من الهجرة إلى التحرير.. دروسُ النبوة في بناء الأُمَّــة وكسر الهيمنة الصهيونية
من الهجرة إلى التحرير.. دروسُ النبوة في بناء الأُمَّــة وكسر الهيمنة الصهيونية

21 سبتمبر| مقالات – القاضي حسين محمد المهدي
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
يستقبل المسلمون عامًا هجريًّا جديدًا، وهم يستحضرون ذكرى الهجرة النبوية المباركة، تلك الحادثة العظيمة التي لم تكن انتقالًا مكانيًّا فحسب، لقد كانت تحوُّلًا حضاريًّا شاملًا، قامت أركانه على الإيمان، والتضحية، والتعاون، والتناصح، والتكافل، وتوحيد الكلمة، حتى استطاعت الأُمَّــة الناشئة أن تقيم دولة العدل، وأن تحمل رسالة الله إلى الناس كافة.
فنهنئ الأُمَّــة الإسلامية وقائد المسيرة القرآنية ومحور الجهاد والمقاومة بهذه المناسبة العظيمة.
هلال المحرم غدا يرتقب ** بميلاد عام جديد اقترب
ثمان وأربعون وأربعمِئة ** وألف نراها جرت بالحقب
تذكر بهجرة خير الورى ** كريم السجايا ونور العرب
ختام النبيين مسك الختام ** خير البرايا رفيع الأدب
ومن كان هجرته نعمةً ** تبشِّر بالنصر فيما أحب
وقد كان عيسى النبي الحكيم ** يبشر بأحمد المرتقب
يبشّر بالنور نور الهدى ** مزيل الضلالة ماحي الريب
محمد نبي الهدى والتقى ** عظيم السجايا رفيع الحسب
فبشرى الخلائق بعام جديد ** به الفتح والنصر للمسلمين والعرب
ومن هنا، فإنه مما ينبغي للمسلم اليوم أن يعلم أن استقبال العام الهجري الجديد لا ينبغي أن يقتصر على عبارات التهنئة وتبادل الأمنيات، وإنما يجب أن يكون مناسبةً لتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى، ومراجعة واقع الأُمَّــة، واستنهاض عوامل القوة فيها، والسعي الجاد إلى رأب الصدع، وجمع الكلمة، وتوحيد الجهود، خُصُوصًا في ظل ما تتعرض له الأُمَّــة الإسلامية، وفي مقدمة قضاياها قضية فلسطين والقدس الشريف.
لقد علَّمتنا الهجرة النبوية أن النصر لا يتحقّق بالتمني، وإنما يتحقّق بالأخذ بأسباب القوة، وبالتعاون بين المؤمنين، وبالتناصح الصادق، وبالتكافل والتناصر، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وقال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ}.
وما أحوج الأُمَّــة اليوم، وهي تستقبل عامًا هجريًّا جديدًا، إلى أن تجعل من هذه المناسبة محطة لمراجعة المواقف ومنطلقًا لتجديد روح الأخوة الإسلامية، ونبذ الفرقة والخلاف، وإحياء فريضة التناصح، وإرساء ثقافة التعاون والتكامل بين أبنائها، فالتحديات الكبرى لا تواجهها الجهود المتفرقة، وإنما تتطلب وحدة الصف، وتكامل الأدوار، وتضافر الطاقات، واستثمار الإمْكَانات فيما يحقّق مصالح الأُمَّــة ويصون مقدساتها.
وأن لا تكون الشدائد التي تواجه الأُمَّــة عامل إحباط ويأس فإن الفرج لا يأتي إلا بثبات وصبر وعزيمة فقد أثنى الله على من هكذا حاله فقال سبحانه: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئك الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئك هُمُ الْمُتَّقُونَ}.
