اخبار دولية وعربيةاخبار محليةالعرض في السلايدرتقارير

مفارقة الدعم الأوروبي والتقاعس الأخلاقي: “هيومن رايتس ووتش” تعري تناقضات بروكسل تجاه محرقة غزة

21 سبتمبر / تقرير خاص

في تصعيد لافت لخطابها النقدي، وجهت منظمة “هيومن رايتس ووتش” انتقادات لاذعة للسياسات الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، واضعةً الاتحاد الأوروبي أمام مرآة تناقضاته الصارخة. وفي تدوينة عبر منصة “إكس”، أكدت المنظمة أن صدارة أوروبا لقائمة المانحين الإنسانيين للفلسطينيين لم تعد تشفع لها أمام ما وصفته بـ “التقاعس المتعمد” عن اتخاذ أي إجراءات رادعة لوقف جرائم “إسرائيل” المستمرة منذ أكثر من عامين.

التناقض بين المساعدات والمسؤولية السياسية

تكمن جوهر أزمة الموقف الأوروبي في “ازدواجية المسار”؛ فبينما تضخ العواصم الأوروبية مليارات اليوروهات في قنوات الإغاثة الإنسانية، تختار تلك العواصم في الوقت ذاته التغاضي عن خروقات القانون الدولي الجسيمة التي يرتكبها جيش العدو الإسرائيلي. وتشدد “هيومن رايتس ووتش” على حقيقة سياسية وأخلاقية مفادها أن “الاتحاد الأوروبي اختار عدم التحرك بوجه جرائم إسرائيل، ولن يُعوّض عن ذلك أي قدر من المال أو المساعدات الإنسانية”.

هذه المقاربة تعكس سياسة “التعويض المادي عن الفشل السياسي”. فالاتحاد الأوروبي، الذي يروج لنفسه كقوة معيارية قائمة على القيم وحقوق الإنسان، يجد نفسه أمام اختبار وجودي لمصداقيته، حيث تظهر المساعدات الإنسانية كأداة لاحتواء تداعيات الجريمة دون السعي لوقف الجريمة نفسها.

حصيلة الدم: عامان من الإبادة الممنهجة

منذ السابع من أكتوبر 2023، تحول قطاع غزة إلى ساحة مفتوحة لعمليات عسكرية تجاوزت كافة الأعراف الدولية. وتكشف الأرقام الميدانية – رغم كونها غير نهائية لصعوبة الوصول للضحايا – عن حجم الكارثة الإنسانية التي وقعت تحت غطاء من الدعم الأمريكي والأوروبي الصريح.

  • خسائر بشرية مفجعة: ارتقى 72,797 شهيداً فلسطينياً، أغلبهم من النساء والأطفال.

  • الإصابات: بلغ عدد الجرحى والمصابين 172,821 فرداً، يعانون من انهيار كامل في المنظومة الصحية.

  • المفقودون: لا تزال آلاف الجثامين تحت الركام وفي الطرقات، مع عجز تام لطواقم الإسعاف عن الوصول إليهم نتيجة القصف المستمر وقيود الاحتلال.

إن استمرار هذا النزيف لأكثر من عامين يطرح تساؤلات جدية حول “جدوى” المؤسسات الدولية التي اكتفت بإصدار البيانات دون فرض أي عقوبات اقتصادية أو سياسية على الكيان المحتل، مما جعل من المساعدات الأوروبية مجرد “مسكنات” في جسد وطن يُهدم بالكامل.

اتفاق وقف إطلاق النار: بين الحبر والواقع الميداني

في 10 أكتوبر الماضي، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بعد حرب إبادة استمرت أكثر من 24 شهراً. إلا أن الواقع الميداني لا يعكس وجود “اتفاق” حقيقي، بل يجسد حالة من الخروقات اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال.

وتتخذ هذه الخروقات أشكالاً متعددة:

  1. الحصار المطبق: استمرار منع دخول غالبية المساعدات الإنسانية، مما يعني تحويل التجويع إلى سلاح استراتيجي رغم سريان الهدنة.

  2. الاستهداف الميداني: خرق التعهدات بوقف إطلاق النار عبر توغلات وعمليات قنص وقصف متقطع يهدف إلى إبقاء القطاع في حالة من عدم الاستقرار الدائم.

هذا السلوك يثبت أن “إسرائيل” تتعامل مع الاتفاقيات كإجراءات تكتيكية لامتصاص الضغوط الدولية، وليس كالتزام لإنهاء العدوان. وهنا يعود التساؤل نحو أوروبا: ما قيمة دعمكم المالي إذا كان الطرف الذي تمولون إغاثته يُسحق يومياً بسلاح حلفائكم وبصمتكم المريب؟

الخلفيات السياقية: لماذا تصمت أوروبا؟

إن فهم الموقف الأوروبي يتطلب النظر في عدة أبعاد استراتيجية:

  • الارتهان للتحالف الأطلسي: ترى العديد من الدول الأوروبية في أمن “إسرائيل” جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي المرتبط بالولايات المتحدة. هذا الارتهان يضعف القدرة على اتخاذ قرار مستقل يتماشى مع القانون الدولي.

  • إرث التاريخ: يرى محللون أن العواصم الأوروبية لا تزال أسيرة لـ “عقدة الذنب” التاريخية المتعلقة بالهولوكوست، مما يجعلها تتجنب أي صدام حقيقي مع إسرائيل، مهما بلغت فداحة جرائمها ضد الفلسطينيين.

  • الانقسام البيني: يعاني الاتحاد الأوروبي من انقسام حاد؛ فدول مثل ألمانيا والمجر تتبنى مواقف داعمة لإسرائيل بشكل مطلق، بينما تحاول دول أخرى تبني لغة أكثر توازناً، مما يشل القدرة على اتخاذ موقف موحد يفرض ضغوطاً حقيقية.

أبعاد القضية: الجريمة في أرقام وسياقات

تجاوزت الحرب في غزة كونها صراعاً إقليمياً؛ لقد تحولت إلى قضية اختبار للضمير العالمي. إن استشهاد أكثر من 72 ألف مدني يعني إبادة أجيال كاملة، وتدمير النسيج الاجتماعي والمدني للقطاع.

وعندما تشير “هيومن رايتس ووتش” إلى أن “المال لن يعوض عن التحرك”، فهي تشير ضمناً إلى أن أوروبا متورطة في “إطالة أمد المأساة”. فالمساعدة الإنسانية دون ضغط سياسي تعني استمرار بقاء الضحايا على قيد الحياة بانتظار قنبلة أخرى، وهو ما لا يمكن وصفه سوى بـ “التواطؤ السلبي”.

 هل تراجع أوروبا موقفها؟

إن التقرير الصحفي المعتمد على مواقف المنظمات الحقوقية الدولية يضع أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التحول إلى فاعل سياسي يفرض احترام القانون الدولي عبر عقوبات حقيقية، أو الاستمرار في دفع فاتورة المساعدات الإنسانية لمناطق تحولت إلى مقابر جماعية، مع ما يعنيه ذلك من فقدان نهائي لأي دور أخلاقي أو سياسي في المنطقة.

إن الشعب الفلسطيني، الذي يواجه الإبادة والحصار، لم يعد بحاجة إلى قوافل المساعدات التي تُمنع من الدخول، بقدر حاجته إلى موقف أوروبي يضع حداً لآلة القتل التي تحميه العواصم الغربية تحت شعارات “حق الدفاع عن النفس”، بينما تُسحق في غزة أبسط حقوق الإنسان، بما فيها الحق في الحياة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى