اخبار محليةالعرض في السلايدرتقاريرتويتر

ثورة 21 سبتمبر.. من فضح المبادرة الخليجية وحركة النفاق إلى كسر قيود الوصاية

ثورة 21 سبتمبر.. من فضح المبادرة الخليجية وحركة النفاق إلى كسر قيود الوصاية

21 سبتمبر| تقرير خاص

لم تكن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014م حدثاً سياسياً عابراً أو مجرد تغيير في الوجوه الحاكمة، بل جاءت كزلزال وطني وإيماني اجتثّ جذور الوصاية الخارجية التي جثمت على صدر اليمن لعقود.

لقد مثّلت هذه الثورة ضرورة تاريخية لإنقاذ البلاد من منزلق الفوضى والارتهان، وميلاداً حقيقياً ليمنٍ جديد يمتلك قراره السيادي ويصون كرامته الوطنية بعيداً عن إملاءات السفارات وهيمنة ما سُمّي بـ”سفراء الدول العشر”.

لقد انتفض الشعب اليمني في هذه اللحظة الفارقة ضد منظومة الفساد والتبعية، رافعاً شعار الحرية والاستقلال، ومعلناً نهاية مرحلةٍ سوداء من التحكم الخارجي الذي صادر إرادته وحوّل دولته إلى ساحة نفوذ مفتوحة.

المبادرة الخليجية.. قناع الوصاية وأداة الالتفاف

مثّلت ما سُمّيت بـ”المبادرة الخليجية” التي فُرضت عقب أحداث 2011م، واحدة من أخطر عمليات الالتفاف على الإرادة الشعبية في تاريخ اليمن الحديث.

لم تكن تلك المبادرة حلاً سياسياً بقدر ما كانت مشروع “احتواء استراتيجي” صُمم في غرف القرار الدولي والإقليمي لتحويل مسار الثورة من صراعٍ بين شعبٍ ونظامٍ إلى نزاعٍ بين أطرافٍ سياسية، بما يضمن بقاء بنية النظام القديم تحت غطاء “التوافق”.

وقد تُوّج هذا المسار بالتوقيع في الرياض في 23 نوفمبر 2011، في خطوة كرّست نقل مرجعية القرار من الدستور اليمني إلى “آلية تنفيذية” خاضعة للوصاية الخارجية، ما مهّد لتدويل الملف اليمني ووضعه تحت مظلة الفصل السابع.

وبموجب ذلك، نشأت “شرعية” توافقية هشة استمدت قوتها من الدعم الخارجي لا من الإرادة الشعبية، تجلّت في انتخابات 2012 الشكلية بمرشحٍ وحيد، لتتحول الدولة إلى كيانٍ مُدار من الخارج.

وتحت لافتة “حكومة الوفاق”، فُرضت المحاصصة الحزبية بنسبة (50/50)، فتحولت مؤسسات الدولة إلى غنائم سياسية، وشُلّت فاعليتها بفعل “الفيتو المتبادل”، بينما برزت “لجنة السفراء العشرة” كسلطة فعلية تدير القرار السياسي والعسكري، في مشهد غير مسبوق من مصادرة السيادة الوطنية.

حركة النفاق.. الوجه الداخلي للمؤامرة

في موازاة الوصاية الخارجية، كشفت ثورة 21 سبتمبر عن الوجه الداخلي للمؤامرة، المتمثل فيما يمكن تسميته بـ”حركة النفاق”؛ تلك القوى التي ارتدت عباءة الوطنية ظاهراً، بينما كانت عملياً جزءاً من منظومة الارتباط بالخارج.

هذه القوى لعبت دور الأداة التنفيذية لمخططات التفكيك، من خلال تكريس الفوضى الأمنية، ورعاية الاغتيالات والتفجيرات، وتمزيق النسيج الاجتماعي.. كما وفّرت الغطاء السياسي لسياسات الحصانة والإفلات من العقاب، التي جسّدها قانون الحصانة لعام 2012، والذي مثّل ضربة قاصمة لمفهوم العدالة الانتقالية، وكرّس بقاء مراكز النفوذ الفاسدة داخل مؤسسات الدولة.

لقد أثبتت الوقائع أن هذه القوى لم تمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً، وأن بقائها كان مرهوناً بالدعم الخارجي، وهو ما تكشّف سريعاً مع سقوطها أمام الزخم الشعبي الثوري. كما كشفت اعترافات شبكات التجسس المرتبطة بالأمريكي والإسرائيلي حجم الاختراق الذي طال مفاصل الدولة، ومدى تغلغل أدوات الوصاية في مختلف القطاعات.

زلزال الثورة وفضح المستور

مع انطلاق ثورة 21 سبتمبر، بدأت منظومة الوصاية بالتفكك السريع.. تهاوت مراكز النفوذ، وسقطت رهانات الخارج، وكان خروج السفير الأمريكي وقوات المارينز من صنعاء إعلاناً واضحاً بانتهاء مرحلة الهيمنة المباشرة.

لقد كشفت الثورة وثائق وحقائق خطيرة حول حجم العبث الذي طال المؤسسة العسكرية، حيث جرى تفكيكها تحت عنوان “الهيكلة” وفق رؤية أجنبية استهدفت تدمير العقيدة القتالية الوطنية.. وشملت هذه السياسات توزيع الوحدات العسكرية وتفتيت مراكز القوة، وصولاً إلى تدمير منظومات الدفاع الجوي، بما جعل اليمن مكشوفاً أمام أي عدوان خارجي.

كما كشفت الثورة كيف تحولت الأجواء اليمنية إلى ساحة مستباحة للطائرات الأمريكية بدون طيار، في ظل تنسيق أمني خارج عن أي رقابة وطنية، وهو ما يؤكد أن ما سُمي بالإصلاحات لم يكن سوى عملية “نزع مخالب” للدولة اليمنية.

من الارتهان إلى الاقتدار.. ثمار الاستقلال

اليوم، وبعد سنوات من الصمود، تتجلى ثمار ثورة 21 سبتمبر المباركة في استعادة القرار السيادي وبناء معادلات قوة جديدة.. فمن بلدٍ كان مرتهناً للمنح المشروطة والضغوط الاقتصادية، إلى دولةٍ تمتلك إرادة مستقلة وقدرات عسكرية متطورة.

لقد انتقلت اليمن من مرحلة “ارتهان الرغيف” للمانحين، حيث كانت الودائع والمنح تُستخدم كأدوات ابتزاز سياسي، إلى مرحلة الاعتماد على الذات وتعزيز القدرات الوطنية.. كما تم تجاوز نموذج “الدولة الوظيفية” التي كانت تخدم أجندات الخارج، نحو دولةٍ تسعى لحماية مصالحها الاستراتيجية.

وعسكرياً، يمثّل التحول من زمن تدمير منظومات الدفاع في 2012 إلى زمن تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وفرض معادلات الردع، أبرز تجليات هذا الاستقلال.. وقد انعكس ذلك بوضوح في الموقف اليمني المشرف إسناداً لغزة، حيث برزت اليمن كفاعلٍ إقليمي يمتلك قراره ويؤثر في معادلات الصراع.

وفي هذا السياق، يؤكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن ثورة 21 سبتمبر كانت ثمرة قرارٍ يمني خالص، عبّرت عن إرادة الشعب وتطلعاته، بعيداً عن أي إملاءات خارجية.

المسيرة مستمرة

إن ثورة 21 سبتمبر ليست محطة منتهية، بل مشروع تحرري مستمر، يستمد زخمه من عدالة قضيته ومنهجية قرآنية ترفض الخضوع والهيمنة.. لقد أسست هذه الثورة لمرحلة جديدة عنوانها الاستقلال والسيادة، ورسّخت معادلة أن الإرادة الشعبية قادرة على إسقاط كل مشاريع الوصاية.

وستبقى هذه الثورة علامة فارقة في تاريخ اليمن، وشاهداً على سقوط مشاريع “الاحتواء الناعم” التي حاولت إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات سياسية. كما ستظل حاضرة في وجدان الأجيال كرمزٍ للكرامة الوطنية والانتصار على قوى النفاق والارتهان.

إن الطريق نحو التحرر الكامل لا يزال مستمراً، لكن ما تحقق حتى اليوم يؤكد أن اليمن دخل مرحلة جديدة لا مكان فيها للوصاية، وأن زمن القرار الوطني المستقل قد بدأ ولن يتراجع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى