اخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

أزمة الغاز في المحافظات المحتلة .. فساد وسرقة وجبايات تفاقم معاناة المواطنين

 

 

 

21 سبتمبر / تقرير خاص

تواجه المحافظات المحتلة، وعلى رأسها عدن وتعز وحضرموت، أزمة متفاقمة في مادة الغاز المنزلي، وسط تدهور عام في الخدمات الأساسية وغياب أي تدخل فعلي من حكومة النفاق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة المدعومة إماراتيًا وسعوديًا. أزمة الغاز ليست إلا إحدى تجليات الفوضى السياسية والإدارية التي تُحكم بها هذه المناطق، حيث تُترك حياة المواطنين في مهب الابتزاز والنهب والصراع بين مراكز النفوذ.

 

مع كل يوم جديد، يجد المواطن نفسه يطارد أبسط حقوقه، من أسطوانة غاز إلى قارورة ماء أو ساعة كهرباء. الغياب الكامل لأي حلول، يقابله تغوّل للفصائل المسلحة وتوسع غير مسبوق في السوق السوداء، فيما تبدو حكومة النفاق وكأنها تمارس سياسة “الإدارة بالكارثة” لإبقاء الناس في دوامة الاستنزاف، بعيدًا عن التفكير في حقوقهم أو مساءلة المتسببين في معاناتهم.

 

أزمة الغاز في تعز… جبايات بقبضة السلاح

تؤكد مصادر مطلعة أن قيادة محور تعز، الخاضعة لسيطرة حزب الإصلاح، مسؤولة بشكل مباشر عن تفاقم أزمة الغاز المنزلي، إذ تفرض مليشيات حزب الإصلاح، إلى جانب مليشيات الخائن طارق عفاش المدعومة إماراتيًا، جبايات غير قانونية ثقيلة على ناقلات الغاز القادمة من مأرب، ما يعوق وصول الإمدادات ويُرفع تكلفة النقل. هذا الأسلوب القمعي المدعوم بالسلاح، جعل سعر أسطوانة الغاز يقفز إلى أكثر من 15,000 ريال دون أي رقابة أو تدخل جاد من حكومة النفاق.

 

تتفاقم الأزمة نتيجة تراجع الكميات الرسمية المخصصة لمدينة تعز، ما أدى إلى انتعاش سوق سوداء تبيع الأسطوانات بأسعار باهظة لا تُطاق للمواطنين محدودي الدخل. المواطن أصبح بين مطرقة الأسعار وسندان الجبايات التي تفرضها هذه المليشيات التي تقتات من أزمات الناس، فتتراكم الثروات على حساب دموعهم واحتياجاتهم.

 

إلى جانب ذلك، يعاني قطاع النقل الداخلي من أزمات متزايدة نتيجة نقص حصص الغاز، حيث يحتاج يوميًا إلى سبع مقطورات لتغطية الاحتياجات الأساسية، بينما يتم تسليم كميات أقل بطرق مشبوهة تخدم مصالح خاصة. هذا النقص انعكس سلبًا على حركة المواطنين وحركة المواصلات داخل المدينة، ما يفاقم معاناة الناس.

المحافظات تختنق تحت سطوة الفصائل الإماراتية

في عدن، يعود تفاقم أزمة الغاز إلى عمليات اعتراض مسلحة تقوم بها مليشيات مدعومة إماراتيًا، تتبع بشكل مباشر ما يُعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي. هذه الفصائل تمنع مرور قاطرات الغاز عبر الطريق الرابط مع محافظة أبين، وتفرض عليها جبايات غير قانونية مرتفعة، ما يؤدي إلى توقف شبه كامل في محطات التوزيع التي تفتح أبوابها لساعات محدودة أمام طوابير المواطنين المنتظرين.

 

ولا تقتصر الأزمة في عدن على التقطع المسلح، بل تتزامن مع استهداف قاطرات الغاز المخصصة لعدن ومحافظات أخرى في مأرب، مما يؤدي إلى تأخير دخول الشحنات أو انقطاعها الكامل. المواطن العدني يُجبر على شراء الغاز من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، في ظل صمت حكومي وتواطؤ مكشوف مع هذه الفصائل المسلحة.

 

في حضرموت، رغم كونها مركزًا استراتيجيًا يمر عبرها خط أنابيب الغاز من مأرب، يعيش السكان أزمة خانقة في الغاز المنزلي، حيث تُحتجز كميات كبيرة من ناقلات الغاز يوميًا وتُصرف غالبًا لتجار ومصالح خاصة، بينما توقفت الحصة التموينية منذ يونيو، ما أدى إلى ازدحام الطوابير وفوضى في التوزيع. سلطات المرتزقة المحلية تلتزم الصمت، مما يفاقم معاناة الأهالي ويزيد من استيائهم.

تداعيات إنسانية واقتصادية تتسع يومًا بعد يوم

غياب الغاز المنزلي عن بيوت المواطنين حوّل الحياة اليومية إلى عبء نفسي وجسدي. لا بديل متاح، فتلجأ الأسر إلى الحطب ووسائل بدائية تضر بالصحة والبيئة. النساء والأطفال يقفون لساعات طويلة أمام المحطات، مما يؤثر على تعليم الأطفال ويسلب النساء أوقاتًا ثمينة.

 

قطاع النقل يعتمد بشكل رئيسي على الغاز كوقود بديل للبنزين، لذا تسبب توقف الإمدادات في شلل جزئي للمواصلات وارتفاع تكاليف النقل، ما زاد من تعثر الأعمال وحركة المواطنين وطلاب الجامعات والموظفين. كما أن الأعمال الصغيرة مثل المطاعم ومحلات الخبز تضررت بشكل كبير، ما يعني فقدان أسر لمصادر دخلها وتأزم الوضع الاقتصادي المحلي.

 

تحليل جذور الأزمة وأهداف قادة النفاق

الأزمة ليست مجرد نقص في الموارد أو خلل إداري، بل هي سياسة مقصودة من حكومة النفاق التي لا تحمي خطوط الإمداد ولا تفرض سيطرتها على الفصائل المسلحة، بل تسمح لها بفرض الجبايات والفساد بلا رقيب. استخدام الأزمة كأداة لإدارة الشارع، وإشغال المواطنين بالحاجات اليومية، هو تكتيك متعمد لكبح أي احتجاج أو حركة شعبية تطالب بالحقوق.

 

 

هذه السياسة هي خيانة مضاعفة، تعمّق الفقر، وتقوّض كل محاولات الإصلاح. السوق السوداء تتغذى من شبكة فساد منسقة تمتد من مراكز القرار إلى عقال الحارات، تعمل في ظل غطاء سياسي وأمني من حكومة النفاق. كل أزمة تُدار كصفقة تجارية، وكل معاناة تُستثمر مادياً من قبل أطراف لا تهمها مصلحة الوطن.

 

مقارنة بين المحافظات المحتلة والمحافظات الحرة

بينما تنهار الخدمات في المحافظات المحتلة تحت سيطرة الفصائل المسلحة، تظهر صنعاء والمحافظات الحرة نموذجًا مختلفًا في التنظيم والإدارة. على الرغم من الحصار، تحافظ مؤسسات الدولة هناك على انتظام توزيع الغاز وضبط الأسعار ومنع الجبايات، ما يجعل الحصول على الأسطوانة أقل تعقيدًا وأكثر عدالة.

 

شبكات التوزيع في صنعاء تخضع لإشراف مباشر، والتلاعب فيها يُعاقب بصرامة، بعكس المناطق المحتلة التي تنتشر فيها السوق السوداء وغياب الرقابة. الفساد هناك يُحاصر، أما في المناطق الخاضعة لحكومة النفاق فهو مموّل ومنظم عبر تحالفات سرية بين الساسة والتجار والفصائل المسلحة.

 

هذا الفرق الجوهري يخلق واقعًا يعيش فيه المواطن في المحافظات الحرة بكرامة رغم الظروف القاسية، مقابل واقع مأسوي من الذل والانكسار في المناطق المحتلة.

 

الأزمة جزء من منظومة متكاملة للفوضى

لا يمكن فصل أزمة الغاز عن أزمات أخرى مثل المياه والكهرباء في المحافظات المحتلة. في تعز، أزمة المياه خانقة مستمرة، وفي عدن تتكرر انقطاعات الكهرباء، مما يضاعف معاناة السكان ويخلق جبهات قتال يومية ضد الجوع والعطش والظلام.

هذه الأزمات لا تحدث صدفة، بل نتيجة غياب رؤية استراتيجية وحكومة منشغلة بالمناصب والمكاسب السياسية، تترك المواطن يتخبط بين أزمات متراكمة تُبرر وجود الفصائل المسلحة والاحتلال.

 

المواطن في هذه الظروف لا ينتظر حلولاً حقيقية، بل يبحث فقط عن النجاة اليومية، وسط فوضى تزداد تعقيدًا، وشبكات نفوذ تزداد توسعًا، حيث تتحول الأزمات إلى أدوات سلطة واستمرار نفوذ الفساد.

 

خاتمة: نار الغاز تكشف خيانة الوعود وسقوط الشرعية

لم تعد أزمة الغاز المنزلي مجرد ملف خدمي عابر، بل تحولت إلى مرآة تعكس الواقع السياسي والنظام الحاكم في المحافظات المحتلة. المواطن تحت وطأة معاناة اقتصادية واجتماعية، تتاجر بها السلطة، وتُستغل من أجل تراكم المكاسب على حساب الناس.

 

الحل يبدأ بإزالة يد الفصائل المسلحة المسيطرة، محاسبة حكومة النفاق على فشلها، واستعادة الدولة بمعناها الحقيقي، لتعود الحياة للمواطنين بكرامة وأمان. وإلا، ستبقى أزمة الغاز من أسباب استمرار حالة الانهيار والمعاناة في عدن وتعز وحضرموت، وهي رمز لمعاناة وطن لم يعد يُرى فيه بصيص أمل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى