اخبار محليةالعرض في السلايدرتقاريرتويتر

غزة.. جوعٌ يحاصر الأمل وإنسانيةٌ تصارع الألم والقهر

غزة.. جوعٌ يحاصر الأمل وإنسانيةٌ تصارع الألم والقهر

21 سبتمبر| يحيى الربيعي

شعبٌ يُصارع الموت جوعاً، وقوانينٌ دولية تلوح في الأفق كسراب خادع، وروابط دينية وإنسانية تئن تحت وطأة الخذلان، بينما تستمر آلة الحرب الصهيوأمريكية في طحن ما تبقى من حياة في غزة. هنا تتكشف مأساة القرن، حيث يمثل ما يجري إبادة جماعية ممنهجة، وتجويعٌ متعمد، وتهجيرٌ قسري، أمام صمتٍ عالمي مخزٍ وخيانة عربية وإسلامية لا تُغتفر، باستثناء المواقف الشجاعة لمحور المقاومة.

كيف يستخدم الجوع في غزة سلاح؟

في مشهدٍ قاسٍ يعصف بالوجدان، تتجلى معاناة غزة كفصلٍ مظلمٍ في كتاب التاريخ الإنساني. إنها قصة حصارٍ خانقٍ تحوّل فيه الطعام إلى أداة حرب، والماء إلى رفاهية، والحياة ذاتها إلى صراعٍ يوميٍ مرير. “يمكنك أن تشم رائحة الموت في كل مكان”، هكذا وصف رامز عبيد، عامل الإغاثة والأب لطفلين، الوضع في القطاع المحاصر لصحيفة “آي بيبر” البريطانية. أطفالٌ مشردون ينامون في الشوارع، يتضورون جوعاً، ويسعون خلف لقمة العيش التي باتت أغلى من الحياة نفسها. كيف لا، وقد ارتفع سعر الكيلوجرام الواحد من الطحين إلى 27 دولاراً، ووجبة عائلية قد تتجاوز المائة دولار، في حين اختفت اللحوم والدواجن والخضراوات الطازجة من حياة السكان منذ شهور، ليصبح العدس والفول المصدر الوحيد للبروتين.

تؤكد تقارير برنامج الأغذية العالمي أن 75% من سكان غزة يواجهون مستويات طارئة من الجوع، وأن ربع السكان يعيشون ظروفاً شبيهة بالمجاعة. يرتفع صوت الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مندداً “باستخدام الجوع كسلاح”، في إشارة واضحة إلى ما يرتكبه الكيان الصهيوني. فالمشهد في غزة، كما قال خبراء، “من صنع الإنسان بالكامل”، وما يحدث هو “سياسة تجويع ممنهجة” ، زلا صلة لها بتوصيفات أزمات الغذاء العادية. منظمة الصحة العالمية تصف الأزمة بـ “تجويع جماعي من صنع الإنسان”، وأكثر من 100 منظمة إغاثة دولية أكدت أن أجساد سكان غزة تضمر تحت وطأة الحصار.

لقد كشفت منظمة العفو الدولية، في تقريرها الصادر في الثالث من يوليو/تموز الجاري، أن خطة الكيان الصهيوني المميتة، المدعومة أمريكياً، تهدف إلى استخدام المساعدات كسلاحٍ آخر في حرب التجويع. فمنذ مارس/آذار الماضي، فرض الكيان حصاراً كلياً على دخول الغذاء، ثم تحوّل في مايو/أيار إلى نظام توزيع جديد يخضع لسيطرته الكاملة، قلّص بشدة كميات الإمدادات المتوفرة، ولا يسمح إلا بدخول 10% فقط من الاحتياجات الشهرية. ورغم ادعاءات “كوغات” الصهيونية بأنها تسمح وتسهّل دخول المساعدات، فإن اليونيسيف كشفت عن رفض طلبات التنقل المتكررة وعدم حصولهم على ممرات آمنة لجمع أو توزيع المساعدات.

