رمضان غزة.. صمود بين خيام النزوح وهدنة بلا أمان
رمضان غزة.. صمود بين خيام النزوح وهدنة بلا أمان

21 سبتمبر| تقرير خاص
في اليوم الثامن من شهر رمضان المبارك، يعيش قطاع غزة واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة، حيث يتداخل الصيام مع الفقد، وتغيب مظاهر الشهر الفضيل لتحلّ محلها مشاهد النزوح والدمار والانهيار الصحي، في ظل هدنةٍ هشة لم تنجح في إنهاء تداعيات إبادة مدمّرة ما تزال آثارها تضغط على حياة أكثر من مليوني فلسطيني.
كارثة صحية تهدد آلاف المرضى
يتصدر الملف الصحي قائمة الأولويات الإنسانية في القطاع، حيث حذرت الأمم المتحدة من وجود أكثر من 18,500 مريض وجريح بحاجة عاجلة إلى إجلاء طبي خارج غزة، بينهم نحو 4 آلاف طفل، في ظل شبه انهيار كامل للمنظومة الصحية.
المستشفيات العاملة تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، وتعاني نقصًا حادًا في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية، فيما تواجه أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال خطر التوقف.. وتشمل الحالات الحرجة مصابي القصف، ومرضى السرطان الذين انقطعت بروتوكولات علاجهم، إضافة إلى مرضى الفشل الكلوي والتشوهات المعقدة التي يستحيل علاجها داخل القطاع.
وتبقى القيود المفروضة على المعابر وبطء إجراءات التنسيق الطبي عاملًا رئيسيًا يضع آلاف الأرواح على حافة الخطر.
أزمة إنسانية وغذائية متصاعدة
بالتوازي مع الانهيار الصحي، تتجه الأوضاع المعيشية نحو مزيد من التدهور، بعد إعلان توجه المطبخ المركزي العالمي إلى وقف عملياته نتيجة تقليص إدخال المساعدات الغذائية بشكل حاد، حيث انخفض عدد شاحنات الإمدادات اليومية من 25 إلى خمس شاحنات فقط.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من سكان القطاع باتوا يعتمدون على مساعدات إنسانية محدودة، بينما تواجه آلاف الأسر صعوبة في الحصول على خيام أو مساكن مؤقتة، وسط استمرار منع إدخال مواد الإيواء وإعادة الإعمار.
ويحذر مختصون من اقتراب القطاع من أزمة غذائية واسعة إذا استمرت القيود المفروضة على تدفق المساعدات.
رمضان بلا ملامحه المعتادة
رمضان في غزة لم يعد موسمًا للزيارات والموائد الجماعية، بل تحول إلى اختبار يومي للصبر.. آلاف العائلات تستقبل الشهر داخل خيام النزوح بدل المنازل، فيما تحضر أسماء الغائبين على موائد الإفطار أكثر من الطعام نفسه.
الأسواق استعادت حركة محدودة، لكنها تقابل بقدرة شرائية شبه معدومة نتيجة البطالة وفقدان مصادر الدخل، بينما تلجأ عائلات كثيرة إلى المطابخ الخيرية لتأمين وجبة الإفطار اليومية.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، فإن الشعور بالأمان ما يزال غائبًا، مع استمرار تسجيل ضحايا وخروقات ميدانية متكررة.
رمضان خلف القضبان
في سجون العدو، يقضي نحو 70 أسيرة فلسطينية شهر رمضان في ظروف اعتقال قاسية داخل سجن “الدامون”، بينهن أمهات وقاصرات، وسط حرمان من الزيارات والرعاية الصحية المناسبة.
وتوثق مؤسسات حقوقية نقص الغذاء وسوء نوعيته، ومنع إدخال الإمساكيات الرمضانية، إضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد، ما يفاقم معاناة الأسيرات خلال الشهر الفضيل.
ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو 9300 أسير يعانون ظروف احتجاز وصفتها منظمات حقوقية بأنها قاسية وغير إنسانية.
الأقصى.. حضور الإيمان رغم القيود
رغم الإجراءات الصهيونية المشددة، أدى نحو 40 ألف مصلٍ صلاتي العشاء والتراويح في المسجد الأقصى المبارك، في مشهد يعكس تمسك الفلسطينيين بشعائرهم الدينية رغم القيود والاعتقالات ومنع الدخول الذي طال عددًا من الشبان.
ويشهد المسجد خلال رمضان توافدًا واسعًا للمصلين، في ظل استمرار القيود العمرية والحواجز العسكرية المفروضة على القادمين من الضفة الغربية.
أرقام كارثية
وفق وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد و171 ألف إصابة، إضافة إلى آلاف المفقودين ودمار واسع طال معظم مناطق القطاع.
ورغم الهدنة، تؤكد مؤسسات حقوقية استمرار الخروقات الصهيونية واستهداف المدنيين، ما يعمّق الأزمة الإنسانية ويؤخر أي مسار حقيقي للتعافي وإعادة الإعمار.
دعوات عاجلة
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) شددت على أن حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية تمثل أولوية ملحّة، داعية إلى توفير بيئة آمنة للعاملين الإنسانيين واستمرار تدفق الدعم الإغاثي.
صمود غزة.. رغم الحصار والدمار
بين خيام النزوح، والمستشفيات المنهكة، والسجون المغلقة، وباحات الأقصى العامرة بالمصلين، يصوم الفلسطينيون رمضان هذا العام على إيقاع الصمود لا الطمأنينة.. هدنة بلا يقين، وأزمة إنسانية مفتوحة، وشعب يواصل الصمود رغم الحصار والدمار، في انتظار انفراجةٍ تنهي معاناة امتدت لسنوات.






