اخبار دولية وعربية

الزلزال الذي ضرب عقيدة التفوّق الإسرائيلي [1]

سيستمرّ التحليل والبحث في الهجوم الإيراني على إسرائيل لسنوات عديدة. لا يمكن المبالغة في أهميّة ما حدث من الناحية الإستراتيجية، أي المسار الطويل من الصراع العربي الإسرائيلي الذي تحوّل إلى صراع إسرائيلي عربي-إيراني، ويضمّ من العرب منظمات مقاومة خارج نطاق الدولة (لحسن الحظ أنها خارج نطاق الدول، لأن لا أمل في الدول العربيّة). لقد تنصّلت كل الدول العربيّة من مهام مجابة إسرائيل: وتراوحت المواقف الأخيرة بين التحالف المعلن أو الضمني أو التزام الحيطة مخافة إغضاب أميركا. و«وول ستريت جورنال» ذكرت أن حكومات السعوديّة والإمارات والأردن شاركت في تقديم العون العسكري والاستخباراتي المباشر لإسرائيل في الحرب.

حتى الجزائر باتت حذرة في تعاطيها مع القضيّة (المندوب الجزائري في الأمم المتحدة لم يجد غضاضة في مجلس الأمن من شكر المندوب الأميركي على جهود حكومته في وقف النار). والدعاية الصهيونيّة في الغرب تعترف بضخامة الضربة الإيرانية ضد إسرائيل، فيما تعمد أبواق الصهيونيّة في العالم العربي على الاستخفاف بالضربة. لكن، إذا كانت الضربة خفيفة ومسرحيّة بجد فلماذا تضطرّ دول «الناتو» (صاحبة الأيادي البيضاء في تمويل وسائل «الإعلام البديل» عندنا) إلى الضغط على إسرائيل للتمنّع عن الردّ على إيران، لعلمها أنّ إيران ستلتزم الردّ. وإسرائيل (بحسب ما ورد في «نيويورك تايمز») قصفت السفارة الإيرانيّة في دمشق، لأن قادة إسرائيل حسبوا أن إيران لن تردّ.

هذا يؤكّد مرّة أخرى أنه لا يمكن التعامل مع إسرائيل بعدم الردّ. جرّبت هذا النمط السلوكي كل الدول العربيّة وما جنت إلا المهانة.
إنّ فصل الضربة الإيرانيّة (التي وصفها مسؤولون حكوميّون في إسرائيل بـ«غير المسبوقة وشديدة الخطورة») عن سياق الصراع العربي الإسرائيلي يفقدها معناها. كان ممنوعاً أن يصل صاروخ واحد من دولة عربيّة إلى إسرائيل.

إسرائيل عطّلت مشاريع الصواريخ المصريّة (في زمن عبد الناصر) وقتلت وهدّدت العلماء الألمان المساهمين فيه (الطريف أن الغرب هوّل على عبد الناصر وعيّره لاستعانته بعلماء «نازيّين» فيما كانت الاستخبارات الأميركية والجيش الأميركي قد استقطبوا أكبر عدد من العلماء النازيّين).

وطاردت إسرائيل العلماء الذين أسهموا في البرنامج الصاروخي العراقي. أميركا والغرب يؤيّدون احتكار إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل وللصواريخ الباليستيّة البعيدة المدى.

الصواريخ العراقيّة من نوع سكود كانت ذات قدرات تدميريّة أقل بكثير مما هو اليوم في حوزة إيران. الأهميّة ليست في وصول الصواريخ (المجموع كان أكثر من 300 مسيّرة وصاروخ بالستي) بحد ذاته. حزب الله طيّرَ صواريخ مدمّرة في حرب تمّوز وفي حربه الحاليّة (وإن كان يحتفظ بأخطر ما لديه للحرب الكبرى، أو الحرب الأخرى). لكن ماذا جرى وما هي أهميّته التاريخيّة؟

أولاً، لا يجب أن يمرّ تحليل العمليّة الإيرانيّة الفائقة الدقّة والمهارة بمطبخ البروباغندا الخليجي والذي يُشرف على الإعلام العربي برمّته. كيف يمكن لك أن تناقش أشخاصاً يؤمنون بأن العمليّة الإيرانيّة (التي كلّفت إسرائيل نحو 1.3 مليار دولار، فيما أنفقت أميركا نحو مليار دولار على صدّ صواريخ اليمن، باعتراف وزير البحريّة الأميركيّ) مجرّد مسرحيّة.

الذين تمرّسوا (بأمر طبعاً) في السخرية من نظريّة المؤامرة في الإعلام العربي باتوا من أشدّ المصدّقين بنظريّة مؤامرة بلهاء. أي إن هؤلاء مقتنعون أن كل دول الخليج العربي وكل أعضاء «الناتو» وإسرائيل شاركوا بسرّية فائقة في مسرحيّة قصف إسرائيل ليس بصاروخ أو صاروخين بل بأكثر من 300 صاروخ ومسيّرة.

هذه إسرائيل التي لا تحتمل مسرحيّة تتضمّن إطلاق رصاصة واحدة عليها. إسرائيل في حادثة العديسة في عام 2010 لم تتحمّل رشقة رصاص واحدة. أوعزت يومها إلى اللوبي الإسرائيلي فتحرّك على الفور واستدعى الكونغرس قائد الجيش، جان قهوجي، وأفهموه بصريح العبارة أن أي طلقة رصاص لبنانيّة على إسرائيل ستحرم لبنان من كل المساعدات العسكريّة الأميركيّة (الهزليّة). ولم يطلق الجيش رصاصة ضد إسرائيل منذ ذلك الحين، حتى عندما تعرّض للقصف المباشر في الحرب الجارية.

كيف يمكن أن تتبادل الآراء مع أناس مكلّفين بتعطيل المنطق والعلم، لأن مصلحة الدعاية الخليجيّة تتطلّب هذا الكم من الأكاذيب والأضاليل، وكل ذلك لمصلحة إسرائيل.

وهذه المسرحيّة أغضبت كل دول الغرب ومجالسها الاشتراعيّة، كما أن إسرائيل لا تزال في اجتماعات حرب متوالية للتعامل مع الضرر البالغ ليس فقط في ممتلكات أو قواعد عسكريّة (أصيبت قاعدتان عسكرّيتان شاركتا في قصف السفارة الإيرانيّة في دمشق، باعتراف إسرائيل). ثم إذا كانت إيران غير جادة في صراعها مع إسرائيل، كان يمكن لها ألا تقصف إسرائيل بالمرّة وكان يمكن لها أن تزعم أن المبنى الذي أُصيب في دمشق ليس من ضمن مبنى السفارة بل ملاصق له. وكان هذا الإخراج ممكناً جداً لو أن إيران أرادت أن تتجنّب المواجهة.

ثم، لو أن إيران أرادت أن تتجنّب المواجهة فلماذا لم تتوقّف في 2001 أو 2003 أو قبل سنة عن تسليح المقاومات، مع علمها أن هذا التسليح والتمويل هو الذي جلب لها ويلات الغرب والعقوبات القاسية والوحشيّة؟ إنّ ظهور العداء الإيراني الحربي ضد إسرائيل أحرج كل دول التطبيع، لأن ذلك نسف مقولات أن إيران تحارب إسرائيل عبر العرب أو عبر وكلائها. والخطاب الأخير لنصرالله كان واضحاً: إن موضوع ثأر إيران لقصف سفارتها يعنيها هي ولا يعني الحزب كي يردّ.

على مرّ السنوات، جهد إعلام الخليج كي يقنع العرب أن إيران الشيعيّة الصفويّة الفارسيّة (وكل هذه الصفات باتت شنيعة في الثقافة الإعلاميّة العربيّة السائدة) لا تكترث لفلسطين. هي تسلّح وحدها في كل العالم مقاومات إسرائيل لكنها لا تكترث لفلسطين. أي إن المُطبِّعين مع إسرائيل يهتمّون بفلسطين أكثر من الذين يعادون إسرائيل ويسلّحون مقاوميها. هذه المقولة اللامنطقيّة مُروَّجة في الإعلام ويبرع في تردادها الإعلاميّون والإعلاميات اللبنانيّات (وهم الأسوأ بين العاملين في الإعلام الخليجي). هم يبرعون في التملّق والتزلّف ويحاولون البروز عبر منافسة بروباغندا النظام في الإفراط في الاعتناق. القصف الإيراني أبطل عمل معظم مقولات الإعلام الخليجي عن إيران والصراع مع إسرائيل. هي قصفت إسرائيل من أراضيها وليس من الأراضي العربيّة التي يزعمون أنها تحتلّها.

ثانياً، العدوّ كاذب وأميركا تكذب لمصلحتها ولمصلحة إسرائيل. العدوّ الصهيوني كذب على العرب منذ بدء الحركة الصهيونيّة، وكانوا يخفون نيّة إنشاء الدولة بعبارات من نوع «الوطن اليهودي» أو «الكومنولث» لظنّهم أن غاياته بعيدة عن كنه العرب. وحتى حرب 1948، لا تزال أسرارها غير مُفرج عنها. لا أزال أسمع من ليبراليّين عرب أن إسرائيل، مثل باقي الديموقراطيّات، تفرج عن وثائق وأسرار بعد 30 سنة أو أقل في بعض الدول. لكن هذا غير صحيح، حتى الإفراج الأميركي ليس كاملاً والإفراج عن وثيقة لا يعني أنها لا تخضع للرقابة. هناك صفحات من وثائق مُفرج عنها مطليّة بالأسود لأن الرقيب ارتقى أن الأسرار التي فيها تستحق الحماية خدمة للأمن القومي. وحرب الـ1948 محميّة من الرقيب الإسرائيلي وإن أفرج عن بعض ما فيها. العدوّ يكذب وأحياناً ننتظر سنوات قبل معرفة الحقيقة.

