اخبار دولية وعربيةاخبار محليةالعرض في السلايدرالقضية الفلسطينيةتقاريرتويتر

الضوء الأخضر الأميركي يفتح شهية الاحتلال.. هل ينجح مشروع “إسرائيل الكبرى”؟

الضوء الأخضر الأميركي يفتح شهية الاحتلال.. هل ينجح مشروع "إسرائيل الكبرى"؟

21 سبتمبر| تقارير – يحيى الربيعي

تشكل الغارات الجوية العنيفة والقصف المدفعي الممنهج على حي الزيتون بمدينة غزة، والتي جرت فجر الخميس 14 أغسطس 2025م، حلقة جديدة ومأساوية في سلسلة عدوان مستمر لا يتوقف. هذه الهجمات، التي أدت إلى تدمير مئات المنازل في غضون أيام قليلة، ما ينذر بأن الأحداث تجاوزت مسار التصعيد العسكري إلى إعلان ببدء تنفيذ عملي ومباشر لخطط التوسيع والتهجير التي يكشف عنها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. ففي الوقت الذي تعمق فيه آلة الحرب الصهيونية جراح غزة، وتوثق المستشفيات استشهاد عشرات الفلسطينيين، تتكشف بوضوح كامل المخططات العدوانية التي تهدف إلى إخضاع القطاع وتهجير سكانه. إن ما يحدث في غزة هو ترجمة حقيقية لتلك العقيدة التوسعية التي تحدث عنها نتنياهو، والتي لا تفرق بين القدس والضفة وغزة، بل تنظر إليها كلها كمساحات يجب السيطرة عليها وتفريغها من أهلها.

إشارة البدء بالخطوة التالية أمريكية

قبيل أسابيع من إعلان المجرم نتنياهو خطته الخبيثة في “احتلال غزة” وحديثه عن أوهام خارطة “إسرائيل الكبرى”، كان دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، قد ألقى بعباراته ثقيلة الوزن في الأزمة الفلسطينية، مانحاً ما يراه البعض تفويضاً مطلقاً للكيان الصهيوني في غزة. ففي تصريحات لموقع “أكسيوس”، أشار ترامب إلى أن “الخطوة التالية متروكة إلى حد كبير لإسرائيل”، ودعا إلى ممارسة “مزيد من الضغط العسكري” على حماس، معتقداً أن ذلك هو السبيل الوحيد لإطلاق سراح من يصفهم بالمحتجزين. هذه الكلمات هي انعكاس لمنهجية سياسية عميقة الجذور، تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على المشهد الإقليمي والدولي.

لا يمكن فصل تصريحات ترامب عن الخلفية التاريخية للمقاربة الأميركية تجاه الصراع. فعلى مر العقود، دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على تبني خط ثابت من الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني، وإن اختلفت أساليب التعبير عن هذا الدعم. ترامب، بمنهجه الصريح والمباشر، لم يبتعد عن هذه العقيدة، بل قام بتجريدها من أي دبلوماسية أو تحفظات، ليقدمها في أبسط صورها: “افعلوا ما تشاؤون”. هذا الموقف يعكس قناعة داخلية بأن القوة العسكرية هي الحل الوحيد، وأن أي محاولات للحل السياسي أو الدبلوماسي هي مضيعة للوقت طالما أن هناك فصائل مسلحة. هذا الاعتقاد يتجاهل السياقات التاريخية والاجتماعية للواقع الفلسطيني، ويتجاهل عمق التمسك بالحقوق المشروعة.

إن إعطاء “الضوء الأخضر” للكيان الصهيوني يحمل في طياته تداعيات كارثية. أولاً، هو يشجع على مزيد من التصعيد العسكري، ويفتح الباب أمام ارتكاب المزيد من الفظائع تحت غطاء “الدعم الأميركي”. فالكيان الصهيوني، الذي يجد نفسه مدعوماً سياسياً وعسكرياً، لن يتردد في استخدام أقصى درجات العنف لفرض أجندته، وهو ما يضع المنطقة على شفا كارثة إنسانية أوسع. ثانياً، هذه التصريحات تقوض أي مساعٍ دولية جادة لإيجاد حلول سلمية، إذ تجعل من الحوار والوساطة أمراً عديم الجدوى. عندما يرى طرف الصراع أنه يمتلك الدعم المطلق من القوة العظمى، فلن يكون لديه أي حافز لتقديم تنازلات أو الجلوس على طاولة المفاوضات.

