشارك في تنسيق استخباري، وسهّل اختراقات أمنية داخل العاصمة صنعاء، ليكون شريكًا أساسيًا في سفك دماء اليمنيين، ظنًا منه أن هذا سيعيده إلى صدارة المشهد السياسي.

فتنة ديسمبر.. السقوط المدوّي

في ديسمبر 2017، حاول عفاش القيام بآخر مقامرة في حياته السياسية: انقلاب داخلي على الثورة، بدعم وتمويل إماراتي وسعودي، حرّك ميليشياته لإثارة الفوضى في العاصمة والمحافظات، وفتح قنوات اتصال مباشرة مع غرفة عمليات العدوان.

لكن خطته فشلت بسرعة، وسقط سقوطًا سياسيًا وأخلاقيًا مدويًا، ليكون مصيره النهائي أن يلقى نهايته على يد الخيانة التي عاش بها، ويموت وهو يراهن على المال الخليجي والدعم الأمريكي.

اليمن بعد الهالك.. زمن السيادة لا العمالة

برحيل عفاش، حاول مشروعه أن يعود بوجوه جديدة وأسماء مختلفة، لكن الوعي الشعبي الذي أنجبته ثورة 21 سبتمبر صار جدارًا منيعًا أمام إعادة تدوير العملاء.. اليمن اليوم يصنع واقعه بيده، ويرسم معادلة لا مكان فيها للمرتزق، ولا حصانة للخائن، ولا مستقبل لمن باع الأرض والعرض بثمن بخس.

من مزبلة التاريخ التي أُلقي فيها عفاش، يطل مصيره عبرة لكل من يحاول أن يسير في طريق العمالة: البداية بخيانة الشعب، والنهاية في عزلة وخزي ونسيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى