في الذكرى الـ56 لإحراقه.. الأقصى بين نار الصهاينة وصمت الأمة
في الذكرى الـ56 لإحراقه.. الأقصى بين نار الصهاينة وصمت الأمة

21 سبتمبر | تقرير خاص
لم تنطفئ النار يوم 21 أغسطس 1969م، بل تحولت إلى مخطط دائم يلتهم القدس وفلسطين كل يوم، الحريق لم يكن جريمة فردية بل قرارًا صهيونيًا بإعلان الحرب على أقدس مقدسات الأمة، يومها وقف أبناء فلسطين وحدهم يطوّقون النار ويذودون عن محرابهم، بينما غابت جيوش الأمة وشعوبها عن المعركة.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، يعيد الأقصى صرخته: إما أن تتحرك الأمة، أو يواصل العدو حرق الأرض والمقدسات بلا رادع.
جريمة لا تُنسى.. حين احترق أولى القبلتين
في يوم الخميس الثامن من جمادى الآخرة 1389هـ، الموافق 21 أغسطس 1969م، ارتكب العدو الصهيوني جريمة مدوية هزّت قلوب المسلمين إحراق المسجد الأقصى المبارك، ألسنة اللهب التهمت القسم الجنوبي الشرقي، وأحرقت المنبر التاريخي الذي خطب عليه صلاح الدين، وألحقت دمارًا كبيرًا في محرابه وسقفه.
لم يكن الحريق حادثًا عابرًا، بل محطة فاصلة كشفت أن المشروع الصهيوني لا يقف عند حدود، وأن استهداف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين هو هدف مركزي في عقيدة العدو منذ ما قبل تأسيس كيانه الغاصب.
مخطط قديم.. الهيكل على أنقاض الأقصى
قبل أن يولد الكيان الصهيوني عام 1948م، كانت دوائر الفكر اليهودي تعلن نيتها هدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، ففي “الموسوعة اليهودية” الصادرة في لندن عام 1904م جاء “اليهود يجمعون أمرهم للزحف على القدس وإعادة العبادة في الهيكل”.
ومع الاحتلال البريطاني لفلسطين، رفع قادة الحركة الصهيونية مطالب علنية بتسليم الحرم الشريف، بل وصرّح وزير بريطاني يهودي أن يوم إعادة بناء الهيكل قريب جدًا، وأنه سيكرّس حياته لتحقيقه.. ومع إعلان الكيان عام 1948م، تحولت تلك الأقوال إلى أفعال: مصادرات، حفريات، تهويد، وجرأة غير مسبوقة بلغت ذروتها في احتلال القدس كاملة عام 1967م.
التحريض والتمهيد للحريق
قبل أقل من شهر من الجريمة، نشرت الصحف الصهيونية مقالات تحريضية طالبت صراحةً بإزالة المسجد الأقصى من الوجود، صحيفة لا مرحاب كتبت “يجب الاستيلاء على المقدسات الإسلامية مهما كان الثمن”.
وبالتوازي، صعّد العدو من إجراءاته، هدم عقارات وقفية ملاصقة، احتلال باب المغاربة، إدخال جنوده بالحذاء العسكري إلى ساحات المسجد، وبدء حفريات خطيرة أسفل أساساته، وصلت إلى عمق 40 قدمًا وهددت بانهياره.
يوم الجريمة.. نارٌ تأكل الأقصى
في 21 أغسطس 1969م، أقدم المستوطن اليهودي الأسترالي المتطرف مايكل دينس روهان، بدعم من سلطات الاحتلال، على اقتحام المسجد وإشعال النيران داخله، اشتعلت أروقة الأقصى الشرقية، وامتدت ألسنة اللهب لتلتهم منبر نور الدين وصلاح الدين، فيما قطع العدو الصهيوني المياه عن المنطقة ومنع سيارات الإطفاء العربية من الوصول.
لكن الفلسطينيين صنعوا ملحمة إنقاذ حين هرعوا بجرأة لتطويق النار ومنعها من ابتلاع كامل المسجد، ورغم وضوح الجريمة، لفّق كيان العدو الصهيوني مسرحية قضائية للمجرم، وانتهى الأمر بتبرئته وإعادته إلى أستراليا كأنه لم يحرق أولى القبلتين!
صمت الأمس.. جرائم اليوم
اليوم، وبعد مرور 56 عامًا، يتأكد أن حريق الأقصى لم يكن سوى بداية لمسلسل متواصل من الجرائم، اقتحامات يومية، صلوات تلمودية في ساحاته، تهويد محيطه، وحفريات لا تهدأ تحت أساساته.
حركة الجهاد الإسلامي أكدت أن “صمت العرب والمسلمين يومها فتح الطريق أمام جرائم اليوم”، ولو تحركت الأمة بمسؤولية تاريخية حينها، لما وصلنا إلى إعلان “إسرائيل الكبرى” اليوم.
لا شرعية للعدو.. وصوت المقاومة يتعالى
أما حركة حماس فقد شددت في بيانها: “لا سيادة ولا شرعية للعدو على شبر واحد من الأقصى، والقدس ستبقى عاصمة فلسطين الأبدية”.. ودعت إلى تحرك عربي وإسلامي جاد يوقف مخططات العدو، ويجعل من ذكرى الحريق محطة لتصعيد الغضب الشعبي والرسمي في وجه الاحتلال.
الأقصى قضية أمة.. لا قضية شعب وحده
المسجد الأقصى ليس شأنًا فلسطينيًا داخليًا، بل قضية أمة بأكملها، من غزة المحاصرة إلى الضفة والقدس، ومن كل أرض عربية وإسلامية، الدفاع عن الأقصى هو دفاع عن الهوية والكرامة والوجود.. وإن كانت جريمة الإحراق قبل 56 عامًا قد فجرت صرخة في قلب الأمة، فإن استمرار الاعتداءات اليوم يفرض على شعوبها أن تترجم الغضب إلى فعل، وأن تكتب بحضورها وصمودها الفصل القادم من معركة القدس.