أوهام “إسرائيل الكبرى” بين جذور فكرية وتعبيرات عملية

ما كشف عنه نتنياهو من تلقيه لخريطة توسعية تضم أجزاءً من الأراضي الفلسطينية والأردن ولبنان وسوريا ومصر، وموافقته الشديدة عليها، لم يكن وليد اللحظة. فالدكتور بلال الشوبكي، الخبير في الشؤون الصهيونية، يوضح أن نتنياهو تربى على أفكار “زئيف جابوتنسكي” التوسعية، وأن هذه الرؤية لم تكن تعبيراً عن مشاعر شخصية، بقدر ما هي جزء من عقيدة سياسية عميقة. وهذا ما يؤكده الخبراء، الذين يرون أن هذه التصريحات تعد ترجمة عملية لأفكار متطرفة تتغلغل في المجتمع الصهيوني، وتجد صداها في ممارساته اليومية في الضفة الغربية وغزة وسوريا.

تاريخياً، تعود جذور هذا المشروع إلى معتقدات دينية توراتية تفيد بأن “الأرض الموعودة” تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في سوريا والعراق. هذه المقولة التي أسس لها ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، عام 1904، أصبحت عقيدة متأصلة حملها قادة الحركة الصهيونية على مدى أكثر من 120 عاماً.

حتى أن عصابة “أرغون” الصهيونية المتطرفة، التي أُدمجت لاحقاً في الجيش الصهيوني، طالبت بأن تكون فلسطين التاريخية والأردن دولة يهودية. إن تحويل هذه العقيدة التوراتية إلى برنامج سياسي يُنفذ على الأرض هو أخطر ما يعمل عليه نتنياهو، في ظل حرب الإبادة على غزة، واستهداف القوة العسكرية السورية، وشن الحرب على لبنان.

وتشمل خارطة “إسرائيل الكبرى” التي يرفعها نتنياهو أجزاء واسعة من الدول العربية، من فلسطين التاريخية ولبنان والأردن، إلى أكثر من 70% من مساحة سوريا، ونصف العراق، وثلث الأراضي السعودية، وربع مساحة مصر، وجزء من الكويت. نتنياهو نفسه تحدث عن هذا “الحلم الإسرائيلي” بوصفه “مهمة أجيال” يشعر بأنه مكلف بها روحياً وتاريخياً.

يذهب عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية، إلى أبعد من ذلك، حيث يحدد أبعاداً خطيرة لتصريحات نتنياهو. فهو يرى فيها تعبيراً عن “جنون العظمة” لدى نتنياهو، الذي يرى نفسه قائداً “رسالياً” مفوضاً بتحقيق النبوءات الدينية. والأخطر، أن الرنتاوي يؤكد أن ما يقوله نتنياهو يعكس رأي كتلة واسعة من صهاينة الكيان الغاضب الذين ينزعون نحو التطرف الديني والقومي. وهذا ما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مرة، وهي أن الأفكار التوسعية لم تعد حكراً، كما يبدو، على وزراء متطرفين مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وإنما نابعة من إيمانات وفكر صهيوني متطرف، وهو ما يجعل المواجهة مع كيان بأكمله، لا مع جماعات أو أفراد.

العدو يسعى لفرض وقائع جديدة دعوات للتحرك لا الاكتفاء بالإدانة

إن ما أقدم عليه بنيامين نتنياهو، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، من تأييده العلني لرؤية “إسرائيل الكبرى”، لم يكن تصريح للتهديد، وإنما هو إعلان صريح عن عقيدة متأصلة، تحمل في طياتها ملامح صراع قادم، وتكشف عن استراتيجية توسعية لا تتوقف عند حدود. هذه التصريحات التي قوبلت بغضب عربي واسع، تأتي في سياق يزداد فيه التوتر، وتتزايد فيه الدعوات لإعادة احتلال قطاع غزة وتهجير سكانه.

تتوالى حلقات المخطط الصهيوني في مسعى حثيث لفرض وقائع جديدة على الأرض، وهو ما يتجسد في مفهوم “التقسيم الزماني والمكاني” للمقدسات، وتحديداً المسجد الأقصى. هذه الخطوة، التي باتت شبه قائمة ومستمرة، تمثل جزءاً من استراتيجية شاملة وخطيرة تستهدف الوصول إلى الهدف الأكبر: السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى، الذي يحمل قدسية عظيمة لدى المسلمين. هذا التفريط في القدسية لم يعد لائقاً توصيفه بالهزيمة السياسية للعرب، فقد الحد إلى خذلان عظيم تجاه توجيهات الله “ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ” الحاثة للأمة على قتال أعدائهم، وعدم التهاون والضعف والتخاذل تجاه مقدسات الأمة الإسلامية.

لم تقف ردود الفعل الإقليمية عند حدود الإدانة، حيث عبرت عدد من الدول العربية والاسلامية عن رفضها التام لهذه الأفكار التوسعية. غير أن الخبراء يحذرون من الاكتفاء بهذه المواقف، ويدعون إلى اتخاذ خطوات فعلية لإجبار الكيان على التراجع. في هذا السياق، يؤكد تحليلات الخبراء السياسيين على ضرورة تجاوز الإدانات إلى خطوات عملية، ويشدد على أن خط الدفاع الحقيقي عن الأمة العربية والاسلامية يمر عبر جبهات المواجهة الفاعلة. هذه الدعوات تأتي في ظل توجه جديد للإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، والتي تفضل التعامل المباشر مع قادة الدول، بعيداً عن الانتقادات العلنية، وهو ما قد يمنح الكيان الصهيوني مساحة أكبر للمناورة وتنفيذ أجندته التوسعية.

اعتداءات متزايدة وتقليص الوجود الفلسطيني في القدس

في موازاة ذلك، يستمر الاحتلال في سياساته العدوانية في القدس، ساعياً لتقليص الوجود الفلسطيني الأصيل. لديه خطة ممنهجة يعمل عليها منذ سنوات، تقوم على هدم المنازل الفلسطينية وإجبار أصحابها على فعل ذلك بأنفسهم تحت تهديد غرامات باهظة لا يستطيعون تحملها. هذا الأسبوع، شهد جبل المكبّر هدم عدد كبير من المنازل، مما يظهر بوضوح مدى وحشية هذه السياسة التي تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وتهويدها بشكل كامل.

في الضفة الغربية، تتصاعد وتيرة الاعتداءات الصهيونية بشكل كبير، حيث تشير الإحصائيات إلى وقوع أكثر من ألف وثمانمائة اعتداء خلال شهر واحد فقط. في المقابل، تقف السلطة الفلسطينية عاجزة عن توفير أي حماية لشعبها، بل تتعاون مع الاحتلال بأشكال مختلفة، أبرزها ما يسمى “التنسيق الأمني”، الذي يخدم في استهداف أبناء المقاومة. هذا التعاون يأتي في الوقت الذي تروج فيه السلطة لخيار “المفاوضات” و”السلام” الذي ثبت فشله قطعاً عبر عقود من الزمن، حيث لم يفِ الاحتلال بأي من التزاماته أو اتفاقياته.

مخطط احتلال بخيارين إجراميين

إن الغدر هو طبيعة متأصلة في فكر وعقيدة الاحتلال، الذي لا يرى نفسه ملزماً بالوفاء بأي اتفاقيات مع من يسميهم “الأغيار”، أي غير اليهود. أي اتفاق هو مجرد خدعة وتكتيك لتحقيق أهداف معينة، وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}. هذا النهج الخبيث يظهر اليوم في التخطيط لاحتلال قطاع غزة، حيث يدرس الاحتلال خيارين إجراميين: احتلال القطاع بالكامل أو احتلال أجزاء منه. هذا التردد ينبع من إدراك الاحتلال للكلفة الباهظة لهذا القرار، والخسائر الكبيرة التي سيتكبدها في صفوف جنوده. ومع ذلك، يعتقد أنه حصل على “إذن” من الأميركي، مما يعني استمرار الدعم المفتوح من واشنطن بالأسلحة والمال والدعم السياسي، وشراكة كاملة في هذه الجريمة.

ختاما، بالرغم من هذا التخطيط الإجرامي، فإن الاحتلال يواجه وضعاً مهتزاً، فقد تكبد خسائر كبيرة في مواجهاته الأخيرة مع المقاومة. وهذا ما يجعل خطوته المقبلة في غزة، وإن ارتكب فيها المزيد من الجرائم والفظائع، محكومة بالفشل. فلن يستطيع تثبيت احتلال أو السيطرة بشكل دائم، ولن ينجح في حسم المعركة لصالحه. إن إرادة الشعب الصامد وضربات المقاومة القوية والمؤلمة هي ما يفرض الواقع الحقيقي على الأرض، وهو ما يؤكد أن هذا المخطط، مهما بلغ من وحشية، لن يكتب له النجاح.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى