اخبار محليةالعرض في السلايدرتقاريرتويتر

خفايا المساعدات لغزة.. فخاخ لمناورات تكتيكية وتلاعب إنساني في سياق عسكري!!

21 سبتمبر| تقارير| يحيى الربيعي

يواصل كيان الاحتلال سياسته الممنهجة في قطاع غزة، مبرزاً ما يصفه بـ”اللفتات الإنسانية” التي ليست في حقيقتها سوى ستارٍ كثيفٍ يهدف إلى شراء الوقت وتخفيف الضغط الدولي، ومناورة مكشوفة للتلاعب بالمجتمع الدولي.

تُسقط المساعدات جواً فوق مناطق خطرة، أو تُمرر عبر ممرات تُقصف في اليوم ذاته، ما يكشف بوضوح النية الحقيقية للاحتلال: إدارة المجاعة لا إنهاؤها. فبينما تتصاعد أصوات الاستنكار العالمية، يراهن الاحتلال على ازدواجية المعايير والخطاب الغربي، مستثمراً تلك المساعدات لتعزيز شرعيته المزعومة، في حين يمعن في سياسات الحصار والتجويع والإبادة التي يفرضها على القطاع المحاصر.

في مفارقة دامغة، يطل الجلاد بوجه المنقذ، بينما تُترك الضحية تنزف وسط صمت مريب وتصفيق المنافقين. تبقى غزة شاهدة على فشل الضمير العالمي، وعلى الحقيقة المروعة التي تؤكد أن الجوع، حين يُستخدم سلاحاً، يكشف كل الأقنعة ويفضح زيف الادعاءات الإنسانية.

 

وطأة الجوع  في غزة.. حقائق دامية

تتوالى الأنباء المروعة من القطاع المحاصر، حيث تسجل وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاعاً مأساوياً في أعداد الضحايا جراء الجوع وسوء التغذية. فخلال الـ24 ساعة الماضية وحدها، استشهد 14 شخصاً بسبب الجوع وسوء التغذية، ليرتفع بذلك إجمالي عدد الشهداء نتيجة الحصار إلى 147، بينهم 88 طفلاً. هذه الأرقام هي لأطفال يلفظون أنفاسهم الأخيرة داخل المستشفيات التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة، كحالة الرضيع محمد إبراهيم عدس الذي فارق الحياة متأثراً بسوء التغذية الحاد ونقص حليب الأطفال في مستشفى الشفاء.

كما أفادت اليونيسف بأن طفلاً واحداً يموت كل 10 دقائق في شمال القطاع بسبب المجاعة ونقص العلاج، فيما أكدت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 50% من سكان غزة يواجهون خطر الموت جوعاً. وفي تقريرها الأخير، قالت وكالة الأونروا إن 9 من أصل كل 10 أشخاص في غزة لا يجدون طعاماً كافياً، بينما حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من انهيار النظام الغذائي والصحي، مؤكدة أن الوضع تجاوز الكارثة ليصل إلى مستوى “الإبادة بالمجاعة”.

من جهته، حذر مكتب الإعلام الحكومي في غزة من أن أكثر من 40 ألف طفل رضيع يواجهون خطر الموت الوشيك بسبب استمرار الاحتلال في منع استيراد حليب الأطفال لأكثر من 150 يوماً. منوهاً بأن القطاع، وسط صمت عربي ودولي مريب، يتعرض لجرائم تجويع تزداد شراسة وتتوسع وتتفاقم بشكل غير مسبوق لتطال 2.4 مليون إنسان، بينهم 1.1 مليون طفل، علاوة على استمرار الاحتلال في ارتكاب جرائم الإبادة بالقصف والفتل المباشر للمدنيين.

وأشار المكتب إلى أنه، وفي اليومين الأخيرين، تداولت وسائل إعلام أنباء عن نية عدة دول وجهات بإدخال مئات الشاحنات لكسر المجاعة في قطاع غزة، لكن الواقع فاضح: دخلت فقط 73 شاحنة في شمال وجنوب قطاع غزة، وقد تعرّض معظمها للنهب والسّرقة تحت أنظار الاحتلال وطائراته المُسيّرة، في ظل حرصه الواضح على منع وصولها إلى مستودعات التوزيع، ضمن سياسة هندسة الفوضى والتجويع.

في المقابل، قال رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، سلامة معروف: “إن ما يحتاجه القطاع يومياً هو 600 شاحنة إغاثة، بينما ما يصل فعلياً لا يتجاوز 25 شاحنة، منها 3 فقط تحمل مواد غذائية أساسية.” مؤكداً “شهدنا ثلاث عمليات إنزال جوي لم تعادل في مجموعها سوى شاحنتين من المساعدات، وقد سقطت حمولتها في مناطق قتال حمراء -وفق خرائط الاحتلال- يُمنع على المدنيين الوصول إليها، ما يجعلها بلا أي جدوى إنسانية”. وشدد “إن ما يجري هو مسرحية هزلية يتواطأ فيها المجتمع الدولي ضد المُجوّعين في قطاع غزة، عبر وعود زائفة أو معلومات مضللة تصدر عن دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها حيث فقدت الحد الأدنى من المصداقية”.

وفي سياق متصل، أكّد تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” أن إسرائيل تستخدم الغذاء كسلاح ضغط على سكان غزة، وتُسخّر المساعدات لخدمة حملتها الدعائية. وذكرت أن الاحتلال يعرقل دخول الأدوية ومعدات المستشفيات، ويمنع فرق الإنقاذ من التحرك، وفي الوقت ذاته يُظهر نفسه أمام الإعلام كمبادرٍ لحل الأزمة. وأضاف التقرير: “ما يجري ليس مجرد حصار، بل سياسة تجويع متعمدة ترقى إلى جرائم حرب”.

وحذرت منظمة الصحة العالمية أن أزمة سوء التغذية في غزة قد تفاقمت بشكل حاد، حيث تضاعفت معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة في مدينة غزة ثلاث مرات منذ يونيو/حزيران، لتصبح هذه المنطقة الأكثر تضرراً في القطاع.

لم تكن هذه التحذيرات حبيسة التقارير، فقد دوت في أروقة الأمم المتحدة، حيث حث الأمين العام أنطونيو غوتيريش المجتمع الدولي على رفض استخدام الجوع كسلاح حرب، مؤكداً أن “الجوع يفاقم عدم الاستقرار ويقوض السلام”. كما انتقدت منظمات دولية بارزة مثل أوكسفام التحركات المحدودة للاحتلال بشأن وصول المساعدات، مؤكدة على لسان مسؤولة السياسة في المنظمة بشرى الخالدي أن “عمليات الإنزال الجوي القاتلة وتدفق الشاحنات لن تمحو أشهراً من المجاعة المخطط لها في غزة”.

 

 جرائم الاحتلال على المحك

على الصعيد ذاته، تواجه مزاعم الاحتلال بالسماح الجزئي بدخول المساعدات بتصاعد غير مسبوق للضغوط الدولية. فقد أطلقت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى أكثر من 200 منظمة دولية ومحلية، سلسلة من التقارير والتحذيرات التي تشير إلى انهيار تام في القدرة على توفير الغذاء والمياه في مناطق واسعة من القطاع.

كما دعت 25 دولة الاحتلال إلى الرفع الفوري للقيود المفروضة على تدفق المساعدات، وشددت على رفض أي إجراء لإحداث تغيير ديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذه الضغوط المتزايدة، التي تزامنت مع تزايد التعاطف العام مع الفلسطينيين في دول مثل بريطانيا، حيث أظهر استطلاع حديث ارتفاعاً ملحوظاً في دعم القضية الفلسطينية، وضعت الاحتلال في مأزق أخلاقي وسياسي.

الضغط الدولي كان لافتاً. ففرنسا طالبت علناً بوقف استهداف المدنيين، فيما اعتبرت ألمانيا أن استمرار منع دخول الغذاء والدواء يُعد جريمة حرب. أما الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لتل أبيب، فقد حذّرت عبر مستشار الأمن القومي جيك سوليفان من أن استمرار المجاعة يهدد شرعية الحرب ويفاقم التوترات الإقليمية، ما دفع الاحتلال لتقديم ما يشبه اللفتة “الإنسانية” كغطاء سياسي وليس كموقف أخلاقي.

هذه التقارير، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، دفعت أطرافاً أوروبية بارزة، أبرزها فرنسا وألمانيا، إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية مباشرة على الاحتلال، ملوحة بإعادة النظر في الاتفاقات التجارية والعسكرية المشتركة ما لم تتخذ إجراءات عاجلة لمنع انهيار القطاع صحياً وغذائياً. ووفقاً لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن مسؤولين أوروبيين حذروا الاحتلال من أن “أزمة إنسانية بهذا الحجم ستقوض شرعية أي دعم عسكري أو سياسي غربي”. ودعت رسالة وقع عليها 341 من الأكاديميين والأساتذة الإسرائيليين البارزين إلى وقف استهداف المدنيين، ودعوا إلى “فرض حدود أخلاقية على العمليات العسكرية في غزة”.

 

تبييض الصورة ومناورة تكتيكية الأهداف الخفية

على صعيد ردود الأفعال، أكد محللون أن قرار الاحتلال بالسماح بدخول المساعدات، وإن بدا إنسانياً في ظاهره، يحمل في طياته أبعاداً سياسية واستراتيجية تتعلق بموقفه الإقليمي والدولي. فمع تصاعد التغطية الإعلامية الدولية التي أظهرت مشاهد الجوع والدمار، برزت خشية الاحتلال من تعميق عزلته السياسية في المحافل الدولية، خاصة مع اقتراب انعقاد الدورة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، والتي ستناقش حصار غزة كجريمة ضد المدنيين.

ويهدف الاحتلال من وراء هذه الخطوة، ووفقاً لتحليلات وسائل إعلام عبرية، حيث ذكرت صحيفة “هآرتس” أن تل أبيب وافقت على إسقاط مساعدات جوية بعد طلب مباشر من واشنطن، وذلك لاحتواء فضيحة أخلاقية متصاعدة تهدد الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل، لا سيما داخل الكونغرس والحزب الديمقراطي. كما يهدف إلى تقويض انفراد مصر وقطر بالدور التفاوضي الإنساني مع غزة، إذ سمح بالمساعدات هذه المرة خارج سياق التفاهمات الثلاثية التقليدية، وبشروط يحددها هو دون الرجوع إلى الوسطاء. ويمثل ذلك رسالة مزدوجة: فمن جهة، يسعى الاحتلال إلى إظهار قدرته على الاستبداد بقراراته، ومن جهة أخرى، يهدف إلى تكرار اسطوانته المشروخة في تعريف دور الوكالات الدولية كأطراف محايدة في عمليات الإغاثة.

وفي السياق، ذكر موقع أكسيوس الأميركي أن مسؤولي مجلس الأمن القومي نصحوا الاحتلال بـ”خطوات فورية لإظهار الاستجابة الإنسانية”، مؤكدين أن استمرار الحصار الكامل “يعقد الدعم الغربي ويعزز خطاب المعسكر المعارض للاحتلال داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”. يقرأ قرار فتح الممرات اليوم على أنه محاولة لتخفيف هذا الانكشاف الأخلاقي، عبر إظهار أن الاحتلال يسمح بدخول المساعدات “عندما تكون هناك حاجة ملحة”، في وقت تؤكد فيه قيادة جيش الاحتلال أنها لا تتخلى عن أولوياتها العسكرية.

من جهتها، أكدت حركة حماس أن الاحتلال بإجراءاته الأخيرة، يحاول تبييض صورته والتهرب من وقف سياسة التجويع، مؤكدة أن هذه الإجراءات ما هي إلا استمرار “لإدارة حرب التجويع” ولن تنهي أزمة المجاعة التي تودي بحياة المئات كل يوم. مشددة على تأكيد حقيقة أن إسقاط المساعدات جواً ليس سوى إجراء “خادع” يستهدف تجاهل مطالب إنهاء الحصار ووقف التجويع.

 

التجويع كسلاح حرب.. استراتيجية صهيونية لا تتغير

يشهد قطاع غزة فصولاً مأساوية تتكشف فيها حقيقة الموقف المتصلب لكيان الاحتلال، الذي يواصل فرض سياسة التجويع، على الرغم من تصريحاته عن فتح ممرات إنسانية. تلك المزاعم الإنسانية لم تترافق مع أي إعلان عن وقف دائم لإطلاق النار أو تعليق للعمليات العسكرية، بل جاءت القيادة العسكرية بتأكيد صادم، مفاده أن “الجيش سيواصل عملياته ضد البنى التحتية لحماس” وأن “الاستجابة الإنسانية لا تعني تغييراً في قواعد الاشتباك”. وفي تأكيد على استمرار الحرب، هجمات إسرائيلية تقتل 63 شخصا على الأقل في غزة منذ الفجر منذ 13 ساعة قُتل 63 شخصاً على الأقل في غزة منذ صباح الأحد، وفقاً لمصادر طبية في القطاع.  وذلك بالتزامن مع تصريح لمسؤول في جيش الاحتلال، والذي أكد فيه: “لست مرتاحاً لإدخال المساعدات إلى غزة، لكن هذا يمنحنا الشرعية لمواصلة الحرب”.

هذه التصريحات، التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون، لا تترك مجالاً للشك بأن النية الحقيقية هي إدارة المجاعة وليس إنهاؤها. ففي مؤتمر صحفي، أوضح المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، دانيال هاغاري، أن “نسمح بدخول المساعدات كي نواصل الحرب ونمنع الانهيار الكامل في غزة”. أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فقد كشف خلال جلسة مغلقة مع قادة الأمن عن هذه الاستراتيجية قائلاً: “علينا أن نظهر بعض الليونة لتخفيف الضغط الدولي، لكن دون تغيير قواعد الحرب”.

إن إجراءات جيش الاحتلال لا يمكن فهمها على أنها تحول استراتيجي يهدف إلى تخفيف معاناة غزة، بل هي مناورة تكتيكية بارعة. هذه المناورة تهدف إلى إدارة الضغوط بأقل كلفة سياسية ممكنة، مع الحفاظ على السيطرة الميدانية والسياسية الكاملة. يصر الاحتلال على الجمع بين الضغط العسكري المستمر ومزاعم التخفيف الإنساني المحدودة، في سياق خطط استراتيجية تستند إلى ابتكار أساليب جديدة لتضليل الرأي العالمي. يدرك الاحتلال أن الوعي الدولي بدأ يتشكل حول حقيقة رغبته المتأصلة في استخدام أدوات إضافية لتضييق حصول الفلسطينيين على أبسط مقومات البقاء من غذاء وماء وكهرباء وعلاج، بهدف تأجيل الانفجار الدولي دون تقديم تنازلات حقيقية على مسار الحلول السياسية أو المفاوضات.

تبدو إجراءات الاحتلال للسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة خطوة اضطرارية، فرضتها مجموعة من الضغوط والاعتبارات الاستراتيجية، وليست تحولاً جوهرياً في سياساته الإجرامية المتأصلة. فالتجويع يظل سلاحاً استراتيجياً لا يمكن لجيش الاحتلال التنازل عنه. لذا، تظل هذه الخطوة محدودة وهشة، ولا تمنع الانهيار الإنساني الكامل في القطاع. حقائق ما يجري على أرض الواقع تجعلها لا تعدو كونها مجرد “ضحك على الذقون”، خاصة مع احتفاظ الاحتلال بصلاحية التراجع عنها في أي لحظة.

ما لم تتوفر إرادة دولية حقيقية لتغيير قواعد العربدة الإسرائيلية وإجبار الكيان على إنهاء الحصار بشكل كامل، فستبقى الساحة مفتوحة على مصراعيها أمام هذا الكيان لارتكاب ما يحلو له من جرائم إبادة وتدمير وتجويع وتهجير قسري.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى