“إخوان الصدق”: عندما تحدث أبو عبيدة عن اليمن الذي لا يخذل فلسطين
"إخوان الصدق": عندما تحدث أبو عبيدة عن اليمن الذي لا يخذل فلسطين

21 سبتمبر| تقرير خاص
في زمن الخذلان العربي والتواطؤ الرسمي وبيع القضايا في أسواق التطبيع، خرج صوت المقاومة من غزة، جريحًا، لكنه واثقًا.. صارخًا، لكنه حكيمًا.. يحمل بين حروفه جراح الأطفال ووصايا الشهداء وأمانة الدماء التي سُفكت في شوارع غزة وتحت ركام خيامها.
أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، لم يكن مجرد متحدث في كلمة متلفزة، بل كان لسان غزة الجريحة، ووجدان أمتها المقهورة، ورسول الكرامة من أرض الرباط إلى من تبقّى له شرف في هذا الزمن.. وفي خطابه الأخير، اختار أبو عبيدة كلماته بعناية دقيقة، كأنها قذائف وعي موجّهة، أُطلقت ليس على العدو فقط، بل على رؤوس المتخاذلين من بني جلدتنا، الذين اكتفوا بالتفرّج على مذبحة شعبهم.
وفي قلب هذا المشهد العربي المترنح، كان هناك شعب خاض ثورة سيادية تحرّرية، أعادت صياغة قراره الوطني خارج وصاية السفارات، وكسرت قيد التبعية الطويلة.. إنها ثورة 21 سبتمبر المجيدة، التي لم تُنتج مجرد تغيير سياسي، بل أفرزت مشروعًا مقاومًا متصلًا عضويًا بقضايا الأمة، في طليعتها فلسطين.
ففي هذا الظلام العربي، كان لا بد من شعلة.. وفي هذا البحر المتلاطم من الخذلان، كان لا بد من جزيرة عزّ تقف شامخة، رافعة رأس الأمة بأكملها… وهنا ظهر اليمن.
اليمن.. استثناء الأحرار و”الحجّة الدامغة”
في قلب خطاب أبو عبيدة، تتجلى الحقيقة: ليست كل العواصم عواصم خيانة، وليست كل الجيوش جيوش استسلام.. فقد استثنى “أبو عبيدة” اليمن من قائمة العار، قائلاً بصراحة قاطعة: “نُحيي شعبنا اليمني العزيز في يمن الحكمة والإيمان، ونحيي قواته المسلحة، ونخصّ بالتحية إخوان الصدق.. أنصار الله”.
هنا لم يكن يجامِل، ولم يكن يداري، بل كان يفرز.. يُقسِّم الأمة إلى فسطاطين: فسطاط الفعل وفسطاط التخاذل، فسطاط الجبهة وفسطاط الإدانة.
واليمن، في عين القسام، لم يكن متضامنًا من بعيد، بل فاعلًا في قلب المعركة.. اليمن الذي ضرب العدو في البحر الأحمر، ومنع السفن من دخول موانئ الكيان، وكبّده خسائر اقتصادية خانقة… اليمن الذي أطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو كيان العدو الصهيوني، وحوّل مياهه إلى جبهة مقاومة، ومواقفه إلى حجّة دامغة على العرب القاعدين.
قالها أبو عبيدة بوضوح: “إخوان الصدق أنصار الله فرضوا على العدو جبهةً فاعلةً أذهلت العالم، وأقاموا الحُجّة الدامغة على القاعدين والخانعين من أبناء أمتنا”.
ليسوا عربًا.. إلا اليمن
حين تحدّث أبو عبيدة عن العرب، لم يكن حديثه عاطفيًا، بل حسابًا أمام الله والتاريخ.. قالها صريحة: أنتم خصومنا أمام الله… كل حاكم وملك وأمير وسلطان وشيخ صمت عن مذبحة غزة هو في خانة العار، وكل منظّر سياسي وداعية اعتزل القضية هو في قفص الاتهام.
لكن في مقابل هذه الخيانات، لم يكن اليمن صامتًا.. اليمن، بقيادة السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي، لم يخذل، ولم يساوم، ولم يضعف، بل اختار أن يكون في طليعة الشرف، وسطر ملحمة عزّ تتجاوز الجغرافيا وتخترق جبن الأمة.
في حين ركنت الدول إلى مواقف باردة، وارتعدت بعض العواصم من تصريح، كان اليمن يسخّر قواه، ويبتكر صناعاته العسكرية، ويمضي في المعركة كما لو أن غزة جزء من صنعاء، ورفح جزء من صعدة، والسبعين مرآة لجبل النار.
خطاب الفرز التاريخي.. والأمة أمام امتحان اليمن
خطاب أبو عبيدة الأخير ليس كغيره، بل هو بيان مرحلة وفرز وجودي، وضع كل دولة وكل فصيل وكل عالم وكل حزب وكل فرد أمام مرآة الدم الفلسطيني.. من قدّم فعلًا فله المجد، ومن اكتفى بالبيان فهو في خانة الخذلان.
لقد حدّد أبو عبيدة معيار الشراكة: “الميدان لا الكلمات، الفعل لا النية، الردع لا التصريحات”.
وهنا يتجلى موقع اليمن، ليس فقط كداعم بل كشريك في صناعة الردع، وكجبهة لا تنفصل عن غزة لا سياسيًا ولا عسكريًا ولا أخلاقيًا.. وفي هذا المعنى العميق، فإن تحية القسام لليمن ليست مجاملة، بل تثبيت شراكة في الدم والقرار والمصير.
من خطاب غزة إلى قواعد الردع في البحر الأحمر
حين قال أبو عبيدة إن العدو لا يستطيع كسر غزة رغم الدعم الأمريكي والغربي المفتوح، فقد كان يتحدث من موقع المقاومة التي تعرف من أين يأتي الأمل… ومن يدعمها بصدق.
كان يقف خلفه على الجبهة قادة يطلقون المسيّرات من صنعاء، ويمنعون السفن من الوصول إلى موانئ العدو، ويُربكون شحناته العسكرية، ويخلقون توازن رعب حقيقي من البحر إلى الجو، ومن الكلمة إلى الفعل.
اليمن اليوم، في وجدان المقاومة، هو ظهر غزة وحليف الدم، لا مجرد متعاطف.
“إخوان الصدق”.. هوية ثورية جديدة
العبارة التي اختارها أبو عبيدة: “إخوان الصدق”، لم تكن مصطلحًا لغويًا أو تعبيرًا مجازيًا.. بل كانت وسامًا، ونحتًا مفاهيميًا جديدًا في قواميس الأمة.. فأن تكون من “إخوان الصدق” يعني أنك لست ممن انتظر المفاوضات، أو راقب بحذر، بل ممن قاتل وواجه، وصنع السلاح، وأطلق النار، واحتمل الحصار، وواجه التهديدات، وأبى إلا أن يكون في الجبهة.
لم يكن هذا الموقف اليمني العظيم ليُولد في بيئة خاضعة أو مرتهنة، بل هو إحدى الثمار اليانعة لـ ثورة 21 سبتمبر المجيدة، التي حرّرت القرار السياسي من التبعية، وبنت جيشًا وطنيًا قادرًا على خوض المعركة ضد قوى الاستكبار العالمي، نصرةً للمستضعفين.
فبفضل هذه الثورة الشعبية، أصبح لليمن قرارٌ مستقلّ، وسلاحٌ محرَّر، وإرادة لا تُشترى، وهو ما مكنه من الوقوف إلى جانب فلسطين لا بالكلام، بل بالصواريخ والطائرات والمياه المشتعلة.
وهنا، لم يقصد أبو عبيدة عموم اليمنيين فقط، بل حدّد بوضوح: أنصار الله، الذين صاغوا قرار الحرب من قناعة، لا من رد فعل.. وجعلوا من نصرة غزة مبدأ عقائدياً، لا خطوة سياسية.
بين صنعاء وغزة: وحدة المعركة وتكامل الجبهة
حين تطرق أبو عبيدة إلى اليمن، لم يكن يفصل بين المعارك، بل كان يدمجها في ساحة واحدة.. من البحر الأحمر إلى حدود لبنان، ومن غزة إلى صنعاء، يتشكل اليوم محور ناري من الفعل المقاوم، لا يعرف التراجع، ولا يعترف بالحدود المصطنعة.
وهنا، يصبح كل شهيد في غزة، هو شهيد في اليمن.. وكل طلقة من القسام، لها صدى في جبال مران.. وكل مسيّرة يمنية تحلّق فوق البحر، هي تعزيز مباشر لقدرة غزة على الصمود.
هذا زمن اليمن.. وزمن إخوان الصدق
في الخطاب الأخير لأبو عبيدة، سُطرت معادلة جديدة: من ناصر فلسطين بالفعل، صار منها، ومن صمت، تبرأت منه غزة.
وهكذا، تصعد صنعاء إلى موقع الشرف التاريخي، لا بوصفها عاصمة من العالم الثالث، بل بوصفها جبهة أولى في معركة تحرير فلسطين.. إنّ عبارة “إخوان الصدق” التي اختارها أبو عبيدة، يجب أن تُكتب في مناهج الأجيال القادمة، لأنها اختزلت التاريخ والموقف والانتماء في كلمتين فقط.
وإن كان التاريخ سينسى المتفرجين، فإنه سيحفظ للأبد أن في زمن الذل، كان في اليمن قومٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه… ولم يبدّلوا تبديلاً.