فلا يهولن الأُمَّــة عربدة الصهيونية واعتداءاتها على مقدسات الأُمَّــة ويوشك أن يكون زوالها وذهاب ما جلبته من مآس في القريب العاجل بإذن الله، فلسان الحال في مثل هذه الحال تقول:
فكم محنةٍ أعقبتْ منحةً ** وكم شدَّةٍ أنجبتْ ما يُحبْ
إذا ضاقَ بالأمةِ المستطاعُ ** فأمرُ الإلهِ عظيمُ السَّببْ
يُدبِّرُ ما شاءَ من أمرِهِ ** ويُجري المقاديرَ حسبَ ما كتب
فبشرى لأقصى الجراحِ التي ** ستُشفى ويُرفعُ عنها الكَرَبْ
وبشرى لغزَّةَ أنَّ الصباحَ ** سيأتي ويُطوى ظلامُ الحُجُبْ
وبشرى لأمةِ خيرِ الأنامِ ** بأنَّ المواعيدَ لا تُغتَصَبْ
وأنَّ الحقوقَ وإن طالَ ليلٌ ** ستعلو ويُكسرُ قيدُ الغَلَبْ
فكم دولةٍ شيَّدتْ ملكَها ** فهزَّتها صيحةٌ من غضبْ
وكم طاغي ظنَّ أنَّ البقاءَ ** له فإذا ملكُه قد ذهبْ
سيمضي الزمانُ بأحكامِهِ ** ويقضي الإلهُ بما قد كتبْ
ويأتي الفتوحُ لأهلِ اليقينِ ** إذَا استمسكوا بعرى ما أحب
فهذا المحرَّمُ بشرى لنا ** بأنَّ الصباحَ على الباب هبْ
وأنَّ النصرَ وعدُ الإلهِ الذي ** به المؤمنونَ غدًا تكتسب
فبشرى الخلائقِ بعامٍ سعيدٍ ** سيعلو ويُقهرُ أهل الرِّيبْ.
إن القدس الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ليست قضية شعب بعينه، ولا شأنًا محليًّا يخص أهل فلسطين وحدَهم، وإنما هي قضية الأُمَّــة جمعاء، وعنوان عزتها وكرامتها، وميدان اختبار صدق انتمائها لدينها وتاريخها وحضارتها.
ومن ثم فإن الواجب يقتضي أن تتكثّـف الجهود السياسية والإعلامية والثقافية والتربوية والاقتصادية، وأن تتعزز روح التضامن والتناصر، وأن تتحول مشاعر المحبة لفلسطين إلى برامج عمل، وإلى مواقف عملية تسهم في نصرة أهلها، وكشف جرائم المحتلّين، وإسناد صمود الشعب الفلسطيني بكل الوسائل المشروعة.
إن ذكرى الهجرة تعلمنا أن بناء الأُمَّــة يبدأ من بناء الإنسان المؤمن الواعي، وأن صناعة النصر تمر عبر ترسيخ الإيمان، وتعزيز الوعي، وتحصين الأجيال من عوامل الانحراف والتبعية، وغرس روح المسؤولية والجهاد والصبر والثبات، فالأمة التي تتربى على القرآن، وتتوحد حول المبادئ والقيم، وتؤمن بقضيتها العادلة، لا بد أن تبلغ أهدافها مهما طال الطريق؛ ولأن من معاني استقبال العام الهجري الجديد أن تحوله الأُمَّــة الإسلامية إلى موسم للمراجعة والتقويم، فتتجاوز الأُمَّــة أسباب ضعفها، وتنبذ العصبيات الضيقة، وتسمو فوق الخلافات الثانوية، وتدرك أن مواجهة الأخطار المحدقة بها تقتضي توحيد الصفوف، وإعلاء المصالح العليا للأُمَّـة، وتقديم المشتركات الجامعة على أسباب الفرقة والنزاع.
ولقد كان من أعظم ثمار الهجرة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهي صورة خالدة للتعاون والتكافل والتناصر، تؤكّـد أن الأُمَّــة حين تتجاوز الأنانية والمصالح الذاتية، وتلتقي على أَسَاس الإيمان والحق، تصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق الانتصارات.
وإذا كانت الهجرة قد دشّـنت مرحلة إقامة الدولة الإسلامية الأولى، فإن الأُمَّــة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام دروسها في بناء مشروع نهضوي جامع، يقوم على الإيمان والوعي والوحدة، ويستثمر طاقات الأُمَّــة وإمْكَاناتها الهائلة في سبيل استعادة مكانتها، والدفاع عن مقدساتها، وفي مقدمتها القدس الشريف.
فليكن العام الهجري الجديد عامًا للتوبة والرجوع إلى الله، وعامًا للتعاون والتناصح والتراحم، وعامًا لتوحيد الجهود وتكثيف الطاقات، وعامًا لإحياء روح المسؤولية تجاه قضايا الأُمَّــة الكبرى، حتى تستعيد الأُمَّــة وحدتها وعزتها، وتتحقّق لها أسباب القوة والنصر، مصداقًا لقوله تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}، وقوله سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
وما أحوج الأُمَّــة، وهي تطوي صفحة عام مضى وتستقبل عامًا جديدًا، إلى أن تجعل من الهجرة النبوية مدرسةً للوحدة والتعاون والبذل والتضحية، وأن تستلهم من سيرتها معاني الثبات والعمل والجهاد والصبر، حتى يأتي اليوم الذي ترى فيه القدس الشريف محرّرا، والأمة أكثر تماسكًا وقوةً ومنعةً، {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
* عضو رابطة علماء اليمن






