اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

بين زخات المطر وهتافات الملايين.. مليونية صنعاء تُثبّت بوصلة الوفاء لغزة وتفرض الموقف

21 سبتمبر /  تقرير خاص 

في لحظةٍ من أصعب لحظات الأمة، خرجت صنعاء لتكسر الصمت العربي المريب، وتعيد تعريف الاصطفاف في زمن القتل والتجويع. تحت أمطارٍ غزيرة، علت الهتافات وتجمّعت الجموع، لا خوفًا من رصاص، ولا هروبًا من بلل، بل حضورًا يُشبه النداء الإلهي… كأنّ النداء من غزة وصل القلوب قبل الآذان، فهبّ اليمني، شيخًا وشابًا، ليقول: “أنا هنا.. لا أزال على العهد”.

لم تكن المسيرة المليونية تكرارًا لسابقتها، بل تصعيدًا نوعيًا في مضمونها السياسي، ورسائلها الشعبية، وتوقيتها الناري في قلب مجازر غزة. اليمن لا يُعلن تضامنًا فقط، بل يترجمه: في الساحات، في البيانات، في البحر، وفي الجو. وهذه القراءة التحليلية تحاول الغوص فيما وراء الصور والهتافات، لاستكشاف المعاني والدلالات، وتثبيت ما أرادته الجماهير والبيان الرسمي: أن اليمن ليس متفرجًا، بل شريكًا في معركة المصير.

زخات المطر لا تُطفئ لهيب النصرة
في مشهدٍ مهيب يتحدى قوانين الطقس والسياسة، احتشدت الحشود اليمنية في ميدان السبعين تحت زخات المطر الغزير. لم تكن السماء الملبّدة ولا البرودة الرطبة عائقًا، بل بدت وكأنها تبارك خروجهم، تمطر على رؤوسهم كغسلٍ جماعي قبل الوقوف في محراب فلسطين. الخروج تحت المطر لم يكن مجرّد صدفة، بل رمزٌ إضافيّ للصمود، وإصرارٌ على البقاء في الموقف رغم كل الظروف والعوائق.

هذه الحشود المليونية لم تكن مجرد أرقام، بل كانت رسالة صريحة موجهة إلى الداخل والخارج: اليمن حاضر، يعي قضاياه، ولا يمكن عزله عن معركة الأمة. في وجه الطائرات التي تقصف غزة، نزل اليمنيون تحت أمطارهم هاتفين، وكأنهم يقولون: “ما يسقط من سمائكم نار، يسقط من سمائنا وفاء”. هذا التماهي بين غزة وصنعاء يتكرّس في كل محطة، ويُثبت أن الجغرافيا لا تُحدّد الانتماء، بل الموقف هو الذي يرسم خطوط الخارطة.

كل تفصيلة في مشهد المسيرة تحمل قيمة رمزية، من توقيتها، إلى الشعارات، وحتى الطقس ذاته. المطر الذي غمر الميدان لم يُبدّد حرارة الحناجر، بل غسلها من كل تعب، ورفعها في وجه الخذلان العربي كحقيقة دامغة. الرسالة كانت واضحة: إذا كانت بعض العواصم العربية قد أغلقت نوافذها على غزة، فإن صنعاء قد فتحت قلبها، وجعلت من ميدانها مئذنة تصدح باسم فلسطين.

الهتافات والصفقات.. الصوت الشعبي في وجه الخيانة
لم تكن هتافات الجماهير اليمنية مجرّد شعارات آنية، بل حملت في مضمونها لغة الثورة والرفض القاطع للتطبيع والخذلان. (من يخذل غزة كي يسلم.. الدور سيأتيه ويندم)، (لا إسلام بغير جهاد.. إما نصر أو استشهاد)، هذه الهتافات ليست من ورق، بل من نار تُلهب الوعي، وتكشف حجم الشرخ بين الشعوب المقاومة والأنظمة المتواطئة.

الهتافات كانت تعبيرًا شعبيًا صادقًا عن رفض صفقات الخداع والخيانة، وصرخة ضد كل من باع الأقصى بثمن سياسي رخيص. صوت الشعب اليمني ارتفع من ميدان السبعين، ليصل إلى كل من يحاول أن يُجمّل العلاقة مع الكيان الصهيوني. الرسالة كانت موجعة وصريحة: لا مقام للخائن بيننا، ولا صوت يعلو فوق صوت غزة.

الدعم العسكري اليمني.. من الشعار إلى الفعل المقاوم
بيان المسيرة لم يكتفِ بالحديث عن مواقف عاطفية، بل انتقل مباشرة إلى تأييد العمليات العسكرية التي تنفّذها القوات المسلحة اليمنية في إطار الرد العملي على جرائم العدو الصهيوني. المباركة الشعبية الواسعة للمرحلة الرابعة من الحصار البحري حملت دلالة كبيرة على تلاحم الداخل الشعبي مع الفعل العسكري الخارجي.

هذا الانسجام بين الساحة والجبهة يشكّل عنصرًا فارقًا في الصراع، إذ إن اليمني لا يخرج فقط ليرفع صوته، بل أيضًا ليرفع سلاحه متى تطلب الأمر. والتصريحات التي تدعم استهداف الشركات المتعاملة مع العدو لم تأتِ للتهديد فقط، بل كمقدمة لعمليات قادمة تعكس استراتيجية يمنية واضحة: لا تعايش مع الاحتلال ولا شراكة مع المتواطئين.

وفي ظل حالة التواطؤ العربي، يظهر الفعل اليمني كتحرّك مستقل واستباقي، يفرض نفسه كفاعل حقيقي في مشهد المقاومة. العمليات النوعية التي تنفذها القوات اليمنية تؤكد أن المقاومة لا تقتصر على الجغرافيا الفلسطينية، بل باتت عابرة للحدود، تتغذى من غضب الشعوب، وتُترجم إلى ضربات ميدانية، تُربك العدو وتُعيد الاعتبار لفعل الردع.

بيان المفتي.. حين يصير الدين جبهة مواجهة
كلمة مفتي محافظة تعز لم تكن خطابًا دينيًا تقليديًا، بل كانت بيان موقف صريح يربط بين العقيدة والواجب تجاه فلسطين. وصفُ المجازر في غزة بأنها “وصمة عار موثقة بالصوت والصورة” لم يكن مجرد توصيف، بل إدانة أخلاقية للعالم المتواطئ.

البيان طالب الشعوب بالتحرك لا من باب التضامن، بل من باب المسؤولية الدينية والإنسانية. وهنا تتحول المسيرة إلى طقس تعبّدي، والميدان إلى محراب، والهتاف إلى تكبير. هذا الدمج بين الدين والسياسة هو ما يمنح الموقف اليمني قوته ورسوخه في الوجدان الشعبي.

المفتي لم يكتفِ بالتحريض الوجداني، بل انتقل إلى دعوة صريحة للتعبئة الجهادية، مؤكدًا أن المسيرة ليست نهاية المطاف، بل بداية لاستنفار طويل النفس، هدفه الأسمى هو النجاة من لعنة الصمت، والوقوف مع الحق مهما كانت التكاليف.

صنعاء تقول كلمتها.. هذا زمن النصر لا الخيانة
المسيرة التي شهدتها صنعاء لم تكن فعالية عابرة في زمن المأساة، بل كانت فعلًا جهاديًا شعبيًا يؤكد أن المعركة ضد الصهيونية والهيمنة لم تعد مسؤولية الفلسطيني وحده. لقد تقدّمت صنعاء الصفوف، وتجاوزت الموقف الخطابي، لتثبت أن اليمن ليس حليفًا لفظيًا لغزة، بل شريكًا فعليًا في القرار والميدان والمصير.

اليمن اليوم يقف في خندق الحق، لا يراهن على وساطات، ولا ينتظر بيانات إدانة مكرّرة، بل يصنع المعادلة على الأرض. والرسالة التي خرج بها الملايين هي: الحياد خيانة، والصمت سقوط، والتطبيع خزيٌ أبدي.
من صنعاء إلى غزة، خط واحد يربط المقاومة بالشرف، ويقطع يد كل متآمر، ويرسم للأمة دربًا لا يُعبّد إلا بالدم والإيمان والعزيمة.

وفي زمن تتساقط فيه الأقنعة، تبقى اليمن قبلة الأحرار، وميدانًا مفتوحًا للوفاء، ومحرابًا لا يُغادره المجاهدون إلا وقد ثبتوا أن فلسطين ليست وحدها، ولن تكون.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى