اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

اغتيال الأطباء السوريين في عدن.. فضيحة التخادم الاستخباراتي بين مرتزقة اليمن ودواعش الشام برعاية أمريكية

21 سبتمبر / تقرير خاص

يكشف الاغتيال الممنهج للطبيبين السوريين “سامر حسن” و”سماهر الموسى” في قلب عدن المحتلة برصاص “محمد سالم عبدربه” —المرافق الشخصي لمحافظ عدن التابع لحكومة الفنادق— عن تجاوز الجريمة إطار الانفلات الأمني العابر، لتستقر كجزء من بنية أمنية وظيفية صُممت لإدارة الفوضى. إن هذا السقوط الأخلاقي لا يمثل مجرد حافز جنائي فردي، بل يثبت بالقرائن الميدانية نمو “تخادم استخباراتي” عابر للحدود يربط خلايا الارتزاق في المحافظات المحتلة بالتنظيمات التكفيرية في الشمال السوري. هذا الترابط العضوي تجمعه وحدة الممول والمخرج، حيث تتحرك الأدوات المحلية لإنفاذ أجندة تصفية الكفاءات وتفريغ المناطق المحتلة من عناصر استقرارها، تحقيقاً لسياسة “الإنهاك الدائم” التي يعتمدها المحور المعادي لليمن.

إن تفكيك هذه الجريمة يستوجب قراءة الآلية التي تم بها التحضير للاغتيال؛ إذ لم تبدأ الرصاصة من فوهة بندقية المرتزق، بل نبتت في “مطابخ الارتزاق الإعلامي” التي تولت سلب الحماية الأخلاقية والقانونية عن الضحايا عبر ضخ فبركات أمنية وتهم جاسوسية وهمية. هذه المنهجية المتبعة هي نسخة طبق الأصل من سلوك عصابات “هيئة تحرير الشام” (الجولاني) في إدلب، حيث يسبق التصفية الجسدية اغتيال معنوي شامل تشرف عليه أجهزة بروباغندا ممولة من البلاط الملكي السعودي وبإشراف مباشر من غرف العمليات المشتركة. هذا التماهي البنيوي يبرهن على أن الأدوات في مأرب وعدن وإدلب يرتضعون من ثدي استخباراتي واحد، وتتحرك بنادقهم بإشارة من أصابع أجنبية لا تتحدث العربية، وتتخذ من واشنطن مرجعية تخطيطية ورعاية فعلية لهذه المسالخ البشرية.

هندسة الاغتيال المعنوي والتمهيد للجريمة

لا يمكن فهم جريمة تصفية الطبيبين السوريين بمعزل عن التمهيد الخبيث الذي قادته وسائل الإعلام والنشطاء التابعين للاحتلال في عدن. فقبل أن تتحرك الأيادي الآثمة للتنفيذ، اشتغلت ماكينات التشويه الممنهجة على فبركة ملفات أمنية تسِمُ الطبيب وزوجته بـ “العمالة” والتغلغل الاستخباراتي، وهي الحيلة الكلاسيكية التي تلجأ إليها أجهزة المخابرات المحتلة لشرعنة القتل شعبياً. هذا التكتيك يهدف بالأساس إلى خلق بيئة حاضنة للجريمة وعزل الضحايا عن أي تضامن مجتمعي، بحيث يغدو القتل في نظر العامة عملاً “سيادياً” أو “حفظاً للأمن”، بينما هو في الحقيقة تصفية كفاءات خارج إطار القانون لحساب أجندات مشبوهة.

إن الشواهد الميدانية في عدن والمحافظات الجنوبية المحتلة تؤكد أن هذه السياسة باتت “عقيدة عمل” ثابتة لأجهزة الأمن التابعة لحكومة الفنادق والمجلس الانتقالي؛ حيث رُصدت عشرات الحالات التي سبقتها حملات تخوين ممنهجة ضد خطباء، وقادة رأي، وأطباء، قبل أن ينتهي بهم المطاف جثثاً هامدة في الشوارع أو داخل زنازين السجون السرية كـ “قاعة وضاح” وبير أحمد. إن مطابخ الارتزاق الإعلامي الممولة من الرياض وأبوظبي تلعب دور “القاضي والمشرّع” في هذه المسالخ، محولةً الوظيفة الإعلامية من أدوات تنوير إلى منصات لإصدار صكوك الموت، وهو ما يعكس الانهيار الشامل لمنظومة القيم والقوانين في المناطق الخاضعة لسيطرة المرتزقة.

يتطابق هذا السلوك الإعلامي والأمني بحذافيره مع ما تشهده شوارع إدلب السورية الواقعة تحت وطأة جبهة النصرة، حيث توظف “مطابخ الجولاني” الأسلوب ذاته لتبرير تصفية المعارضين والكفاءات المستقلة عبر اتهامهم بالخيانة والعمالة المزدوجة. هذا التماثل الدقيق في الخطاب، والآلية، والوقائع، يعري حقيقة التنسيق غير المباشر عبر الممول الإقليمي المشترك، الذي يحرص على تعميم نموذج “اللا دولة” وإحلال سلطة العصابات المسلحة بدلاً من المؤسسات القضائية، لضمان استمرار بقائه كلاعب وحيد يتحكم بخرائط الدم ومصائر الشعوب.

تخادم استخباراتي يجمع مرتزقة الداخل والشام

إن التزامن الفاضح بين “تغريدات الابتهاج” التي أطلقها تكفيريو إدلب عقب الجريمة، و”رقصات التبرير” التي أداها مرتزقة مأرب وعدن، يسقط كل أقنعة الزيف حول وجود فوارق بين هذه الفصائل. هذه التوأمة الدموية والابتهاج العابر للحدود يعكسان حقيقة الارتباط العضوي بغرفة عمليات استخباراتية موحدة؛ فالقاتل في عدن “محمد سالم عبدربه” لا يتحرك بوازع شخصي وهو الملازم لمحافظ المدينة، بل ينفذ توجيهات أمنية عليا صممتها الأجهزة المشرفة على الملف اليمني في البلاط الملكي السعودي، بالتنسيق مع شبكات تكفيرية يتم تحريكها غبّ الطلب لتصفية الحسابات السياسية وتصفية الكوادر العربية المهاجرة.

تثبت الوقائع على الأرض أن تصدير واستنساخ الأساليب الداعشية إلى شوارع عدن ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج دمج العناصر التكفيرية الفارة من البيضاء وأبين وشمال سوريا ضمن القوات النظامية لحكومة الفنادق. إن دمج هذه العناصر المتطرفة تحت مسميات “قوات درع الوطن” أو ألوية الحماية الرئاسية هو الذي شرعن وجود “السلاح التكفيري” داخل المدن الكبرى، وجعل من شوارع عدن مسرحاً لتصفيات وحشية تشابه ما كان يحدث في الرقة ودير الزور، وما يحدث اليوم في معتقلات إدلب المظلمة التابعة لعصابات الجولاني.

هذه الشبكة الدموية الممتدة من عدن إلى إدلب، تُمثّل الذراع الأمنية القذرة للمشروع الاستعماري؛ إذ يُراد من خلالها خلق جغرافيا مضطربة تفتقر للأمان الأساسي، مما يدفع بالكفاءات الطبية والعلمية إلى الهجرة أو الموت. إن الاستهداف المباشر لطبيبين سوريين قدما خدمات جليلة للمجتمع المحلي، هو رسالة إرهاب واضحة لكل الكوادر الأجنبية والمحلية بأن الأمن في هذه المناطق هو حكرٌ على المرتزقة والقتلة المأجورين، وأن السلامة الشخصية مرهونة بمدى الانخراط في مشاريع العمالة والارتزاق.

إدارة أمريكية للمسالخ بأدوات إقليمية

تتجمع خيوط الجريمة والتمويل والتحريض لتلتقي عند يد واحدة لا تتحدث العربية، وهي الإدارة الأمريكية التي تُمثّل المخطط والمخرج والراعي الفعلي لكل هذه المسالخ البشرية في الشرق الأوسط. إن واشنطن، “أم الإرهاب والشيطان الأكبر”، تعتمد في استراتيجيتها الإقليمية على وكلاء محليين وإقليميين لإنفاذ مشاريع التفتيت دون الحاجة للتدخل العسكري المباشر؛ حيث تمثل السعودية الممول المالي والسياسي، بينما يضطلع المرتزقة على الأرض بدور الأدوات التنفيذية الرخيصة التي تباشر القتل والسحل.

إن السياسة الأمريكية في اليمن تقوم على منع أي استقرار في المحافظات الجنوبية والشرقية، لإبقاء هذه المناطق الحيوية وممراتها المائية تحت رحمة الوجود العسكري الأجنبي بذريعة “مكافحة الإرهاب”، وهو الإرهاب ذاته الذي تصنعه المخابرات الأمريكية وتغذيه أذرعها الإقليمية. إن الصمت الدولي المطبق تجاه جرائم التصفيات والاغتيالات في عدن، وفي مقدمتها تصفية الأطباء والعلماء، يوفر الغطاء السياسي الكامل لحكومة الفنادق للاستمرار في هذا النهج الدموي، مادام يخدم الغاية الأكبر المتمثلة في إنهاك الجسد اليمني وتدمير مقومات نهوضه.

إن هذه المنظومة الاستعمارية المتكاملة تستخدم الجماعات التكفيرية ومرتزقة الداخل كأوراق ضغط جيوسياسية؛ فذات السلاح الذي يقتل السوريين في إدلب برعاية أمريكية-تركية، هو السلاح الذي يغتال السوريين واليمنيين في عدن برعاية أمريكية-سعودية. هذا الترابط يفرض على القوى الوطنية المناهضة للعدوان التعامل مع هذه الجرائم بوصفها جزءاً من معركة التحرر الشامل ضد “الشيطان الأكبر”، مؤكداً أن إسقاط أدوات الارتزاق في الداخل هو الخطوة الأولى لقطع دابر التدخلات الخارجية التي تستبيح الدم العربي من الشام إلى اليمن.

حتمية الانكسار وقرب الحساب الشعبي

إن تتبع مسار الفوضى الجنائية والأمنية في عدن المحتلة يقود إلى حقيقة واحدة: السقوط الأخلاقي والسياسي الشامل لحكومة الفنادق وأدواتها المسلحة. إن تحول قادة الفصائل ومرافقيهم إلى قتلة مأجورين يصفون الأطباء بدم بارد، يعكس وصول مشروع الارتزاق إلى مرحلة “التعفن البنيوي” التي تسبق الانهيار؛ إذ لم تعد هذه الأدوات قادرة على تسويق نفسها كسلطة شرعية أو نموذج صالح للحياة، بل كعصابات فيد ونهب وتصفيات تعيش على دماء الأبرياء وتقتات من فتات الموائد الملكية.

إن دماء الدكتور “سامر حسن” وزوجته الدكتورة “سماهر الموسى” لن تكون مجرد رقم عابر في سجلات القيد الجنائي، بل هي وقود لوعي شعبي متصاعد يدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الخلاص من هذا الجحيم يكمن في طرد المحتل وأدواته. إن الحساب التاريخي والشعبي قادم لا محالة، ولن تجد الأيادي الملطخة بالدماء ملجأً يحميها عندما تتحرك الإرادة الشعبية المسنودة بالقوة الوطنية الحرة لطهير كل شبر من أرض اليمن، وإعادة عدن إلى موقعها الطبيعي كمنارة للأمن، والاستقرار، والعروبة، بعيداً عن مسالخ المرتزقة ورعاة الإرهاب الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى