جمهورية الوفاء وإمبراطوريات الغدر.. موازين الصراع المحتوم في ميزان القرآن
جمهورية الوفاء وإمبراطوريات الغدر.. موازين الصراع المحتوم في ميزان القرآن

21 سبتمبر| مقالات – القاضي حسين محمد المهدي
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفسهُمْ وَأموالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالقرآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
إنَّ تحكيم العقل في كُـلّ ما يَعرِضُ للإنسان من أمرٍ سبيلُ النجاة، فالعقل الذي استوفى شروط الفهم التي تؤهله لإدراك ما يُلقى إليه سبيلٌ للنجاة، ووسيلةٌ للتمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والوفاء والغدر.
والقرآن الكريم يحتكم إلى العقل، وينعى على من لا يستعمله بأُسلُـوب مؤثر يفعل في قارئه ما لم تفعله أقصى الزواجر، قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}.
كما أنَّ الحق سبحانه وتعالى جعل إهمال استعمال العقل سببًا لعذاب الآخرة، وحكى عن الكافرين قولهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أصحاب السَّعِيرِ}.
إن استعمال البصر مع العقل يجعل الإنسان يدرك الفرق جليًّا بين الحق والباطل، ويدرك ذلك من خلال تتبعه ومشاهداته لما يجري في واقع الحياة والأمم.
فالإنسان الذي يمارس الغدر والكذب وعدم الوفاء بالوعد والعهد إنسان غير سويٍّ، ولا جديرٌ بالاتباع أَو الثقة، وقد أرشد القرآن إلى الاعتبار بسُنن التاريخ ومصارع الأمم، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
والمراد أن القلب يصدأ فلا يعي ولا يعقل شيئًا، على الرغم من كونه لم يُصب من الناحية المادية بمرض، وهذا من أسرار علم النفس الإنساني؛ إذ إن للقلوب عمًى تصاب به البصائر، لا يُعتبر بجانبه عمى الأبصار شيئًا؛ لأنه يحجُبُ عن الإنسان نورَ البصيرة الذي تقوم به حياته الصحيحة.
ولهذا نفى الله الفهم عن قلوب الكافرين فقال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولئك كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}.
الوفاء بالعهد أَسَاس الثقة بين الأمم
ومن أعظم القيم التي أكّـد عليها القرآن الكريم قيمة الوفاء بالعهد، حتى جعلها من صفات المؤمنين، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا}.
فالوفاء ليس مُجَـرّد خُلُق فردي، وإنما هو أَسَاسُ استقرار المجتمعات، ومصدرُ الثقة بين الدول والشعوب، وبدونه تتحوَّلُ العلاقات الإنسانية والسياسية إلى غابة تحكمها القوة والخداع والمصلحة المُجَـرّدة.
وأكبر شاهد على ذلك ما يحدث في السياسة الأمريكية من تناقضٍ وعدم وفاء بالوعود والعهود.
فهذه أمريكا في عهد الرئيس أوباما وقّعت اتّفاقًا حول المفاعلات النووية وتخصيب اليورانيوم في إيران بعد محادثاتٍ طويلة، ولما جاء ترامب إلى سدة الحكم نَكَثَ ذلك الاتّفاق دون مراعاةٍ لما تم من قبل الرئاسة الأمريكية، غير مدركٍ أنَّ ذلك السلوك مما ينزع الثقة من هذه الدولة؛ لأنها لا تحافظ على اتّفاق ولا عهدٍ ولا وعد.
فالأمانة التي هي خاصية إنسانية في العلاقات كلها تتعرض بهذا العمل المشين والسلوك المزري إلى انتكاسةٍ خطيرة، وتؤدي إلى إخفاق هذه الدولة؛ لأنها أصبحت أضحوكةً على مسرح السياسة الدولية.
فلم يعد ترامب وأتباعه يدركون قبحَ ما أقدموا عليه، وأكبر من ذلك إقدامهم على دعم الحروب والعدوان في أكثر من ساحة، بما يعزِّزُ صورةَ القوة التي لا تعبأ بالقيم ولا بالمواثيق.
إنَّ الدولَ التي تبني سياساتِها على الغدر ونقض العهود قد تحقّق مكاسبَ آنية، لكنها تفقد رأسَ مالها المعنوي، وهو الثقة، وَإذَا فُقدت الثقة فقدت معها القدرة على بناء شراكات مستقرة أَو قيادة محترمة في العالم.
وقد قرّر القرآن هذه الحقيقةَ بقوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.
الوفاء والصمود في مواجهة العدوان
إن الجمهورية الإسلامية في إيران قد ضَرَبَت مثالًا في التمسك بالوفاء لمواقفها المعلَنة والثبات عليها، والرد على عدوان يستهدفها ويستهدف حلفاءَها، وهي ترى أن الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني جزءٌ من التزامها السياسي والأخلاقي.
وإن إخوانهم في يمن الإيمان والحكمة وفلسطين ولبنان والعراق ضمن محور المقاومة يقفون إلى جانبهم، يؤازرونهم ويناصرونهم، ولسان الحال قائلًا:
كريم الناس من يصل الكراما ** ويرفعهم إلى أعلى مقاما
أتعلمُ أي سلطان تحيي ** شعوب الأرض وتقرؤه السلاما
وأكرم من على طوط كريم ** من الأخلاق من سل الحساما
فمَن مبلغ إيرانَ عنا ** كلامًا مرضيًا قومًا كراما
رجال الحرب في الهيجاء أسود ** وأهل الصدق إن صنعوا السلاما
تساءلت البرايا عن وفاهم ** وأسمعت الممالك والأناما
بأنهم في الحرب صدق ** ينال بوعدهم صدق الكلاما
وأن خصومهم قوم لئام ** يحب الغدر هم يؤذوا العظاما
وأكرم من على الأيّام ألقت ** لهم في كُـلّ نائبة زماما
يقيمون الصلاة لكل فجر ** ويبنون المدائن والمراما
فمن يبلغ إيران بأن قومًا ** تشرف أن يكونوا للكراما
رجال لا يحيف الدهر فيهم ** إذَا نادى المنادي المستهاما
وأن خصومهم ظلموا وجاروا ** سيلقون الذي كسبوا حماما
القتال في الإسلام لدفع العدوان
إن البغيَ مصرعُه وخيم، وإن الأُمَّــة الإسلامية مدعوَّةٌ إلى الوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة الظلم والعدوان أينما كان، وَإذَا أمعنَّا النظرَ في النصوص القرآنية التي أمر الله فيها المسلمين بالقتال رأيناها تؤكّـد أن الحرب ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلةٌ لدفع العدوان وحماية المستضعفين وصيانة الكرامة الإنسانية.
لقد مكث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بضعَ عشرةَ سنةً يصبر على أذى المشركين في مكة، وعلى ما لقيه المسلمون من الاضطهاد والتنكيل، فلما تفنن أعداؤهم في إيذائهم أذن الله لرسوله وللذين آمنوا معه بالقتال، فقال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.
فقاتل المسلمون لردِّ العدوان، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}.
فالقرآن يدعو في كثيرٍ من الآيات إلى القتال في سبيل الله، ودفع الظالمين، وردِّ بغيهم، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أولياء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.
وقال سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
إن المتأمل في سنن الله في الأمم يدرك أن الوفاء والصدق والأمانة ليست مُجَـرّد فضائل أخلاقية، وإنما هي أسبابُ قوةٍ وبقاءٍ ونصر، كما أن الغدرَ والكذبَ ونقضَ العهود ليست مُجَـرّد رذائل، وإنما هي أسباب ضعفٍ وسقوطٍ وانهيار.
وما أحوجَ الأُمَّــةَ الإسلامية اليوم إلى أن تجعلَ من القرآن الكريم مرجعها في المواقف والسياسات، وأن تتمسك بقيم الوفاء والعدل والثبات، وأن تقف في وجه الظلم والعدوان، مستيقنةً أن وعد الله حق، وأن العاقبة للمتقين، وأن النصر من عند الله العزيز الحكيم.
* عضو رابطة علماء اليمن






