بين تدمير الدولة اليمنية من الداخل وبيع السيادة.. قراءة في مشروع الارتهان العفاشي لشبكات التدخل الأجنبية

21 سبتمبر / تقرير خاص
من بين صفحات التاريخ اليمني الحديث، تبرز فترة حكم علي عبدالله صالح كواحدة من أكثر الفترات السياسية تعقيدًا وكارثية في تاريخ اليمن المعاصر. لم تكن المأساة فقط في طول مدة حكمه أو فساد نظامه، بل في حجم الخيانة التي ارتكبها بحق وطنه. فبينما كان يُفترض برئيس دولة أن يصون سيادة بلاده ويعزز استقلالها، تحول صالح إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية تخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية، مما تسبب في تدمير الدولة وجر البلاد إلى دوامة من الفوضى والصراعات.
حكم علي عبدالله صالح امتد لعقود، خلالها بدا وكأنه يدير دولة مستقلة، لكنه في الواقع كان يقود اليمن نحو ارتهان شامل للقوى الخارجية. وبمرور الوقت، سلم مفاتيح البلاد واحدة تلو الأخرى للقوى الأجنبية، ليحول اليمن إلى دولة مخترقة استراتيجيًا، معزولة سياسيًا، ومنهوبة اقتصاديًا. لقد كانت الخيانة في حكمه مشروعًا مدروسًا، يعتمد على صفقات وتحالفات سرية مع القوى الكبرى، مما جعل اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وأدى إلى تدمير السيادة الوطنية.
منظومة عفاش وهندسة الارتهان وتفكيك الدولة
عند النظر إلى فترة حكم علي عبدالله صالح، يصبح من الواضح أن الخيانة لم تكن مجرد خيانة عابرة أو سلوكًا فرديًا، بل كانت مشروعًا متكاملًا. فقد جاء صالح إلى السلطة في عام 1978، ولكن ما يثير الدهشة هو أنه منذ اللحظة الأولى التي اعتلى فيها كرسي الرئاسة، بدأ في تنفيذ سياسات لم تكن تعكس أي إرادة وطنية، بل كانت نتاجًا لتنسيق خفي مع القوى الخارجية. كان نظامه عبارة عن شبكة من التبعية العميقة لعدد من الدول، كان على رأسها الولايات المتحدة والسعودية، بل وحتى الكيان الصهيوني. بدلاً من بناء دولة مستقلة ذات سيادة، قام صالح بتفكيك مؤسسات الدولة وجعلها تحت النفوذ الأجنبي، ما جعل اليمن أداة في يد القوى العالمية.
من خلال بناء تحالفات مع القوى الأجنبية، كانت دولة اليمن في ظل حكمه تتحول تدريجيًا إلى مجرد غلاف شكلي لسلطة محتلة سياسيًا. وعلى الرغم من أن هذه العلاقة كانت معروفة للكثير من السياسيين والمواطنين، إلا أن صالح جعل من هذه العلاقة طابعًا دائمًا عبر استخدام أدوات السلطة في تيسير هذه التحالفات. الأدوات التي استخدمها لتوطيد التبعية كانت شاملة، من التعيينات الحكومية التي كانت تتم بتوجيهات خارجية، إلى إدخال القوات العسكرية الأجنبية إلى أراضي اليمن تحت شعارات مكافحة الإرهاب. كل هذه الخطوات كانت تهدف إلى إضعاف الدولة وتكريس تبعيتها للخارج.
خفايا التطبيع: عفاش و”إسرائيل”
لم يكن التعاون بين علي عبدالله صالح والكيان الإسرائيلي مجرد ظاهرة عابرة في تاريخ الحكم اليمني، بل كان جزءًا من عملية ممنهجة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، استمرت على مدار عقود. هذا التعاون بدأ منذ سبعينات القرن الماضي عبر تحالفات استخباراتية سرية مع جهاز الموساد الإسرائيلي، حيث كان صالح بحاجة إلى دعم إسرائيل في مجمل تحركاته السياسية. وبدلاً من بناء دولة ذات هوية مستقلة، كانت أولى خطواته هي تقديم التسهيلات الأمنية لاستخبارات العدو الإسرائيلي.
شهدت العلاقات اليمنية الإسرائيلية تطورًا ملحوظًا في التسعينات، وتحديدًا بعد الوحدة اليمنية في عام 1990، عندما بدأت تظهر المؤشرات على تسوية بعض القضايا السياسية مع إسرائيل. إحدى أبرز هذه المراحل كانت توقيع “صفقة أستير”، التي هدفت إلى إعادة توطين اليهود في اليمن، ما أدى إلى تشجيعهم على مغادرة البلاد إلى الأراضي المحتلة. بل إن إقرار “قانون الهجرة” في عام 1991 كان بمثابة خطوة لتسهيل تنقل اليهود من اليمن إلى فلسطين، وهو ما يعتبر خيانة عظمى للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب اليمني في وطنه.
وفي الوقت الذي كانت تتجسد فيه هذه التحركات، كانت الحكومة اليمنية تحت حكم صالح تُقمع بشكل ممنهج أي تحركات شعبية أو دعوات وطنية ترفض التعاون مع إسرائيل. ففي العديد من الأحيان، كان يتم إيقاف خطب الجمعة التي تتحدث عن جرائم الاحتلال، ويتم منع المظاهرات المؤيدة لفلسطين. كانت هذه الخطوات تهدف إلى إغلاق المجال أمام أي مقاومة شعبية ضد سياسات التطبيع.