إن “عسكرة” آليات توزيع المساعدات، وتحويلها إلى أداة للسيطرة، ومنع المنظمات الإنسانية من أداء واجبها، جعل الحصول على الطعام صراعاً يومياً للبقاء. ما يسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” سيئة السمعة، المدعومة من الولايات المتحدة وتديرها شركات أمنية خاصة، تركت أفقر وأضعف الفئات من دون غذاء، وتحوّل فيها الطريق إلى كيس الطحين إلى دربٍ مفروش بالدماء، حيث لقي أكثر من ألف فلسطيني حتفهم أثناء محاولتهم الحصول على الطعام، وفقاً للمتحدث باسم مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ثمين الخيطان.

لقد أصبحت “المعونة” فخاً للموت، تطلق فيها قنابل الصوت والرصاص الحي على المدنيين الجياع، كما كشف محارب أمريكي سابق عمل في هذه المؤسسة، مؤكداً أنه لم يُطالب يوماً بإطلاق النار على مدنيين عزّل كما حدث في غزة.

انهيار القوانين والمبادئ.. صمتٌ يغتال القيم

لقد تجاوز ما يحدث في غزة كل الخطوط الحمراء الإنسانية والقانونية، لكن الصمت العالمي والخذلان العربي والإسلامي يضربان عرض الحائط بكل القيم والمبادئ التي بنيت عليها الحضارة الإنسانية، تدمير البنى التحتية، واستهداف المستشفيات، ومنع وصول الغذاء والماء، كل ذلك تعبيرٌ عن سياسات مقصودة روج لها وزراء صهاينة بارزون، مما يجعلها جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القرار الأممي 2417 الصادر في 2018، الذي يجرّم استخدام التجويع سلاحاً.

يرى أستاذ القانون الدولي توم دانينباوم أن التجويع الجماعي هو النظير المجتمعي للتعذيب الفردي، فهدفه كسر مقاومة الضحية وإخضاعه. إن الجوع هنا لا يقتل الجسد فحسب، بل يضرب نسيج المجتمع ذاته، ويقوّض التماسك الاجتماعي والقدرة على الحكم. إنه شكل من أشكال الإبادة الجماعية طويلة الأمد من خلال التحكم في الغذاء، حيث يتم توفير ما يكفي من السعرات الحرارية لمنع الموت الجماعي، مع الحفاظ على الجوع الشديد الذي يدمر حياة الجماعة، ويهدف إلى إعادة هندسة المجتمع من كتلة مقاومة متمسكة بقيمها إلى أفراد مبعثرين غارقين في صراعات فردية من أجل البقاء.

لقد كشفت تجربة مينيسوتا للتجويع، التي أُجريت في الأربعينيات، عن الآثار المدمرة للجوع على الجسد والعقل، من اكتئاب وقلق وهوس بالطعام وتبلد عاطفي. فما بالنا بضحايا غزة الذين يخضعون لتجويع عمدي أشد ضراوة، يدفعهم إلى حافة اليأس والانهيار النفسي؟ إنها حربٌ نفسية ممنهجة، تستهدف تدمير الحالة النفسية لكل من يعيش في القطاع، باستخدام أساليب مرعبة مثل تسجيلات صرخات الأطفال والنساء التي تبثها طائرات مسيرة، وأوامر الإخلاء التي تصدر في اللحظات الأخيرة قبل القصف، وقرارات النزوح التي تجبر السكان على الفرار الدائم. منظمة “أطباء بلا حدود” وصفت هذه السياسات بأنها محاولة متعمدة لتحويل غزة إلى جحيم حي.

خيانة الروابط وعربدة الصهيوأمريكية

إن الروابط الدينية التي تربط العرب والمسلمين بأبناء فلسطين ومقدساتها لا تقف عند حدود المشاعر، بل تتجاوزها إلى واجب النصرة والحماية. لكن ما نراه هو خذلانٌ مخزٍ، لا يتجاوز التنديدات والتوصيفات، دون أدنى موقف جاد من شأنه الضغط على الكيان لإيقاف العدوان والتجويع. في المقابل، يبرز الموقف اليمني كاستثناءٍ مشرقٍ، بما يقدمه من إسناد عسكري وجماهيري، يؤكد أن قيم المقاومة والتضامن لا تزال حية في ضمائر الشرفاء.

لقد كشف مقال في صحيفة الغارديان البريطانية عن تورط الشركات الأمريكية الكبرى، المعروفة باسم “الـ 7 الرائعون”، في دعم فظائع الكيان الصهيوني، مستغلة الحرب لزيادة أرباحها دون أي مسؤولية أخلاقية. شركات مثل لوكهيد مارتن، بالانتير، وكاتربيلر، إلى جانب عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل وأمازون، جميعها تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في آلة الدمار، ضخاً للمال في خزائنها، بينما يعاني ملايين الفلسطينيين من الجوع والحصار. إن هذا الدعم اللامحدود، والتواطؤ الغربي، يكشف عن الأسباب الحقيقية لهذه المواقف الهزيلة وغير المسؤولة أمام العربدة الصهيوأمريكية في المنطقة والعالم أجمع.

إن الصمت العالمي والخذلان العربي والإسلامي لا يؤثران فقط على أبناء غزة، بل يتركان بصمات عميقة على مستقبل السياسة الدولية. إنهما ينسفان مصداقية القوانين والمواثيق الدولية، ويجعلان من العدالة مجرد شعار أجوف. تدرك الأطراف الفاعلة في محور المقاومة أن ما يجري هو محاولة لكسر إرادة شعبٍ، وتدمير هويته، والقضاء على حقه في الوجود بكرامة. ورغم كل هذه المعاناة، يؤكد التاريخ أن شعب غزة، كما أشارت الأستاذة الأسترالية ميشيل بيس، يتمتع “بشجاعة لا تقاوم، وإيمان، ولطف”، وقدرة هائلة على الصمود والتكيف، وسيبقى قادراً على المقاومة والإصرار على الحياة بكرامة، مهما بلغت وحشية العدوان وعمق الخذلان. ففي قلب الجحيم، تولد جذوة الصمود الأبدي.

مأساة تتجاوز الوصف.. وصمة عار على جبين الإنسانية

بينما يستمر نزيف الدم والجوع في قطاع غزة، تتكشف فصول جديدة من المأساة الإنسانية التي يسطرها العدوان الصهيوني بلا رحمة. مجزرة “زيكيم” يوم الأربعاء 30 يوليو 2025 تعد صرخة مدوية تكشف عن وحشية لا تعرف حدوداً. فقد ارتفع عدد الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات من هذه المجزرة وحدها إلى 58 شهيداً و579 مصاباً، موزعون على مجمع الشفاء الطبي والمستشفى الكويتي والأهلي المعمداني. كان ذنب هؤلاء أنهم سعوا خلف لقمة عيش أو قطرة ماء، ليواجهوا نيران الغدر بدلاً من يد العون.

وفي ظل هذه المجازر المروعة، تستمر آلة التجويع الصهيونية في طحن ما تبقى من حياة في القطاع. ففي 31 يوليو 2025، دخلت 104 شاحنات مساعدات إنسانية إلى غزة، لكن معظمها تعرض “للنهب الممنهج برعاية الاحتلال”، ضمن ما وصفه المكتب الإعلامي الحكومي بـ “هندسة الفوضى والتجويع”. إنها جريمة مزدوجة، تهدف إلى إفشال جهود توزيع المساعدات وحرمان المدنيين منها، بينما الاحتياجات الفعلية اليومية للقطاع لا تقل عن 600 شاحنة لتلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

ما يجري في غزة هو تجسيد حي لتآمر دولي وخذلان عربي وإسلامي، يستدعي تحركاً فورياً وعاجلاً. يجب فتح المعابر بشكل كامل، وضمان وصول المساعدات وحليب الأطفال بكميات كافية وآمنة تحت إشراف أممي مستقل. إن صمت العالم أمام هذه الفظائع يمثل تواطؤاً مباشراً في واحدة من أفظع الجرائم الجماعية في القرن الحادي والعشرين، ولن يمحو التاريخ هذه الصفحة السوداء إلا بتحقيق العدالة وإنصاف شعب غزة الصامد.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى