عامان من العطاء.. صنعاء تبايع الشهداء وتؤكد المضي في درب القدس حتى النصر
عامان من العطاء.. صنعاء تبايع الشهداء وتؤكد المضي في درب القدس حتى النصر

21 سبتمبر| تقرير خاص
في لوحةٍ إيمانيةٍ مهيبةٍ احتضنها ميدان السبعين، تهادى اليمنيون صباح اليوم من كل اتجاه، يملأون الساحات بهتاف الإيمان ووفاء الشهداء.
“عامان من العطاء.. ووفاء لدماء الشهداء”.. هكذا حملت المسيرة المليونية عنوانها، وهكذا عبّرت الجماهير عن عمق انتمائها للخط القرآني المقاوم، وتجديدها للعهد بأن درب الجهاد والتضحية سيبقى هو طريق اليمن الحرّ، مهما طال العدوان أو اشتدّ الحصار.
كانت المسيرة تتويجًا لعامين من الثبات الإيماني والجهادي، وعهدًا جديدًا بالمضي في دعم فلسطين ومقاومتها، في وجه قوى الاستكبار الأمريكي والصهيوني، وتأكيدًا أن اليمن اليوم أكثر يقظةً واستعدادًا لما هو قادم.
ميدان السبعين.. بحر من الوفاء ومشهد من العظمة
منذ ساعات الصباح الأولى، امتلأت شوارع العاصمة صنعاء بفيضٍ بشريٍّ لا يُقاس بعددٍ ولا يُختصر بمشهد. تقاطر الأحرار من مديريات العاصمة والمديريات المجاورة من محافظة صنعاء إلى ميدان السبعين، لتتشكّل لوحة مليونية تموج بالرايات والشعارات والصور الموشّحة بدماء العطاء.
ارتفعت أعلام اليمن وفلسطين جنبًا إلى جنب، وتلألأت صور الشهيد القائد الفريق الركن محمد عبدالكريم الغماري، وشهداء محور المقاومة من فلسطين ولبنان وإيران واليمن، في مشهدٍ حمل رمزية الوفاء واليقين بأن طريق القدس هو طريق الشهداء والحرية.
الميدان بدا كأنه صدى لنداء السماء: شعبٌ يعلن أمام العالم أن دماء الشهداء أمانة لا تُنسى، وأن اليمن لن يتراجع عن نصرة فلسطين مهما بلغت التحديات.
الهتافات.. نبض الشعب وبيان الميدان
كانت الهتافات التي دوّت في سماء العاصمة خلاصة عامين من الإيمان والعطاء، لخصت الموقف العقائدي والسياسي والوجداني للشعب اليمني تجاه القضية الفلسطينية ودرب الشهداء: “عامان بتوفيق الله.. سرنا وفق كتاب الله”، “عامان ويمن الإيمان.. طوفان جنب الطوفان”، “تضحية الشهداء وقود.. لطريق الفتح الموعود”، “بذل يمني أنصاري.. توجه بدم الغماري”، “هاشم فاز ورب الكعبة.. ببياض الوجه لقى ربه”، “السنوار شهيد الأقصى.. مدرسة عطاء لا يُحصى”، “في ذكرى السنوار سلام.. لكتائب عز القسام”، “الغماري والسنوار.. قادة طوفان الأحرار”، “موقفنا اليمني متكامل.. علماء جيش وقبائل”، “سنظل نتابع ونراقب.. إن نكثوا قمنا بالواجب”، “سنواصل بالله وحوله.. ونعد لأكثر من جولة”، “يا غزة معكم ما زلنا.. سنظل وإن عادوا عدنا”، “يا غزة يا فلسطين.. معكم كل اليمنيين”.
كانت الهتافات تفيض باليقين، وتكشف عن وعيٍ شعبيٍّ متجذر، يربط بين الإيمان بالله والولاء للمستضعفين ومناهضة الطغاة، ويجعل من العطاء الشعبي ميدانًا مستمرًا للجهاد والنصرة.
بيان المسيرة.. إعلان عهدٍ ووفاءٍ ووعي
تلا عضو المكتب السياسي لأنصار الله، وعضو اللجنة الوطنية العليا لنصرة الأقصى ضيف الله الشامي البيان الرسمي للمسيرة، الذي جاء شاملاً في مضمونه ومرتبطًا بجذور المسيرة القرآنية وأهدافها.
أكد البيان أن هذا الخروج المليوني المبارك هو “تتويجٌ لعطاءٍ إيمانيٍّ وجهاديٍّ مستمر، ووفاءٌ للشهداء الذين هم وقود المسيرة وشواهد صدق التوجه”، وأن اليمن بهذا الحضور “ينزف بكل اعتزاز قائداً جهادياً عظيماً وفارساً من فرسان الإسلام، القائد الشهيد محمد عبد الكريم الغماري”، الذي مثّل رمز العطاء والبذل في مواجهة أمريكا وبريطانيا والعدو الصهيوني في البرّ والبحر.
وأوضح البيان أن الغماري ورفاقه الشهداء في مختلف التشكيلات العسكرية “برهنوا للعالم أن وعد الله بالنصر حقٌّ وصدقٌ، وأن الاعتماد على الله والتوكل عليه كفيلٌ بإلحاق الهزيمة بأعتى قوى العدوان في الأرض والبحار”.
وفي الذكرى المباركة لاستشهاد القائد الفلسطيني يحيى السنوار، استحضر البيان مآثر القادة العظماء في فلسطين ولبنان وإيران واليمن، مؤكداً أن تضحياتهم “أيقظت الأمة من سباتها وأثبتت أن الدم الزكي هو الطريق الأقصر نحو النصر”.
وجدد البيان موقف اليمن الثابت تجاه فلسطين، قائلاً: “ثباتنا على مواقفنا المبدئية الإيمانية والأخلاقية والإنسانية مع غزة وتجاه قضيتنا الأولى فلسطين والأقصى المبارك، هو عهدنا لله وللشهداء، ولن نتراجع عنه مهما كانت التحديات”.
كما شدد على أن الشعب اليمني يراقب التطورات عن كثب، وأنه جاهز للعودة الميدانية إلى المواجهة “إن عاد العدو أو نكث، فسنعود أكثر عزماً واستعداداً على كل الأصعدة والمستويات”.
وختم البيان بدعوة الأمة العربية والإسلامية إلى العودة الصادقة والعملية إلى القرآن الكريم، باعتباره النور الذي لا يطفأ، والمنهج القادر على إخراج الأمة من أزمتها الحضارية والسياسية، مؤكداً أن “لا حل ولا مخرج إلا في كتاب الله”.
الشهداء.. منارة الدرب ومصدر البصيرة
حملت المسيرة عنوان الوفاء للشهداء، فكانت صورهم حاضرةً في كل زاوية، وأسماؤهم تلهج بها الحناجر.
الشهيد القائد محمد عبدالكريم الغماري مثّل محور الحضور الشعبي، إذ تجلت ذكراه في الهتافات واللافتات وفي الدموع التي انهمرت حبًّا ووفاءً له، كقائدٍ كتب بدمه فصلًا من العزة اليمنية.
وكذلك الشهيد يحيى السنوار، الذي استحضره المشاركون كرمزٍ للجهاد الفلسطيني، فهتفوا له مؤكدين أن نهجه في المقاومة مستمر، وأن دماءه امتزجت بدماء الغماري وكل شهداء محور المقاومة.
ثورة 21 سبتمبر.. الجذر العميق لهذا الوعي المقاوم
ما كان لهذا الموقف الشعبي أن يتجذر ويصمد لولا ثورة 21 سبتمبر المجيدة، التي أعادت للشعب قراره، وصاغت ملامح الدولة الوطنية المقاومة المستقلة.
هي الثورة التي أطلقت وعيًا إيمانيًا قرآنيًا جعل من الإسناد لفلسطين واجبًا دينيًا ووطنيًا، ومن دماء الشهداء وقودًا لمسيرة التحرر.
بفضلها، أصبح اليمن نموذجًا للأمة في الثبات والعطاء، وصار موقفه المقاوم جزءًا من معادلة الردع الإقليمي التي تتصدى للهيمنة الأمريكية والصهيونية، وتبني محورًا حرًّا ممتدًّا من صنعاء إلى غزة وطهران وبيروت.
الوفاء مستمر والعطاء لا يتوقف
كانت مليونية “عامان من العطاء.. ووفاء لدماء الشهداء” أكثر من فعالية جماهيرية؛ كانت موقفًا إيمانيًا ورسالةً استراتيجية: أن الشعب اليمني الذي صمد في وجه العدوان والحصار قادر على أن يواصل عطاؤه وبذله، وأن دماء الشهداء في اليمن وغزة ولبنان وإيران تضيء طريق الحرية للأمة كلها.
في ميدان السبعين، كتب اليمنيون اليوم بيانهم بأصواتهم، وخطّوا بدماء الشهداء عهدهم الأبدي: “لن نخون الدماء، ولن نخذل فلسطين، وسنظل على عهد الله، حتى يتحقق وعده بالنصر القريب، بإذن الله”.