وفي العقد الأخير من حكم صالح، كانت هناك تقارير تشير إلى أن التعاون الأمني بين النظام اليمني والاستخبارات الإسرائيلية قد بلغ مستويات غير مسبوقة، خصوصًا خلال حروب صعدة. حيث تم تأكيد أن إسرائيل قدمت أسلحة استخدمها صالح في قمع الحوثيين، كما تبادل صالح والموساد الإسرائيلي معلومات استخباراتية لتنسيق جهودهم ضد الجماعات المسلحة.
عفاش في خدمة آل سعود.. تابع بلا عقل ولا سيادة
ظلّت علاقة علي عفاش ومنظومته العفاشية، بالنظام السعودي مركزية في سياق السياسة اليمنية طوال فترة حكمه. لم تكن هذه العلاقة مجرد تعاون دبلوماسي بين دولتين جارتين، بل كانت علاقة تبعية شبه كاملة، حيث كانت الرياض تتحكم في العديد من مفاصل الحكم في اليمن. السعودية لم تكن تكتفي بالضغط السياسي على صالح، بل كانت تفرض سيطرتها العسكرية من خلال اتفاقيات سلاح كانت تمر جميعها عبر الرياض، بالإضافة إلى التحكم في بعض القواعد الجوية اليمنية، مثل القاعدة في خميس مشيط، حيث كانت الطائرات اليمنية من طراز F5 تحت المراقبة السعودية.
هذا النفوذ السعودي في اليمن لم يتوقف عند الحدود العسكرية، بل امتد ليشمل الحياة السياسية والاقتصادية. فقد فرضت السعودية بشكل مباشر إملاءاتها على مختلف قطاعات الدولة اليمنية، بما في ذلك إدارة الملفات السياسية الكبرى. كشف “ويكيليكس” عن عمق هذا التدخل السعودي في اليمن، حيث كان للرياض تأثير كبير على تعيين الوزراء والمناصب العليا في الدولة. السعودية كانت أيضًا متورطة بشكل مباشر في اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي في عام 1977، حيث تبين لاحقًا من خلال وثائق مسربة أن الرياض كانت وراء هذا الاغتيال في إطار محاولات للحد من استقلالية القرار اليمني.
من جانب آخر، لا يمكن إغفال الخيانة المتعلقة بالتنازل عن الأراضي اليمنية لصالح السعودية، حيث وقّع صالح اتفاقية في عام 1998 تنازل بموجبها عن مساحات من الأراضي لصالح الرياض. هذا كان مثالًا صارخًا على تدمير السيادة اليمنية وبيع الأراضي تحت ضغط من السعودية.
من الخيانة إلى الفوضى: آثار ارتهان صالح للخارج
إن ارتهان علي عبدالله صالح للخارج كان له آثار كارثية على كافة الأصعدة في اليمن. فبينما كان الشعب اليمني يطمح إلى الاستقرار، كان صالح يغرق البلاد في دوامة من الفوضى السياسية والتبعية الاقتصادية. كان هذا الارتهان سببًا رئيسيًا في تدمير المؤسسات الوطنية، مما جعل اليمن في حالة من الانقسام السياسي والصراعات الداخلية المستمرة. فقد كانت القرارات تُتخذ في العواصم الأجنبية، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات السيادية اليمنية مجرد أداة لتنفيذ هذه القرارات.
اقتصاديًا، تسببت تحالفات صالح المشبوهة في نهب ثروات اليمن، حيث تم استنزاف النفط اليمني في صفقات سرية مع الدول المجاورة. بل إن بعض الوثائق تكشف أن السعودية كانت تتولى إدارة بعض حقول النفط في الجوف، مما يضع علامة استفهام على كيفية فقدان اليمن للعديد من موارده الطبيعية. هذا النهب الممنهج للموارد اليمنية أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، مما ترك الشعب يعاني من مستويات عالية من الفقر والبطالة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد خلّف ارتهان صالح للأجانب أضرارًا جسيمة في بنية المجتمع اليمني. فقد أدى تهميش إرادة الشعب، ونمو الفساد والمحسوبية، إلى انتشار الشعور بالإحباط لدى المواطنين. وأصبح اليمنيون يشعرون بأنهم مجرد أدوات في لعبة المصالح الدولية، مما جعل التحديات الاجتماعية والاقتصادية تتفاقم.
في النهاية، كانت تداعيات ارتهان الهالك علي عبدالله صالح للخارج بمثابة زلزال ضرب كيان الدولة اليمنية من الداخل. حكمه الذي امتد لعقود طويلة كان سلسلة من الخيانات السياسية التي أكدت أن مصلحة الوطن لم تكن في صلب أولوياته. فقد ضحى بالسيادة الوطنية وسلم القرار اليمني للقوى الإقليمية والدولية، ما جعل اليمن رهينة في يد الخارج، فاقدة القدرة على تحديد مصيرها، ضعيفة ومفككة.
واليوم، يدفع الشعب اليمني الثمن الباهظ لهذه الخيانات المدمرة، بينما يواجه تحديات ضخمة لإعادة بناء وطنه من تحت الرماد. إن ما تحتاجه اليمن الآن هو استعادة سيادتها الوطنية واستقلال قرارها بعيدًا عن الهيمنة الأجنبية التي مزقت هذا الوطن ودمرت آمال أبنائه. ولن يتحقق هذا إلا بتكاتف الجهود الداخلية، بعيدًا عن التدخلات والتبعية التي أسهمت في تدمير البلاد.