صحيح أنه ليس عند العرب نظام الإفراج عن الوثائق، لكن الأسرار تتسرّب لأنه ليس هناك من دولة مركزيّة، كما أن كل نظام أو حقبة تريد الاقتصاص من سابقتها، والصراعات في الحكم تفسد حفظ السريّة. لم نعلم في حينه مثلاً أنه أُغمي على إسحاق رابين في حرب 1967. تتصوّر مدى تأثير ذلك على المعنويات لو أن ذلك كان معروفاً؟ نحن مثلاً كنّا على معرفة بعد أشهر بحالة عبد الحكيم عامر (وهو لم يُغم عليه بالمناسبة). الكثير من مجازر الجيش الإسرائيلي في 1948 محفوظ في الأرشيف. بعيداً من التاريخ، إسرائيل كما أميركا تكذب في أرقامها في الحروب.

أميركا مثلاً أصدرت عبر قطاع البحريّة تقديراً بدقّة إصابة الصواريخ والقنابل التي ألقتها على العراق في عام 1991 وكانت (حتى شباط 1991) بنسبة 30%، أي إن 70% منها أخطأ الهدف (الأرقام مذكورة في كتاب ريك اتكنسون، «الحملة الصليبيّة»).

في حرب أفغانستان، أصدرت أميركا في آذار 2002 تقديراً بأن ربع القنابل والصواريخ فوق أفغانستان أخطأت الهدف. ثم توقّفت أميركا عن إصدار تقديرات وخصوصاً عن عدد قتلى «العدو» (الذي يضم السكان الآمنين). ليس هناك حتى الساعة تقدير أميركي رسمي لعدد ضحاياها في حربَي العراق وأفغانستان (لديها تقديرات لكنها سرّية وممنوعة عن العامّة).

وبالنسبة إلى صواريخ صدام في عام 1991، لم تعلن إسرائيل عن مواقع سقوطها بالتحديد. وبعد مرور ثلاثين سنة على سقوط صواريخ سكود تلك، أعلنت إسرائيل للمرّة الأولى عدد ضحاياها (أعلنت أنه سقط 14 قتيلاً وعشرات الجرحى بعد أن كانت نفت ذلك في حينه).

وعن أرقام إسرائيل العسكريّة قالت دراسة لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» (وهي منظمة صهيونيّة خبيثة) في حينه «يجب التعامل مع الإحصاءات الإسرائيليّة الرسميّة بحذر»، وخصوصاً أن صحافيّين إسرائيليّين اعترفوا أن الحكومة غيّرت تقديرات أرقام الضحايا خلال الحرب ومن دون إعلان سبب ذلك. وكانت أرقام الجيش والمكتب الحكومي الإعلامي ومركز التواصل الإعلامي (الذي أسّسته الحكومة في الحرب) متضاربة مع بعضها البعض، بحسب المنظمة المذكورة.

أمّا البلاغ الأميركي الإسرائيلي قبل أسبوع عن أنه تمّ إسقاط 99% من الصواريخ والمسيّرات الإيرانيّة، فهذه كانت مدعاة للضحك، ليس فقط لأن الرقم مستوحى من أرقام نجاح انتخابات القادة في الأنظمة البعثيّة، بل لأن الرقم لا يمكن أن يكون صحيحاً («معاريف» نشرت أمس أن الرقم الصحيح هو 84%). واعترف مسؤولون أميركيّون (وليس إسرائيليّين) بأن خمسة صواريخ أصابت قاعدة نيفاتيم، وأن ما مجمله تسعة صواريخ أصابت قاعدتَين عسكريّتَين. هذا الاعتراف يتناقض بداهة مع رقم 99% من 300 صاروخ ومسيّرة.

ويمكن أن نتوقّع تسرّب الحقائق عن الإصابات والأضرار من جرّاء الهجوم الإيراني على مرّ الأشهر، لا بل السنوات الطويلة، وبالتدرّج البطيء. في يناير عام 1991، زعم الجنرال نورمان شورتزكوف (قائد العمليّات وقوى التحالف في الحرب على العراق) أن نسبة نجاح صواريخ الباتريوت في صدّ الصواريخ العراقيّة كانت «100% حتى الآن».

هذا الرقم تمّ تخفيضه باستمرار عبر السنوات إلى أن قرّرت الحكومة أنه كان بنسبة 80% فوق السعودية وبنسبة 40% فوق فلسطين المحتلّة. لكن دراسة دقيقة لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي بعد سنوات من الحرب قرّرَ رسميّاً أن نسبة نجاح الباتريوت كانت نحو 9%. لم يقتنع بروفيسور ثيودور بوستول في جامعة «إم آي تي» بالرقم، فأجرى دراسة خاصة به وتوصّل إلى خلاصة مفادها: إن نسبة النجاح لم تتعدّ العشرة في المئة، مع أنه رجّح أن تكون نسبة صدّ الصواريخ صفر في المئة.

(يتبع)

رأي/ أسعد أبو خليل

* كاتب عربي – حسابه على «اكس»
asadabukhalil@

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com